دنيا

نقوش الحناء.. إبداعات ورثها المصريون منذ عهد الفراعنة

السائحات يقبلن على رسم الحناء بوصفه شكلاً من أشكال التراث  (الصور من المصدر)

السائحات يقبلن على رسم الحناء بوصفه شكلاً من أشكال التراث (الصور من المصدر)

باتت «الحناء» مهنة تغني البعض عن البطالة كما تحفل الأماكن السياحية في القاهرة لاسيما منطقة خان الخليلي والقلعة وشارع المعز، مجتذبة عشرات من النساء يحملن أطباقا صغيرة من الحناء وإبراً خشبية للنقش، قبل أن ينادي عليهن أي من السياح فيجلسن بقربه ويبادرن بتنفيذ رغبته بتزيين يديه أو قدميه بنقوش الحناء المختلفة، واللافت توجه عدد من الفتيات الجامعيات لامتهان نقش الحناء هرباً من شبح البطالة.

محمد عبد الحميد (القاهرة) - يجري التزين بالحناء في مصر بطقوس احتفالية متوارثة منذ مئات السنين لاسيما في الأفراح، على أن تخصص الليلة التي تسبق ليلة العرس لتزيين العروس بالحناء وتسمى ليلة الحناء، ولتلك الليلة طقوس خاصة حيث تجلس العروس وسط صديقاتها وقريباتها يشاهدنها وهي تتزين بالحناء تيمنا واعتقادا بما ترسخ في الذاكرة الشعبية من أن الحناء من «الحنين والحنان»، وأنها بمثابة تميمة لجلب الحظ السعيد والفرحة وتقوية العلاقات الاجتماعية، لذا تلجأ إليها الأسرة لتزيين ابنتها وهي مقبلة على الانتقال من بيت والدها إلى بيت زوجها، وتكوين حياة أسرية جديدة، كما جرى العرف على أن تتسابق الفتيات في تلك الليلة على نقش أيديهن من الطبق نفسه الذي استعملته العروس للتعجيل بفارس الأحلام.
ونظرا لتزايد الإقبال على نقوش الحناء بين المصريات راجت مهنة «الحنانة»، وهي حرفة تزاولها امرأة متخصصة في رسوم الحناء وملمة بأسرارها، ومؤخراً اقتحمتها الجامعيات ممن لم يجدن فرص عمل تناسب تخصصاتهن.
إقبال متزايد
تؤكد «الحنانة» الجامعية جميلة إبراهيم أن الإقبال المتزايد على استعمال الحناء كبديل لمستحضرات التجميل وما تجنيه العاملات في تلك المهنة من أجر مرتفع، دفع ببعض خريجات الجامعة إلى العمل في تلك المهنة وتطوير أدواتها بما يتناسب مع متطلبات العصر.
وتوضح «تخرجت في كلية الآداب قسم فلسفة، وأنا أجيد فنون الرسم بالحناء، وكنت أتولى تزيين صديقاتي في الكلية بنقوش الحناء المختلفة كنوع من التسلية والمرح في أوقات الفراغ، وبمرور الوقت اكتسبت خبرات كبيرة، وصرت أتمتع بسمعة طيبة في هذا المجال، وأجني مكاسب تعينني على دفع مصروفات الدراسة ومساعدة أهلي، حيث كانت تستعين بي بعض الأسر في الأفراح والمناسبات المختلفة».
وتضيف «بعد تخرجي لم أسع للعمل بالشهادة وإنما اتجهت مباشرة للعمل في مجال الحناء لأنها هواية أعشقها وتجعلني على مقربة دوما من عالم الموضة والأزياء، وأحصل من خلالها على أجر مناسب يفوق أضعاف ما كنت سأناله من العمل بشهادتي الجامعية، كما أتاحت لي فرص التعرف على نوعيات مختلفة من الناس لاسيما السياح الأجانب حيث إن غالبية عملي ما بين القرى السياحية والفنادق الكبرى».
