الاقتصادي

بوادر على انقشاع «الغيوم» الاقتصادية عن «سماء» مصر

الإقبال على استبدال الجنيه بالدولار تراجع في مصر مؤخراً بعد رفع أسعار الفائدة

الإقبال على استبدال الجنيه بالدولار تراجع في مصر مؤخراً بعد رفع أسعار الفائدة

حين ارتفع مؤشر البورصة المصرية هذا الأسبوع إلى أعلى مستوى له منذ يوليو الماضي، كان ذلك أكثر من مجرد خبر سعيد لمستثمري الأوراق المالية، إذ أنه مؤشر على أن اقتصاد البلاد بات مرشحاً للتعافي بعد عام كامل من الاضطرابات. وتعطلت كثير من الاستثمارات تحت وطأة الاضطرابات التي تلت الإطاحة بالرئيس حسني مبارك خلال فبراير 2010، وأدى هذا إلى تراكم الطلب بشكل هائل على الإسكان والسلع والخدمات لتلبية احتياجات نمو سكاني سريع .. طلب قد تتحرك الشركات الآن للوفاء به ما يضع البلاد على مسار نمو اقتصادي أسرع في وقت لاحق من العام الجاري. وقد تحصل مصر على بعض الدعم في جهودها الحثيثة لتمويل عجز الموازنة وعجز الحساب الجاري اعتباراً من مارس الجاري، حيث من المتوقع أن توقع اتفاق قرض بقيمة 3,2 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي قد يفتح الطريق أمام مزيد من المساعدات الخارجية. ولم يعد الانخفاض الحاد المحتمل في قيمة الجنيه مؤكداً.
التحول الديمقراطي
وتمضي مصر قدماً في عملية التحول إلى الديمقراطية، بما في ذلك الانتخابات البرلمانية التي جرت في يناير الماضي. صحيح أن العملية شابتها اضطرابات وتظاهرات اجتاحت الشوارع ولا تزال هناك قضايا محورية عدة يحيط بها جو من الضبابية، مثل حجم الصلاحيات التي سيحتفظ بها الجيش. لكن المتوقع بنهاية يونيو القادم أن يتولى حكام مدنيون شؤون البلاد وسيكون عليهم اتخاذ قرارات صعبة على مستوى السياسات الاقتصادية.
ويقول جابرييل ستيرن، الاقتصادي ببنك “إكزوتيكس” الاستثماري المتخصص في الأسواق الناشئة، “كانت هناك كثير من التحذيرات خلال العام الماضي لكن الواضح أن الأمر سينتهي إلى حكومة تعكس إرادة الشعب”. ويضيف “هذه الحكومات ستجد سهولة أكبر في إدخال إصلاحات هيكلية كونها في التحليل النهائي في صالح الشعب. لكن الاحتمالات لا تزال قائمة لأن تضل الإصلاحات الطريق”.
ولا يزال الاقتصاد المصري يئن تحت وطأة ضبابية سياسية واضطرابات عمالية تلت الإطاحة بمبارك. فقد ارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 12,4% في الربع الرابع من عام 2011 من أصل 8,9% قبل عام على الرغم من أن اقتصاديين يرون في هذه النسبة تهويناً للعدد الحقيقي للعاطلين عن العمل. وتفاقمت معدلات الفقر الذي كان محفزاً رئيسياً لانتفاضة العام الماضي، غير أن بعض قطاعات الاقتصاد تستعيد عافيتها بشكل جيد. فقد عوضت إيرادات قناة السويس وصادرات النفط والغاز وتحويلات العاملين بالخارج القوية، فاتورة تراجع دخل السياحة واستثمارات الشركات الأجنبية بشكل جزئي. ويظل تراجع معدلات السياحة التي تعد مصدراً مهماً للعملة الصعبة وللتوظيف غير مريح لكنه لم يعد خانقاً. وتراجع عدد الليالي السياحية بنسبة 18% خلال ديسمبر الماضي عنه قبل عام حسب الأرقام الحكومية مقارنة بتراجعات شهرية تراوحت بين 30 و50% خلال فترة الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد مطلع العام الماضي.
