دنيا

حكاية أبي وأمي

(القاهرة) - حياتي لم تعرف الاستقرار في مكان منذ جئت إلى الدنيا قبل سبعة وعشرين عاماً، فقد ولدت في مدينة غير مسقط رأس أبي وأمي، والتحقت بعشرات المدارس في المراحل الدراسية المختلفة في مناطق متعددة ومتباعدة، بسبب ظروف وظيفة أبي الذي ما نكاد نتأقلم في مكان حتى يأتي قرار أو موعد نقله، فلم يكن لي أنا وأختي الوحيدة التي تكبرني بعامين أي أصدقاء لأن هذا الترحال يقطع كل الصلات والعلاقات.
أبي في مركز مرموق ودخله جيد وقد ورث أموالاً لا بأس بها، فكنا نعيش في رغد، ولا ينقصنا إلا أن نستقر في مكان، وقد كان لهذا الشتات فضل في أن تتقارب أسرتنا وتأتلف وتتكاتف، وللحقيقة نحن نموذج للأسرة المتحابة المتماسكة المترابطة، نستعيض عن عدم وجود أصدقاء بالاقتراب من بعضنا، لكن من الطبيعي أن نحتاج لمن هم في مثل أعمارنا وظروفنا للتواصل الاجتماعي والترابط الإنساني، إلا أن ذلك ليس بأيدينا وخارج عن إرادتنا، أبي حنون ولطيف ويصادقنا بالفعل، بسيط إلى أقصى حد، يحسدنا من نعرفهم عليه ويرون فيه أباً غير عادي وغير تقليدي، ونراهم وهم يشتكون آباءهم وأمهاتهم، فنفخر به ونقترب منه أكثر، أما أمي فهي أرستقراطية، تتعامل معنا ومع غيرنا بشكل رسمي، كل تصرفاتها بحساب، لا تسمح لنا بالاختلاط إلا مع من تختارهم لنا، تفرض علينا كل شيء من الطعام إلى الكلام والنظام، ولم يكن ذلك يزعجنا لأننا اعتدناه، إلا أن ما كنا نستغربه هو الفارق بينها وبين أبي، ورغم الاختلافات الواضحة بين شخصيتيهما إلا أنهما لا يعدمان التفاهم، وتسير حياتنا بلا مشاكل.
أسفارنا المستمرة وغربتنا الدائمة، كانت سبباً مباشراً في عدم ارتباطنا بأقاربنا أو في القطيعة الإجبارية بيننا، فلا فرصة لكي نلتقي بهم أو حتى نتعارف مثل كل الأقارب، بل وصل الأمر إلى أننا لا نعرف أبناء أعمامنا وأبناء أخوالنا إلا قليلاً منهم عندما يتم لقاء بالصدفة بعد سنوات طوال، ولم نكن نفتح حواراً عنهم، لأننا ننصاع للظروف التي اضطرتنا إلى ما نحن فيه، وأنا وأختي نرى ذلك طبيعياً، لكننا نشتاق للتعرف عليهم جميعاً ومصادقة من هم في أعمارنا منهم، نود لو نقضي معهم الإجازات أو نلتقي في مصيف أو حتى حفل غداء، لكن إذا كنا نحن في إجازة فإنا أبانا وأمنا مشغولان بعملهما، وننتظر الأمل في وقت نستقر فيه لتتحقق أمنيتنا الغالية.
انتهت أختي من دراستها الجامعية وحصلت على مؤهل عالٍ بعدما تخرجت في كلية مرموقة والتحقت بوظيفة جيدة، ومع أحوالنا ومركز أبي وأمي كانت فتاة مرغوباً فيها من الشباب فانهال عليها العرسان من كل المستويات، فكانت فرصة الاختيار متاحة أمامها، وتم التوافق بين الجميع على أحدهم، وبسرعة فائقة تم إنجاز كل متطلبات الزواج، وخلال عدة أشهر انتقلت إلى بيت زوجها، وكنت أنا الخاسر الأكبر برحيلها، لأنني افتقدت صديقتي الوحيدة في الحياة، فهي أقرب الناس إليَّ وأكثرهم فهماً لي وأرتاح إليها، وما زاد من أحزاني أنها انتقلت إلى مدينة بعيدة عنّا وظروفنا ما زالت على ما هي عليه من التنقل والترحال، بل إن الفرقة ازدادت منذ أن التحقت بالجامعة وتحديداً بكلية الطب، فكانت إقامتي الإجبارية خلال الدراسة في المدينة التي تقع بها الجامعة التي أدرس فيها، وأقيم بعيداً عن أبي وأمي لكن على أمل الالتقاء مرة أخرى بعد الانتهاء من الدراسة، خاصة أن أبي اشترى لي شقة مجاورة لمسكننا الأصلي لكي أكون قريباً منهما.
خلال تلك الفترة كنت أُمني نفسي بانتهاء الدراسة والاستقرار، وأمنيتي الغريبة أن يتقاعد أبي كي نستقر ونعيش حياتنا في «وطن» بعيداً عن المعاناة التي قضينا حياتنا كلها فيها، وظللت أحلم بذلك ليل نهار، وإن كانت الدراسة تشغلني كثيراً، فلا اهتمام لي إلا هي، إلا أن الجديد في حياتي الآن أنني أصبح لي بعض الأصدقاء من زملاء الجامعة بحكم عشرة السنين وتلك الفترة من مراحل العمر، وما أسرع مرور الأعوام، فقد انتهيت من دراستي بالطب والتحقت بالعمل في مستشفى في المدينة التي نسكنها، ودخلت أمنياتي كلها حيز التنفيذ بعد طول انتظار وحرمان، وبالفعل تقاعد أبي واستقرت الأسرة بعد أن تفرغت أمي وتقاعدت برغبتها من أجل أن تكون بجانبه طوال الوقت، خاصة أننا لسنا بحاجة إلى المال.