وحول الأشكال التي يرسمنها، تقول إبراهيم «تزايد الإقبال على التزين بالحناء دفع بالعاملات في تلك المهنة إلى التفنن في عرض إبداعاتهن اليدوية، عبر ألبوم صور، تعرض على العميلة لكي تختار الشكل الأنسب لها والأقرب إلى ما ترغب به». وتضيف «نعرض صور أشكال قد ترغب فيها العميلة، وهي تتوزع بين وضع الحناء على شكل نقوش أو طلائها بشكل عادي، غير أن الشكل الأخير بدأ يجد طريقه للاندثار لأن أغلب الفتيات يفضلن رسم أشكال بالحناء تحاكي الوشم التقليدي».
وتوضح «هناك فتيات لاسيما طالبات الجامعة يتفنن في اختيار رسوم الحناء، ويحضرن رسوما بأنفسهن ويطلبن مني رسمها وهي رسوم مبتكرة فمثلا هناك رسوم على شكل ورد وفروع شجر وغصن الزيتون، ورسوم على شكل خلخال يرسم على اليد والقدم، فضلا عن الرسوم الصينية، التي تعتبر موضة هذه الأيام، وهي عبارة عن كلمة بحروف صينية لها معنى وعلاقة بالفرح والحب والتفاؤل، وهذه الرسوم تكون على الذراع والكتف والرقبة والظهر ناهيك عن رسوم خاصة بالأبراج».
أدوات النقش
مريم عبدالخالق، تمتهن رسم الحناء منذ 15 عاما، تقول إنها تعلمت تلك المهنة من أمها، وهي صغيرة حيث كانت نقوش الحناء أحد مظاهر زينة المرأة في مسقط رأسها (أسوان بصعيد مصر)، والتي بدأت فيها موهبتها في نقش الحناء قبل أن تنتقل مع أسرتها إلى القاهرة، وتضيف «اتجاهي للعمل «حنانة» جاء بالمصادفة فقد كنت أقوم بتزيين بنات الجيران في حي باب الشعرية بالقاهرة، حيث انتقلت أسرتي للسكن في بداية استقرارنا بالقاهرة، وكنت أفعل ذلك كنوع من المجاملة لهن، ولكن بمرور الوقت وجدت إقبالا كبيرا لإعجاب الكثيرات بما أقوم به من رسوم ونقوش تضفي مزيدا من الجمال على ملامح العروس، ومن هنا بدأت رحلتي في تلك المهنة التي أراها هواية جميلة وأستمتع في كل مرة أزين خلالها امرأة، وأجد علامات السعادة والسرور ترتسم على ملامحها وهي تشكرني على لمساتي الجميلة».
وتوضح أن النقش بالحناء يتم بوساطة قطعة خشبية صغيرة من أشجار التوت أو الكافور تشبه قلم الرصاص، وتسمى «المرود» يتم غمسه في الحناء والرسم به لأن شوكته تساعد على رسم خطوط رقيقة وفي منتهى الدقة. وإجادة الرسم «بالمرود» تحتاج إلى صبر ومهارة وخفة يد في الحركة فليست كل امرأة قادرة على استعماله، حيث تتطلب نقوش الحناء دقة متناهية لإبرازها، وأي اعوجاج يعطي مظهرا سلبيا ويقلل جمال الرسم، لاسيما أن الحناء تتطلب رسوما صعبة مثل العقرب والخلخال والثعبان والزهور، وهي رسوم متوارثة منذ زمن الفراعنة، وكانوا في الماضي يعتقدون أنها طقوس لتجنب قوى الشر السفلية، وجلب الحظ، مؤكدة أن تعلم الرسم بالحناء يتطلب التدريب منذ الصغر.
وتشير عبدالخالق إلى أن استعمال الحناء موجود في العالم، ولكل منطقة ما يميزها من رسوم فهناك الرسم الفرعوني والشامي والمغربي والصيني والهندي والخليجي والأفريقي، وعلى من تعمل في تلك المهنة أن تلم بكل تلك الأنواع كي تلبي طلبات عميلات أحيانا يطلبن منها رسما بعينه شاهدنه في فيلم سينما.
وتوضح أن عملها لا يقتصر على الأفراح، وإنما هناك أيضا سيدات وفتيات يقبلن على الحناء كنوع من الزينة في المناسبات المختلفة كأعياد الميلاد وذكرى الزواج والمناسبات الدينية كعيد الفطر، حيث يكثر إقبال النساء على التزين. وتؤكد أن السياح يقبلون على الحناء كنوع من الزينة والفلكلور أثناء وجودهم في مصر.
أسلوب خاص
حول أسلوب عملها، تقول «الحنانة» عفاف عبده «لكل «حنانة» طريقتها وأسلوبها الخاص في أداء عملها، مما يميزها عن غيرها فهناك من تفضل الرسم بالحناء الخام الممزوجة بالماء البارد، وهناك من تقوم بخلطها بالقرنفل والليمون مع بعض فصوص الثوم بمقادير محددة وتترك الخليط لساعتين على الأقل في إناء يغطى جيدا قبل أن تبدأ استعمالها».
وتضيف «يمكن التحكم بألوان الحناء عن طريق إضافة ‏‏مواد نباتية، مثل الليمون أو البابونج إلى الحناء ما يجعل اللون ‏‏يميل من البني القاتم إلى الأشقر، وفي حالة إضافة مواد قلوية مثل البيكربونات أو الشاي يصبح اللون داكنا وذلك بمقادير محددة تعد من أسرار المهنة».
وتلفت عبده إلى أن «عملية النقش بالحناء البلدية تستغرق ضعف أي نوع آخر فمثلا لو كانت الرسوم تحتاج إلى ساعة ففي أي نوع آخر لن تستغرق أكثر من نصف ساعة؛ لأن الحناء البلدي تكون ثقيلة في تحريكها على الجلد بسن «المرود»، وإن كان ما يميزها أنها تبقى لنحو أسبوعين على الأقل من دون تغير ألوانها مهما طالتها المياه أو تعرضت للشمس، بينما الأنواع الأخرى فهي سهلة في الاستعمال لاسيما الهندية، ويعيبها أنها لا تدوم أكثر من أسبوع، وبعدها تبهت الألوان وتتغير معالمها».
وتؤكد أن الحناء بشكل عام تكون سببا في تفتيح البشرة، وهو ما يجعل الإقبال عليها متكررا من نفس الفتاة أو السيدة بحيث لا يقتصر نقش الحناء على مرة واحدة، وإنما يستمر لحين الحصول على النتيجة المرجوة، مشيرة إلى أن أنواع الحناء الموجودة في مصر يتم استيرادها من ‏‏الهند وسنغافورة وماليزيا والسودان.
وحول مقدار ما تتقاضاه من أجر، تقول عبده إنه يختلف حسبما تطلب منها العميلات فإذا كان الأمر يقتصر على رسم نقوش الحناء على اليدين والقدمين فإنها تتقاضى نحو 100 جنيه، وتنتهي من ذلك في نحو نصف الساعة، بينما يتضاعف الأجر حال طلب نقوش ورسوم محددة، وهناك فتيات يطلبن في أثناء الاستعداد للزفاف إقامة ليلة حناء كاملة بطقوسها النوبية المتوارثة منذ القدم، من خلال عمل رسوم وماسكات بالوجه وحمام مغربي وزفة نوبية مصحوبة بالموسيقى.

علاقة نامية
لا تقتصر علاقة المجتمع المصري بالحناء على أنها مجرد وسيلة للتزين تتوارثها الأجيال منذ زمن الفراعنة، ولكن الأمر تجاوز ذلك في السنوات الأخيرة نظرا للاتجاه المتزايد للعودة للطبيعة في مجالات الزينة وتجنب المستحضرات الصناعية، كما يلجأ إليها بعض الرجال لأسباب صحية وعلاج آلام حادة في باطن القدمين، نتيجة أمراض عضوية كالسكري والنقرس والروماتيزم والالتهابات الفطرية التي توجد بين الأصابع.