دنيا

التوبة من جميع الذنوب واجبة ولا يجوز تأخيرها

مما لا شك فيه أن مقارفة الآثام، وارتكاب الخطايا من الطبائع البشرية، ولا يتصور ما يغاير ذلك ويخالفه إلا في الأعراف الملائكية.
ومن اليقين أن تفاضل الناس فيما بينهم لا يمكن أن يتصور في خطيئة البعض، وتنزه البعض الآخر عنها، فما دمنا نتحدث عن الإطار البشرى فلا بد أن نستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الحاكم وابن ماجه عن أنس بن مالك رضى الله عنه (كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، ومن ثم فإن التفاضل بين الناس يمكن أن يكون من جهة أن بعضهم يخطىء فيصر على الخطأ، والآخر يخطىء قيمقت ذنبه، ويستغفر ربه «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ»، «سورة أل عمران، الآيتان 135، 136»، وهذا يدعونا إلى تمثل ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم، ولجاء بقومِ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم».
المعصية
وقد يتعامل البعض بسطحية مع بعض هذه النصوص فيرى فيها إغراء للناس بالمعصية، وأرى أن هذا يعتبر قصورا في الفهم لأن كثيراً من الناس إذا ما قارفوا الذنوب والمعاصي، فإن شعورهم بالإثم والخطيئة يستحيل على مر الأزمنة والأيام إلى مرض مقلق تضيق به الصدور وكأنها تصعد في السماء، وفي الوقت ذاته تتكدر به الحياة حتى يصبح العيش ثقلاً لا يحتمل وهما لا يطاق.
ولقد حفلت الحياة بصنوف من البشر أثقل كاهلهم الشعور بالإثم والإحساس بالخطيئة، فلا يهنأ لهم عيش، ولا يهدأ لهم بال، ولم يكن في وسع أحد أن يلتمس لهم موئلاً من العفو والمغفرة إلا في ضوء تشريعات الإسلام السمحة، وأدب النبوة الحاني، والطمع في رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء.
وهذا يقودنا إلى ملاحظة آيات القرآن الكريم التي قل أن يرد فيها آية للتخويف والإنذار والعذاب إلا قرنت بآية من آيات الرحمة والرجاء، ولعل هذا يذكرنا بما رواه أَنَسٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ رَجُلا قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ الْمَنْتوفِ، فَقَالَ: هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ، أَوْ تَسْألُهُ، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي فِي الآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ إِذًا لا تُطِيقُ ذَلِكَ وَلَنْ تَسْتَطِيعَهُ، فَهَلا قُلْتَ: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، ومن ثم اتفق أهل العلم على أن التوبة واجبة من جميع الذنوب والآثام صغيرها وكبيرها على السواء وأن هذا الوجوب على الفور لا يجوز تأخيره بحال.
وعلل العلماء لفورية وجوب التوبة بقولهم: إن الله سبحانه وتعالى قد كلف عباده بأوامر ليأتوها، ونهاهم عن أشياء ليجتنبوها. وقد يحدث التقصير في امتثال الأمر واجتناب النهي فعلمهم الحق سبحانه وتعالى أن تدارك هذا التقصير لا يكون إلا بتوبة يعزم فيها الإنسان على الرجوع عن الذنب والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى بالاستغفار منه. ومن جهة أخرى فإن الإنسان لا تدري نفسه بأي أرض تموت، ومن ثم فالكيس هو الذي يأخذ حذره، ويبادر بالرجوع إلى طاعة ربه آملا منه سبحانه العفو وحسن المتاب.
قواعد
أضف إلى ذلك أن من أسباب موجبات فورية التوبة على المذنب أنها من مهمات الإسلام الأصيلة، وقواعده المتأكدة إذ إنها تحدث تحولاً ثورياً في النفسية المسلمة، فبعد أن كان عاصياً لله بتوبته يعود إلى رحاب الله، وقد أقلع بالكلية عن جميع الذنوب والأوزار مع الندم على ما كان منه والعزم على ألا يعود إلى معصية أبداً، وبهذا تتحقق النفس السوية للإنسان فيلتزم بمنهج الله تعالى، ويستحق أن يكون خليفة عن الله في أرضه. والعلماء عندما قالوا بوجوب التوبة وفوريتها استشهدوا بعدد من النصوص القرآنية منها قول الله سبحانه (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، «سورة النور، الآية 31».
وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن الحق سبحانه عندما ذيل الآية بقوله (لعلكم تفلحون) كان في هذا التذيل ترغيب في التوبة وجعلها سبباً للفوز بسعادة الدنيا والآخرة والفلاح فيهما، وفى الوقت ذاته فإن إقلاع الإنسان عن الذنب هو ما يرجوه الحق سبحانه لعباده حتى أنه سبحانه يفرح لهذه التوبة ويأملها من خلقه وعباده، يقول النبي صلى الله عليه وسلم «لله أشد فرحاً بتوبة عبده? حين يتوب إليه من رجل كان في سفر في فلاة من الأرض، نزل منزلاً وبه مهلكة ومعه? راحلته عليها طعامه وشرابه، فأوى إلى ظل شجرة، فوضع رأسه فنام نومة تحتها،? فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها، فأتى شرفاً فصعد عليه فلم ير شيئاً، ثم أتى آخر?فأشرف فلم ير شيئاً، حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش قال: أرجع إلى مكاني الذي ?كنت فيه فأنام حتى أموت، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فينما?هو كذلك، رفع رأسه فإذا راحلته قائمة عنده، تجر خطامها، عليها زاده طعامه وشرابه، فأخذ بخطامها، فالله أشد فرحاً بتوبة المؤمن من هذا براحلته وزاده، وفى رواية أخرى «لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح».
وبعد: ذلك أدب الله لعباده وذلك أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهلك في رحابه نفوس من اليأس، ولا يستعصى على المغفرة ذنب ومن ثم فلا يليق بمسلم مهما يكن منزلته في الدين أن يقف عقبة في سبيل شفاء نفوس أضناها شقاء الذنوب وليوقن كل مسلم أن الذنب يُحدث للتائب الصادق انكساراً وذلة بين يدي الله، حتى أن أنين التائبين? محبوب عند رب العالمين. ولا يزال العبد المؤمن واضعاً ذنوبه نُصب عينيه فتُحدث له انكساراً وندماً، فيعقب الذنب? طاعات وحسنات كثيرة حتى أن الشيطان ربما يقول: يا ليتني لم أوقعه في هذا الذنب، ?ولذلك فإن بعض التائبين قد يرجع بعد الذنب أحسن مما كان قبله بحسب توبته فرب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً. (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات