دنيا

منافع مشاركة الرضيع السرير مع والديه تفوق مضارها

حنان الأم يفعل المعجزات على مستوى الصحة النفسية للرضيع  (من موقع motherhoodthetruth.com)

حنان الأم يفعل المعجزات على مستوى الصحة النفسية للرضيع (من موقع motherhoodthetruth.com)

النوم مع الرضيع على السرير نفسه، ممارسة يقوم بها الأبوان أحياناً عن طواعية واختيار، وأحياناً أخرى عن كراهية واضطرار، استجابةً لإلحاح الرضيع على النوم في حضن حنون. فما هي النتائج التي تترتب عن هذه الممارسة على مستوى الصحة النفسية للطفل الرضيع؟ وهل لها أي تأثير على العلاقة الحميمية بين الزوجين الأبوين؟ بعض الدراسات أفادت أن هذه الممارسة تزيد من مخاطر تعرض الرضيع للموت الفجائي بسبب الاختناق، لكن أخرى أكدت أن تقاسُم الأم بالتحديد سرير النوم مع رضيعها يُحسن جودة نوم الاثنين، ناهيك عن إسهامه في نمو الرضيع بشكل أفضل وتكوين مناعة أقوى.

كانت الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال حذرت الآباء سنة 2005 من مخاطر النوم مع الرضيع على السرير نفسه. وقال خبراء حينها إن مخاطره قد تزيد احتمالات تعرض الرضيع للوفاة سواءً عن طريق الاختناق، أو بسبب متلازمة موت الرضيع الفُجائي.
ويقول المناصرون لهذه الممارسة إن تقاسم السرير مع الرضيع يُساعد الأبوين، والأمهات خصوصاً، على تقوية العلاقة مع الرضيع وتحسين جودة النوم لدى الرضيع والأم، شرط أن يتم ذلك بشكل سليم. بالمقابل، يقول المعارضون لهذه الممارسة إن تقاسم السرير مع الرضيع له العديد من المخاطر، وإنه يجب التخلي عن ممارسة كهذه حرصاً على سلامة الرضيع.
مخاطر محتملة
الدكتورة ماريان فيلينجر، مساعدة خاصة متخصصة في متلازمات موت الرضيع الفُجائي في المعهد الوطني “يونيس كينيدي شرايفر” لصحة الطفل والتطور الإنساني، تقول إنه لا يوجد دليل علمي يُفيد أن تقاسم السرير بين الأبوين والرضيع ممارسة آمنة. لكن هناك دليل علمي يُشير إلى أن تقاسم السرير بين الأبوين والرضيع يزيد مخاطر موت الرضيع الفُجائي، ويزيد أيضاً مخاطر اختناقه بسبب استلقاء أحد الأبوين عليه دون شعور منه في مرحلة الاستغراق في النوم، خُصوصاً إنْ كان يعاني أحدهما أو كلاهما من السمنة، أو بسبب انحشار الرضيع ما بين الوسائد، أو بسبب ثقل شراشف السرير.
ويُشخص الأطباء الرضيع بأنه تُوفي نتيجة موت فُجائي إذا لم تُفضي نتائج التشريح ودراسة موقع الوفاة إلى إيجاد أي سبب آخر للوفاة، وطبعاً بعد إجراء مراجعة كاملة لتاريخه الطبي. وكشفت دراسات سابقة أن مخاطر موت الرضيع الفُجائي تتزايد مرتين إلى عشر مرات عندما يتقاسم الأبوان سريرهما مع الرضيع، وذلك حسب وضعيات تقاسم السرير وسن الرضيع. وتضيف فيلينجر “لا نعرف بالضبط لماذا يحصل ذلك، لكننا نعرف أن الأطفال الرُضع الذين يتوفون بسبب موت فُجائي يتعرضون في الغالب بعجز في جذع الدماغ يكون مرتبطاً بقدرتهم على تنظيم عملية التنفس ودقات القلب، وخصوصاً عندما يعانون من تناقُص ثنائي أوكسيد الكربون وارتفاع درجات الحرارة. وبالنظر إلى بيئة تقاسم السرير وباعتبار الرضيع يكون مستلقياً بجانب جسمي والديه على السرير نفسه الذي قد يكون مثقلاً ببطانيات سميكة أو شراشف ثقيلة، فيمكن القول إن مخاطر التعرض لموت الرضيع الفُجائي تصبح تناسُبيةً مع هذه العوامل البيئة المحتملة”.
وتضيف “عندما نتحدث عن المخاطر المحتملة لموت الرضيع بسبب اختناقه أو انحشاره بين الوسائد والشراشف أو استلقاء أحد أبويه على جسمه دون شعور، فإن الأمر يبدو نوعاً ما أكثر وُضُوحاً وقابليةً للاستيعاب. فالأبوان لا يمكنهما وهما نائمان أن يبقيا دوماً يقظين ليُراقبا الرضيع”، مشيرة إلى أن الرُضع يتميزون بصدورهم سهلة الانضغاط، ورؤوسهم الصغيرة، وأنوفهم الدقيقة وأفواههم الصغيرة جداً. وإذا تغطى أي من هذه الأعضاء، فإن حياة الرضيع تُصبح في منتهى الخطورة.
وتقول الدكتورة فيلينجر إن نمط الحياة الحالي أصبح يفرض أشياءً معينة على الأزواج، فتجد أن غالبيتهم لا يستطيعون قضاء وقت طويل مع أطفالهم بسبب العمل أو أشياء أخرى. في هذا الصدد، تقول “أتفهم تماماً أن هناك العديد من العوامل التي تدفع الآباء إلى الرغبة في تقاسم فراش النوم مع أبنائهم من الأطفال الرضع. ولا بأس في ذلك ما دام الجميع مستيقظاً، ولكن عندما يحين وقت نوم الرضيع أو الأبوين، فيجب أخذ الطفل الرضيع إلى سريره الخاص”.