نتائج إيجابية للشركات
وحققت شركات مصرية كبيرة أداء أقوى بكثير من توقعات المحللين. فأعلنت “حديد عز” أكبر مصنع للحديد في البلاد أن صافي أرباحها خلال الربع الثالث قفز إلى 128 مليون جنيه (21 مليون دولار) من أصل 1,65 مليون جنيه قبل عام بفضل الطلب القوي على منتجاتها. وتراجع صافي الأرباح المجمعة للبنك التجاري الدولي أكبر بنك خاص في البلاد من حيث قيمة الأصول بنسبة 20% العام الماضي بعد تجنيب مخصصات مرتفعة توقعاً لخسائر القروض. لكن هذا الانخفاض لا يعد كارثياً في أجواء أزمة اقتصادية.
وهناك مؤشرات على أن رجال الأعمال يتوقعون انتعاش الاستثمار خلال العام الجاري. فتقول الشركة المصرية للاتصالات التي تتمتع باحتكار خطوط الهواتف الأرضية إنها تخطط لإنفاق رأسمالي يتراوح بين مليار و1.2 مليار جنيه هذا العام ارتفاعاً من مبلغ 689 مليون العام الماضي. وقال طارق أبو علم الرئيس التنفيذي للشركة لـ”رويترز” إنه رغم بقاء المناخ الاقتصادي الصعب فإن عملاء الشركة من قطاع المؤسسات قرروا أنهم لا يستطيعون الانتظار أطول من ذلك حتى تتحسن حظوظ البلاد.
وتحسنت آفاق الشركات العقارية التي حفزت الاقتصاد خلال العقد الأخير منذ صدور حكم قضائي في خواتيم العام الماضي أدى إلى تسوية نزاع على أراض للدولة اشترتها مجموعة طلعت مصطفى. وكان ذلك النزاع قد أثار شكوكاً حول مشروعات أخرى في أنحاء القطاع. وتقول شركة “سوديك”، الرائدة في مجال التطوير العقاري، إنها تخطط لزيادة استثماراتها هذا العام وتحاول وزارة الإسكان إطلاق نشاطها ببيع 8000 قطعة أرض على أطراف القاهرة للمصريين المقيمين بالخارج. ويقول أيمن سامي رئيس مكتب شركة “جونز لانج لاسال” في مصر “نحن نرى فعلياً بعض الدلائل على تزايد النشاط”. لكنه يستدرك قائلاً “استمرار حالة اليقين شرط أساسي لكي يستعيد الاقتصاد عافيته تماماً”.
استقرار المالية العامة
ويقدر “صندوق النقد” أن الناتج المحلي الإجمالي لمصر سيزيد بنسبة طفيفة خلال 2012 إلى 1,8% بعدما ارتفع بنسبة 1,2% العام الماضي و5,1% عام 2010. ويعتقد بعض الاقتصاديين أن التعافي الاقتصادي قد يمضي بوتيرة أسرع كثيراً. ويتوقع بنك “إتش.إس.بي.سي” أن الناتج المحلي الإجمالي قد ينمو بنسبة 2,7% في السنة المالية الحالية التي تنتهي في 30 يونيو وبنسبة 3,9% خلال السنة المقبلة. لكن قوة التعافي الاقتصادي ستتوقف جزئياً على قدرة الحكومة على الفوز بثقة مجتمع الأعمال.
وكان مسؤولون حكوميون سربوا إلى الإعلام المحلي هذا الأسبوع أنباء عن وجود خطة لتحقيق الاستقرار في المالية العامة للبلاد، تعد أول خطة تفصيلية خلال عام. وتهدف الخطة إلى خفض عجز الموازنة إلى 7,7% من الناتج الإجمالي خلال السنة المالية 2013 - 2014 من أصل 8,4% هذا العام وخفض الدين العام إلى 77,5% من الناتج المحلي الإجمالي من أصل 82,2%. كما تهدف الخطة إلى تعزيز كفاءة الإنفاق على الدعم الحكومي وإصلاح منظومة ضريبة الدخل والضرائب العقارية وطرح 50 ألف قطعة أرض للمصريين بالخارج لجمع 15 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة، وربما فتح باب التقدم للحصول على رخصة تشغيل خدمات الجيل الرابع للهاتف المحمول. لكن أثر هذه الخطة قد ينعدم ما لم تحصل على دعم فعال من القوى السياسية التي ستقبض على مقاليد الحكم بعد يونيو المقبل، خصوصاً “الإخوان” الذين فازوا بما يقرب من نصف مقاعد البرلمان في الانتخابات العامة.
