دنيا

أرملة.. في شهر العسل

(القاهرة) - لم يتقبل أحد من أبناء القرية ولا أقارب «خليل» وحتى أخوته القرار الذي أقدم عليه واتخذه منفرداً، فقد اعتزم الزواج رغم أنه يقترب من السبعين من عمره ووهن عظمه واشتعل الرأس منه شيباً، أما الأكثر معارضة فأبناؤه وبناته الذين رأوا أن أباهم غير وفيّ لأمهم التي قضت عمرها معه وعاشت بجانبه على الحلو والمر وقاست وعانت الأمرين في حياتها حتى استطاعت أن تكوّن له أسرة ومالاً، لم يرد أحد أن يذكره بالماضي حفاظاً على المشاعر ولا داعي لنبش العورات والتفتيش عن العيوب، حفاظاً على شعرة معاوية وبقاء الود.
لم يمر على رحيل الزوجة أربعون يوماً، وهي أقل فترة للحداد على الزوجات عندهم، حتى فجر خليل المفاجأة التي دوت في القرية كلها وأصبحت متداولة على كل لسان، الجميع يرفضونها ويتندرون عليه حتى اطلقوا عليه اسم «العريس الصغير»، لأنهم يستنكرون فعلته، بينما الرجل يرى أنه لم يرتكب جرماً ولا حراماً ومن حقه أن يكون له إلف في شيخوخته تعنى به وبحاجياته، ولم يقتنع بأن بناته المتزوجات القريبات منه يمكنهن أن يقمن بذلك خير قيام كما يؤكدن له، وأيضاً زوجات أبنائه الثلاثة، لأنه تعلم الدرس من كثيرين قبله، فهذا أحد أقاربه ماتت زوجته ولم يتزوج وهو في الخمسين من عمره، ليتفرغ لرعاية أبنائه وحفاظاً على مشاعرهم، ووفاء لذكرى زوجته الراحلة، لكنه ذاق الأمرين بعد أن تقدم به العمر وأهمله الجميع، وهو الذي كان يضرب به المثل في الأناقة، يراه الآن وقد اتسخت ملابسه، ويجلس تحت الجدار بلا أنيس وانشغل أبناؤه وبناته بشؤونهم، فأراد خليل ألا يقع في المصيدة التي وقع فيها قريبه وألا يتعرَّض لما تعرض له من هوان، ولكن كل شخص يرى أن رأيه هو الصواب وأن الآخرين جميعاً مخطئون.
لم يسمع خليل كل الأصوات من حوله، واصل تنفيذ ما عزم عليه، تقدم لخطبة فتاة في عمر أحفاده، تصغره بأكثر من أربعين سنة، وأعد لها عش الزوجية في بيته الريفي الذي اقتطع منه جانباً وجعل له حدوداً وخصوصية حتى لا تختلط بابنيه اللذين يرفضان تلك الزيجة، وأعلنا موقفهما صراحة، وكانت تلك أوَّل مرة تقع بينهم مواجهة بهذا الشكل، إلا أنها بلغت حد العداوة والقطيعة، وبلا أي مظاهر للاحتفال تزوج العجوز واحتفل وحده هو وعروسه بالعرس فهي من أسرة فقيرة فاتها قطار الزواج وليست في حاجة للاحتفال أو الزفة والأضواء.
الأمر لم ينته عند هذا الحد، بل إن العريس العجوز كان يخرج في الصباح يعبث بشاربه الأبيض الطويل غير عابئ بما يدور حوله، كأنه يخرج لهم لسانه ويعلن انتصاره على الجميع، مما جعلهم يستشيطون غضباً وغيظاً ويملأ الحقد قلوبهم، إلا أنه اعتقد أن هذه زوبعة في فنجان ستنتهي قريباً بعد أن تستقر الأمور، فليس هو أوَّل شخص يتزوج بعد وفاة زوجته أو في مثل عمره، وأيضاً لن يكون الأخير، وتلك سنة الحياة، إلا أن ظهور العروس فوق سطح الدار بملابسها الجديدة التي تنم عن التغير الكبير في حياتها أثارهم أكثر، وإن كانت لا تقصد الاحتكاك بهم وإنما تتصرف بشكل طبيعي عندما تقوم بأعمال المنزل والطهو والنظافة وغيرها.
قبل أن يمضي الأسبوع الأول من الزواج، أعلن الابنان الكبيران الحرب صراحة على أبيهما، استوقفاه عند باب داره الملاصق للبيت القديم الذي يقيمان فيه، وبصوت حاد ونبرة لا تليق في الحديث مع الأب طالباه بأن يتنازل عن كل أملاكه لهما ولإخوتهما، ولم يخفيا مخاوفهما من أنه في حال انجاب أخ أو أخت من العروس الجديدة أو أكثر فإنهم سيقاسمونهم الميراث، وفي هذه اللحظة فقد الأب السيطرة على أعصابه وصفع ابنه الأكبر على وجهه وطردهما شر طردة.
اشتعل الموقف وهدد الولدان بفرض الأمر الواقع بالقوة، لأنهما يريان أنهما أحق بهذه الأموال من أبيهما لأنه لا فضل له فيها، وهما يعلمان أن هذه الأراضي الزراعية وحظائر الماشية التي يملكها أبوهما ليست من كسب يده ولا من جهده، وإنما أمهما ورثت تلك الأراضي عن أبيها، وكانت تديرها أثناء حياتها بنفسها إلا أنها كزوجة مخلصة تركت الإدارة لزوجها وأشعرته بأنه صاحب الأرض احتراماً له ولأن الرجال قوَّامون على النساء، وحتى لا ينظر إليه من حوله على أنه «زوج الست» أو يعمل لدى زوجته وهو في النهاية والد أبنائها، ولذلك فهما يريان أن هذه الممتلكات من حق أبنائها وليس من حق إخوتهم الذين سينجبهم أبوهم من امرأة أخرى أي حق فيها.