وتضيف “لعل أفضل البيئات لنوم الأطفال الرُضع هي أن تكون لديهم أَسرة خاصة في غرفة نوم الأبوين نفسها. ولا نعرف أسباب ذلك على وجه التحديد، لكننا نملك أدلةً تُفيد أن تقاسُم غرفة النوم تُقلل مخاطر متلازمات موت الرضيع الفُجائي. فالقيام بذلك يعود بالنفع على الرضيع، ويقوي رابطة الأبوين بالابن أو البنت”.
منافع جمة
الدكتور وليام سيرز، طبيب أطفال في مدينة دانا بوينت، وهو مؤلف كتاب “نوم الطفل: دليل كامل لنوم هنيء وليلة مُريحة لجميع أفراد الأسرة”، يقول “أفضل مكان لنوم الطفل الرضيع هو حيث ينام أبواه. وقد أظهرت دراسة أنه من الأفضل للرضع أن يكونوا قريبين من الأم بحيث تستطيع استشعارهم كلما رغبت في ذلك. ولا أعتقد أن تقاسُم السرير هو أمر يُناسب جميع الآباء والأطفال الرضع، بل قد يكون قليل المخاطر لدى البعض، وكثيرها لدى آخرين، لكنه يبقى ذا منافع جمة على الرضيع على المستوى العاطفي”.
ويرى سيرز أن تقاسم مكان النوم، سواءً كان غرفةً أو سريراً، له العديد من الفوائد. فهو يجعل الرضاعة الطبيعية أسهل على الأمهات باعتبار أن الرضيع يستفيق عادةً أكثر من مرة خلال الليل طلباً للرضاعة، فالرضيع يهضم حليب الأم بسرعة وسهولة، ولذلك فإنه لا يصبر على الجوع طويلاً. وحينما يتقاسم الرضيع وأمه سرير النوم، فإن الأم تستيقظ في الوقت نفسه الذي يكون فيه الرضيع مستعداً للاستيقاظ أو قبله بقليل، كما أن استيقاظها في وسط الليل أو ثلثه الأخير لا يكلفها عناءً كبيراً، إذ ينام الرضيع فترةً قليلةً بعد أن تُلقمه ثديها. ويحصل الأطفال الرضع بهذه الطريقة على حليب طبيعي أكثر، ما يُساعدهم على بناء مناعة أقوى والنمو بشكل أفضل.
ومن المفارقات أن العديد من الأمهات المرضعات اعترفن في أكثر من دراسة أن جودة نومهن تحسنت بعد أن رُزقن بأطفال واستخدمن الرضاعة الطبيعية على الرغم من استيقاظهن مرات عدة كل ليلة. كما أن بعض الباحثين وجدوا أن الأمهات اللاتي يُرضعن أطفالهن فترات أقصر لاحظن بعد فطامهن أبناءهن قبل الأوان- بعد ثلاثة أشهر أو ستة من ولادتهم- أن جودة نوم الرضع تتراجع ويُصبح مزاجهم أكثر قابليةً للتعكر. وبالنسبة للنساء العاملات اللواتي يقضين أوقاتاً أطول خارج البيت خلال النهار، فإنهن يُعوضن أطفالهن ذاك القرب، وذلك الحضن الحنون الذي افتقدوه في النهار عندما يتقاسمن السرير مع الرضيع. وهذا أمر أساسي لنمو الرضيع وتطور أداء وظائفه. وكان باحثون من جامعة نوتردام الأميركية افترضوا في وقت سابق أن تقاسُم الأم بالتحديد سرير النوم مع رضيعها يفيده ويكون له بمثابة الدرع الذي يُشعره بالأمان والحماية. ونظراً للحساسية الحميمية التي تنشأ بين كل أم ورضيعها، تستشعر الأم بشكل فطري أي تغيرات قد تحدث على إيقاعات تنفس الرضيع، فيكون رد فعلها الاستيقاظ للاطمئنان على رضيعها في الوقت المناسب.
ويقول الدكتور سيرز إن نوم الرضيع في غرفة منفصلة عن أبويه له مساوئ عديدة. فعندما ينام الرضيع بمنأى عن حضن أمه ليلاً، فيستيقظ دون أن يجدها، يُفرز جسمه هورمونات توتر أكثر، فيميل أكثر من غيره نحو العصبية والغضب السريع. وحين ينتج الرضيع مستويات عالية من هرمونات التوتر، يتعرض نظامه المناعي لشبه استنزاف، فترتفع نبضات قلبه، وتصبح بعض أجزاء دماغه التي لم يكتمل نموها بعد قابلةً لأن تتعرض لتلف من نوع ما، خصوصاً أن الكتلة الدماغية للرضيع تكون غير ناضجة بالشكل الذي يُتيح لها إزالة فائض هرمونات التوتر ونزع سميتها.
وهذا خلاف ما يحصل عندما ينام الرضيع بجوار أمه، فهرمونات التوتر تتراجع لأدنى مستوى، ويستقر بفضل ذلك حصوله على الأوكسجين اللازم لنمو دماغه. وبالرغم من هذه الفوائد التي تفوق المساوئ، فإن هذا تقاسم السرير للأسف ليس خياراً مثالياً لجميع الآباء، فالآباء البُدناء أو المدخنون أو المدمنون يُنصحون بأن يناموا بعيدين عن أطفالهم الرضع. ومن الممارسات التي ينصح الأطباء بتجنبها نوم الرضيع مع المربية أو جليسة الأطفال، فالأم هو الكائن الأكثر إسهاماً في نمو الرضيع. وتُنصح الأمهات كذلك بأن لا تنمن برفقة أطفالهن إلا على سرير ثابت وخفيف في أثاثه ووسائده، أما الفُرُش غير الثابتة والإسفنجية والوثيرة التي تغوص بالنائم عليها كثيراً، فلا يُنصح بالنوم عليها البتة. وأخيراً، لا بأس أن تستعمل الأم إضاءةً خفيفةً جداً ناعمةً هادئةً، فهي تُساعد الرضيع على الخلود للنوم بسرعة. ولا بأس من التذكير أيضاً أن تقاسم النوم على السرير نفسه هو امتياز ينبغي أن يتمتع به الأطفال الرضع فقط، ما يعني أن الطفل يجب أن ينام في غرفته مباشرةً بعد فطامه، مهما كلف الأمر، فذلك أفيد له ولأبويه.