وسيكون تطبيق إجراءات تقشف لخفض عجز الموازنة أمراً شديد الصعوبة بعد ثورة استمدت وقودها من غضب الشعب من الأحوال الاقتصادية، لا سيما بالنسبة لـ”الإخوان” الذين يستمدون كثيراً الدعم من شرائح الفقراء. ويقول ستيرن: “شاهدنا نضوجاً سياسياً كبيراً فعلاً من الإخوان، لكنهم سيخضعون إلى اختبار اقتصادي الآن. والقرارات الواجب عليهم اتخاذها ستتطلب درجة مساوية من النضوج إن لم تكن أكبر”. إلا أن الأسواق المالية بدأت تثبت قدرة الحكومة على النهوض لمستوى التحديات. فقد ارتفع مؤشر البورصة بنسبة 44% خلال العام الجاري رغم أنه لا يزال منخفضاً عن أعلى ارتفاع له خلال العام الماضي بنسبة 28%.
وأصبح معظم مشتري الأسهم مستثمرين مصريين وليسوا أجانب، إذ يساور المستثمر الأجنبي مخاوف من تراجع محتمل لقيمة العملة. وهناك مؤشرات أيضاً على أن المستثمر الأجنبي أصبح أكثر ارتياحاً لمصر. فالعائد على السندات الدولارية المستحقة في عام 2020 والمسعرة عند 5,75% جاء عند أقل من سبعة في المئة هذا الأسبوع بعد ارتفاعه إلى 8,38% في منتصف يناير الماضي. ويظل هذا العائد أعلى بكثير من مستويات حول 5,3% سجلها مطلع العام الماضي.
تراجع الضغوط على الجنيه
وفي سوق العملات الأجنبية، ثمة إشارات على تراجع الضغوط النزولية على الجنيه. وتباطأ مستوى تهافت الأفراد والشركات المصرية على استبدال الجنيه بالدولار ما يعزى جزئياً إلى رفع البنك المركزي أسعار الفائدة، ما جعل ودائع البنوك المحلية أكثر جاذبية. ويقول اندرو لونج، رئيس عمليات “إتش.إس.بي.سي” في مصر، “كان هناك الكثير من دولرة الودائع في النصف الأول من العام الماضي وهذا انخفض الآن بشكل درامي”. وتراجع احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي بواقع ملياري دولار تقريباً شهرياً إلى 16,4 مليار في يناير الماضي، وهذا أقل من نصف مستوياته قبل عام.
وخلال الأشهر المقبلة قد تتراجع الاحتياطيات إلى حد يجعلها غير كافية لدعم قيمة الجنيه ما يضعه أمام احتمال انخفاض حاد. لكن إن تباطأت هجرة رؤوس الأموال ونجحت مصر في الحصول على قرض صندوق النقد في مارس واستدعت الحكومة استراتيجيات أخرى، مثل إصدار سندات إسلامية (صكوك) بقيمة ملياري دولار والتي تتم دراستها حالياً قد تستطيع وقف تراجع الاحتياطيات في الأشهر المقبلة.
وفي حالة تعافي الاقتصاد واستقرار مقاليد البلاد في يد حكومة مدنية في النصف الثاني من العام، فقد تبدأ رؤوس الأموال في التدفق إلى الداخل من جديد. وسيكون أي تراجع لاحق في سعر الجنيه طفيفاً ومحكوماً، بل سيكون مصمماً لتعزيز جاذبية الصادرات وليس نتاج أزمة. وستساعد بيانات احتياطيات النقد الأجنبي عن شهر فبراير والمقرر إعلانها في مطلع مارس في إيضاح الصورة حول احتمال حدوث مثل هذا السيناريو المتفائل.
يقول سعيد الهرش الاقتصادي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بشركة كابيتال إيكونوميكس في لندن “عندما تبدأ الاحتياطيات في النفاد ويبدأ رفع سعر الفائدة، تصل إلى نقطة تصبح عندها الأسعار بلا فاعلية وتتسارع وتيرة بيع الجنيه”.
ويضيف “لا نزال متفائلين بشأن مصر بعد هذه الفترة. فقد تصبح أسرع اقتصادات الشرق الأوسط نمواً في وقت قريب جداً، لكن على المدى القصير يظل الوضع صعباً جداً”.