دنيا

الإعلام و «الأخلاقيات الأحيائية»

ليست ثورة التكنولوجيا في عالم الاتصال هي المحرك الوحيد للتحديات التي تواجه الإعلام في العصر الراهن، فثمة تحديات أخرى لا تقل أهمية، من الناحية الإنسانية والمهنية على حد سواء. ومن طفرة عمليات التجميل من دون معايير “إنسانية أو جمالية واضحة” إلى تجارب الخلايا الجذعية الجارية والواعدة، مرورا بنقل الأعضاء واستنساخها ومخاطر الاحتباس الحراري وكثير غيرها من شؤون علوم الأحياء التي تمّس الإنسان في ذاته وهويته، يغيب عن الإعلام ملفات بالغة الحساسية.
وإلى جانب كثيرين يميلون عادة إلى التخفيف من هول الأشياء والمخاطر، يقف وراء هذا الغياب أصحاب مصالح ونفوذ متعددي الجنسية والاهتمامات والمهن، ويساهم الإعلام إلى حد كبير في ذلك عندما ينأى بنفسه عن الطرح الجاد لمستجدات هذه الملفات.
هذا واقع مستمر منذ عقود ويثير شجونا كثيرة إذا تعمّقنا فيه على طريقة مؤتمر “الإعلام والأخلاقيات الأحيائية”، الذي انعقد في بيروت في 11 ديسمبر الماضي ضمن أنشطة “برنامج د. سليم الحص في الجامعة الأميركية”، والذي يثير، من بين إشكالات عديدة، مسألة المصطلح وندرة المتخصصين العرب (مقابل تعدد الأسماء الأجنبية اللامعة في هذا الحقل ممن شاركوا وأحيوا المؤتمر من الغرب) ثم التساؤل عن إمكانية أن ينال مثل هذا الموضوع جزاءً من اهتمامنا في الإعلام العربي.
ويمكن تعريف أخلاقيات علم الأحياء “بيوأثيكس” بأنها نتاج دراسة فلسفة الخلافات الأخلاقية الناجمة عن التقدم في البيولوجيا (علم الأحياء) والطب والتكنولوجيا. إنها ترتبط بالمسائل الخلافية التي تنشأ خلال العلاقات بين علوم الحياة والتكنولوجيا والطب والسياسة والقانون والفلسفة واللاهوت. ولهذا فإن الطبيعي أن يكون لهذه الدعوة خصومها وأعداؤها، بينما مصادر مساندتها ترتكز بشكل أساسي على مجموعات من الناشطين وبعض المموّلين ذوي الميول الإنسانية.
يقال إن هذا المصطلح ظهر للمرة الأولى في عام 1927، مترافقا مع توقعات بكثير من الجدل حول تطبيق الاختبارات على الحيوانات، ومنذ العام 1970 بدأ استخدام المصطلح وقليل من تطبيقاته في التوسع بشأن حماية البشرية والغلاف الجوي ولاحقا بشأن قضايا ومخاطر مشابهة مثل تداعيات الاستنساخ و”البدائل البشرية” والموت الرحيم وآثار التكنولوجيا وحدود استخداماتها في البشر وغيرها كثير، وبموازاة ذلك فُتح في الغرب موضوع دور الإعلام في نشر قيم هذه الأخلاقيات من خلال تعاطيه مع المستجدات والخلافات ذات الصلة بهذه العلوم والمجالات.
اعترف أن عنوان “الإعلام والأخلاقيات الأحيائية” أشكل عليّ بداية، وأحسسته غريباً إلى أن عرفت القصد منه. وإنه لأمر مؤسف أن يغيب مثل هذا الموضوع عن ثقافتنا ولو بنطاقها الأكاديمي والمهني، رغم مرور نحو 90 عاماً على بداية ظهور المصطلح وأكثر من أربعين عاما على بداية انتشاره الواسع في الغرب، ورغم الحاجة المتزايدة له في عالم زادت فيه الجرعة “اللاإنسانية” .


barragdr@hotmail.com