فجيعة موت الرضيع الفجائي

تُشير الدكتورة ماريان فيلينجر، مساعدة خاصة متخصصة في متلازمات موت الرضيع الفُجائي في المعهد الوطني “يونيس كينيدي شرايفر” لصحة الطفل والتطور الإنساني، إلى أنها عاينت ما فعلته حوادث موت الرضيع الفُجائي بالأُسر التي تسبب فيها الآباء عن طريق إلقاء جزء من أجسادهم أو بطانياتهم على وجه الرضيع أثناء النوم، ومن ثم التسبب في خنقه دون قصد، فمنهم من تجاوز الصدمة، ومنهم من لم يستطع الصمود، فتداعت علاقته الزوجية وانهار استقراره الأسري. ومهما يكن رد فعل الأبوين، فإن القاسم المشترك بين هؤلاء الأزواج هو أن صورة هذا الطفل تبقى ماثلةً في أذهانهم طيلة حياتهم، وإن بعضهم يعيش عقدة الإحساس بالذنب ولا يفتأ يجلد ذاته ويؤنب نفسه، فتسوء حالته النفسية وتؤثر سلباً على علاقاته مع جميع المحيطين به. وإذا كان المناصرون لتقاسم الأبوين سرير النوم مع الرضيع يقولون إنهم طالما أناموا أطفالهم في فترة الرضاعة معهم في السرير نفسه ولم يفقدوا قط أي طفل، فإن خبراء طب الأطفال يعتبرون ذلك مسألة حظوظ أو احتمالات جاءت لصالحهم.


هشام أحناش
عن “لوس أنجلوس تايمز”