فشلت تدخلات ومحاولات كبار العائلة والقرية في الصلح بين الأب وأبنائه، ورفض كل منهم مجرد الجلوس مع الطرف الآخر، وأصر على موقفه، فالأب يرى أنه صاحب الحق في كل ما يفعله وأن ابنيه تخطيا كل الحدود، ولن يسامحهما أبداً، ولم يقف عند هذا الحد وهدد بحرمانهما من الميراث وقد يتخذ إجراءات قانونية موثقة عقاباً لهما على فعلتهما، ورأى الأبناء أن أباهم يسلبهم حق الأم المتوفاة ويجور عليهم، ولابد من مواجهة ظلمه، ولن يتراجعوا إلا إذا قام بالتنازل لهما عن كل ما يملك خاصة ما آل إليه من أمهما، ووصلت كل المفاوضات إلى طريق مسدود، وازدادت الحرب اشتعالاً وتنذر بنتائج مخيفة.
ساد موقف هادئ مشوب بالحذر، فلا أحد يستطيع أن يتوقع ما يمكن أن تسفر عنه الأمور، إلا أن الجميع راهنوا على أن الخلاف مهما كان فإنه أسري ويمكن أن تهدأ النفوس عاجلاً أو آجلاً، ولا توجد مشكلة بلا حل مهما كانت، ولم يفقدوا الأمل في معاودة جهود الوساطة والمصالحة فيما بعد عندما تستقر الأحوال، حتى أن أحد الأشخاص عرض أن يقوم الأب بتطليق زوجته لكي ينتهي الخلاف، إلا أن واحداً من الكبار عارض هذا الرأي بشدة لأن العروس الصغيرة لا ذنب لها فيما يحدث، فكيف يتم ظلمها لحساب الآخرين أو من أجل حل خلاف بهذا الحجم الذي يمكن احتواؤه، وحتى هؤلاء اختلفوا فيما بينهم، مما زاد الأمور تعقيداً، ولم يترك الهمازون والمشاؤون بالنميمة الموقف ليهدأ وإنما راحوا ينفخون في النار ويسكبون عليها البنزين لتزداد اشتعالاً، وينقلون كلاماً من هُنا إلى هُناك والعكس بعدما يضيفون على كل كلمة مئة كذبة، ولا أحد يُريد أن يستوثق مما يسمع ويأخذه على محمل الجد ويرد عليه بأسوأ منه وأغلظ.
أسبوعان فقط مرا بعد الزيجة التي قلبت الحال وخلفت النكد وزرعت الفتن، حتى عثر على العريس العجوز جثّة هامدة، وجدوه مقتولاً في أرضه الزراعية، الإصابة القاتلة كنت بضربة على الرأس، والجسد به الكثير من الكدمات، كان منكفئاً على وجهه غارقاً في الدماء، لكن لم تكن الجريمة غامضة، لأن المقدمات كانت واضحة، وفوق هذا وذاك أعلن الولدان أنهما وراء قتل أبيهما قبل أن يعرف أحد بالحادث، حتى لا يدعي آخر أنه وراء قتله وتحدث جرائم ثأر، وليعلنا انتصارهما عليه في المعركة التي نشبت بينهم، واستنكر الجميع هذه الجريمة البشعة، فلم يتوقع أحد أن يصل التفكير بهذين العاقين إلى أن يقتلا أباهما حتى لو كانت وجهة نظرهما صحيحة.
أُلقي القبض على الشقيقين القاتلين، واعترفا تفصيليا بالحادث وأكدا أنهما أثناء تواجدهما في الأراضي الزراعية التي تخص أمهما حاول أبوهما طردهما منها لأنه يملكها ولا حق لهما من اليوم بالتواجد فيها، فتأكد لهما أنه يعتزم تنفيذ ما هدد به من قبل بأنه يريد حرمانهما من الميراث، فشعرا بالظلم الشديد وأن هذا سيحدث عمّا قريب وسيخسران كل شيء سواء أنجبت زوجة أبيهما أو لا، فالنهاية واحدة، وقالا إنهما اشتبكا مع أبيهما بعد ملاسنة بينهم وكرر صفع أحدهما وعندما حاول الآخر الدفاع عنه نهره وركله وتطور الأمر إلى قيامهما بضربه على رأسه ففقد الوعي بعدما انهالا عليه بالضربات كأنه عدو وليس أباً لهما وقد تناسيا ذلك، وتحوَّلت الدماء في عروقهما إلى ماء.
ارتدت العروس ملابس الحداد، وتحوَّل الرداء الأبيض إلى السواد، وتبدلت الأفراح سريعاً بالأحزان، فلم تكن تدري أنها ستأتيها سريعاً، وهي لا دخل لها فيما حدث، فهي مجرد فتاة تزوجت ولم ترتكب مخالفة من أي نوع، وعادت إلى بيت أبيها بعد خمسة عشر يوماً فقط تحمل لقب «أرملة» قبل أن تتم شهر العسل.
تم حبس المتهمين وهما لا يعلمان أن الحكم عليهما قد يصل إلى الإعدام أو على الأقل المؤبد، والأهم أنهما سيحرمان من الميراث، لأن القاتل لا يرث المقتول.