دنيا

الإمام ابن عقيل رفض التقليد الأعمى فأهدروا دمه

عمرو أبوالفضل (القاهرة) - الامام ابن عقيل أحد أئمة الأعلام، صاحب التصانيف ذائعة الصيت كان شيخ الحنابلة في زمانه، ولعلمه وورعه لقبوه بالعلامة البحر وشيخ الإسلام، تسبب اجتهاده ورفضه الجمود المذهبي والتقليد الاعمى في تكفيره واهدار دمه ونفيه ومطاردته، واضطر أن يعلن تراجعه وتوبته من آرائه حفاظا على حياته.
ويقول الدكتور محمود الضبع أستاذ الدراسات الاسلامية بجامعة قناة السويس ولد أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبدالله البغدادي الظفري، سنة 431 هجريا، وذكر أبو محمد بن السمرقندي عنه: أنه ولد سنة 430 هـ، والأول أصح، وبدأ طلب العلم صغيرا، وتلقى دروسه الأولى في الفقه والأصول والكلام والحديث والتفسير والقراءات والفرائض على العلامة الشيخ أبي بكر بن بشران، وأبي الفتح بن شيطا، وأبي محمد الجوهري، والحسن بن غالب المقرئ، والقاضي أبي يعلي بن الفراء، وأبي الفتح بن شيطا، وأبي الفضل الهمذاني، وأخذ العربية عن أبي القاسم بن برهان، وأخذ الوعظ عن أبي طاهر بن العلاف صاحب ابن سمعون، وأخذ علم العقليات عن شيخي الاعتزال أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التبان صاحبي أبي الحسين البصري وغيرهم.
واسع الاطلاع
وكان يتوقد ذكاء، واسع الاطلاع، حسن النظم والنثر، صبورا على الشدائد، ورعا زاهدا، منقطعاً للدرس والتأليف حتى إنه عكف على تصنيف كتاب “الفنون” وهو أكثر من أربعمئة مجلد، وقيل إنه بلغ ثمانمئة مجلد وهو الأكبر في العالم جمع فيه أكثر من أربعمئة فن، وحشد بين صفحاته كل ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة، وما يسنح له من الدقائق والغوامض، وما يسمعه من العجائب والحوادث والمرويات في الوعظ والتفسير والفقه والأصول، والنحو واللغة والشعر والتاريخ والحكايات.
وأثنى على علمه وخلقه العلماء، وقال عنه الإمام الذهبي: “الإمام العلامة البحر شيخ الحنابلة، أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي المتكلم صاحب التصانيف”، ووصفه ابن الجوزي بانه:” كان دينا حافظا للحدود، توفي له ابنان، فظهر له من الصبر ما يتعجب منه، وكان كريما ينفق ما يجده، وما خلف سوى كتبه وثياب بدنه، وكانت بمقدار”، وقال عنه أيضا: “وأفتى ابن عقيل، ودرس وناظر الفحول، واستفتى في الديوان في زمن القائم، في زمرة الكبار. وجمع علم الفروع والأصول وصنف فيها الكتب الكبار.
العلم
وكان دائم التشاغل بالعلم، حتى أني رأيت بخطه: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره. وإني لأجد من حرصي على العلم. وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة “، وروي عن حماد الحراني، انه سمع السلفي يقول:”ما رأت عيني مثل أبي الوفاء بن عقيل الفقيه، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته، تكلم يوما مع شيخنا أبي الحسن، فقال له: هذا ليس مذهبك، فقال: أكون مثل أبي علي الجبائي، وفلان وفلان لا أعلم شيئا؟ أنا لي اجتهاد متى طالبني خصم بالحجة، كان عندي ما أدفع به عن نفسي وأقوم له بحجتي، فقال ابو الحسن: كذاك الظن بك، وقال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية:” إنه من أذكياء العالم. بلغ في محافظته على الزمن مبلغا أثمر أكبر كتاب عرف في الدنيا لعالم، وهو كتاب الفنون”.
وتتلمذ على يديه جمع من الفضلاء والعلماء وحدث عنه الكثيرون منهم أبو حفص المغازلي، وأبو المعمر الأنصاري، ومحمد بن أبي بكر السنجي، وأبو بكر السمعاني، وأبو طاهر السلفي، وأبو الفضل خطيب الموصل، وابن ناصر وآخرون.
وكان الإمام ابن عقيل عالما فاضلا ومفكرا إسلاميا متبحرا، ساهمت جهوده فى تجديد المذهب الحنبلي، وتخليصه من التقليد والجمود والظاهرية النصوصية، وتطعيمه بشيء من النظر العقلي.
وعاصر أحداثا سياسية كبرى، فقد كان العصر عصر تراجع حضارى وانكسار، حيث سيطرت على العالم الاسلامي النزعات والصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، والفتن والتعصب وغياب التسامح والاستنارة الفكرية، وجلبت له المكانة العلمية العالية التى حققها عندما تكلم على المنبر بلسان الوعظ، الكثير من المتاعب مع الأقران والمتنافسين، وأجج لهيبها التعصب المذهبي والفتن التى جرت بين الحنابلة والأشاعرة، مما اضطره الى ترك الوعظ واقتصر على التدريس، ونقم عليه بعض العلماء تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخي المعتزلة. وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، وفي سنة 461 هـ، اطلعوا له على كتب فيها شيء من تعظيم المعتزلة، والترحم على الحلاج، فاشتد ذلك عليهم واتهموه بالخوض في تأويل الصفات ورموه بالكفر والزندقة وطلبوا أذاه بالحبس والقتل، وأصدر الإمام والقاضي الحنبلي الشريف أبوجعفر عبدالخالق بن عيسى فتوى بإهدار دم ابن عقيل، مما اضطره للهرب والاختفاء عن الأنظار أربع سنوات وتوفى الامام ابن عقيل رحمه الله عام 513 هجريا.