بقيت الأمنية التي تلح على أبي وأمي وهي التي يكررانها دائماً، بأن أتزوج، وعندما تهيأت الظروف جلسنا ثلاثتنا ومعنا أُختي التي حضرت لزيارتنا في نهاية الأسبوع كما اعتادت أن تفعل، وكانت الفرصة سانحة للنقاش ونحن نجلس في الشرفة بعدما تناولنا الغداء وتم فتح الحوار الذي بدأته أختي لأنها تعلم بعض الأسرار التي لم أستطع أن أفاتح فيها أبي أمي من باب الحياء رغم ما بيننا أنا وأبي من صداقة وتقارب، ورفعت أختي عني الحرج عندما أفصحت عمَّا أكنه بأنني مرتبطةعاطفياً بإحدى زميلاتي وأرغب في خطبتها، وأمسكت أمي بطرف الحوار وتولت توجيه الأسئلة واحداً تلو الآخر وكلها عن الفتاة وأسرتها، وبكل براءة الأطفال ومن غير لف أو دوران، أجبت عنها وأخبرتهم بأنها طبيبة مثلي، من أسرة بسيطة، أمها ربّة منزل لا تعمل، أبوها يعمل بالمقاولات وغير متعلم، أخواتها الثلاث أكبر منها، متزوجات وكلهن ربات بيوت لم ينلن أي قسط من التعليم، تزوجن جميعاً ومستقرات في بيوت أزواجهن، أما إخوتها الثلاثة، فقد حصلوا على مؤهلات متوسطة اثنان منهم يعملان مع أبيهما، والثالث الأصغر في طريقه للحاق بهم إلا أنه في مرحلة استراحة ما بعد الدراسة.
ما أن فرغت من هذه المعلومات حتى صرخت أمي كما لو كانت أصيبت بلدغة حيّة، أنا كطبيب اعتقدت أنها تعرضت لأزمة قلبية أو صدمة مفاجئة، إلا أن أبي لم يتحرَّك عنده ساكن، ومد يده إلى فنجان القهوة الذي أمامه ارتشف منه رشفة وأعاده إلى مكانه بهدوئه المعتاد، ولولا أنني أعرف بكل تأكيد أنه يحب أمي لقلت إنه سعيد بما تعرضت له ليتخلّص منها، ولم تمض عدة ثوان حتى اتضحت الصورة، فما حدث من أمي ليس سوى اعتراض على تلك الفتاة، وقد استنكرت بكل مفردات الرفض والشجب والاستنكار في كل اللغات، وأعلنت رأيها صراحة بأن ما أقوله غير مقبول، وكادت تصفني بالجنون، وتتساءل كيف لي أن أفكر بهذه الطريقة، وكيف لشاب مثلي أن يرتبط بفتاة هذه أوصافها وتلك عائلتها التي لا يوجد بيننا وبينها أي رابط أو صفات مشتركة، مؤكدة أن هذه الزيجة محكوم عليها بالفشل المؤكد، بجانب أنها مرفوضة شكلاً وموضوعاً ولن يتم النقاش حولها.
أبي ما زال عند هدوئه، بينما مدت أمي يدها إلى علبة المناديل الورقية وسحبت عدداً كبيراً منها لتجفف دموعها التي سالت غزيرة من تأثرها وهي تعبر عن رأيها، توقفت عن الكلام لأنني أحسست أنني ارتكبت جريمة من دون أن أدري، في نفس الوقت لم أجد وسيلة للخروج من الموقف، فلست على استعداد لخسارة أبي أو أمي وإنما أريد الاتفاق الذي اعتدت عليه منذ نعومة أظفاري، ولا يمكن أن أتزوج إلا بعد موافقة أسرتي وبرضاها، ولم أنزعج من الرفض أكثر من انزعاجي من خوفي إلا أستطيع أن استرضي أمي، ساد الصمت لدقائق، تخللتها رشفات أبي للقهوة، إلا أنني لم ألحظ عليه أي تغير أو استغراب ولا أعرف رأيه فيما حدث، اعتقدت أنه موافق على موقف أمي، وفي نفس الوقت غير قادر على سؤاله.
بحكمته وأسلوبه السلس، وجه أبي لأختي الحديث بعيداً عن الموقف الدرامي الذي نحن فيه، قال لها سأحكي لك «حدوته»، وقد كنا نحب حكايات أبي والقصص التي كان يرويها لنا عندما كنا صغاراً لأنها مشوقة، ولديه قدرة فائقة على السرد والحبكة وجذب الانتباه، إلا أننا تركنا هذه الحكايات منذ سنوات بعد أن كبرنا، ولأننا كنا في لهفة للخروج من الموقف، فرحبنا وبدأنا نسمعه، قال: كان في غابر الزمان وسالف الدهر والأوان شاب اسمه الشاطر حسن، ابن عائلة كبيرة ثرية، حاصل على شهادة جامعية، أحبّ فتاة فقيرة كانت ابنة الرجل الذي يعمل لديهم في «القصر»، وعندما أراد أن يتزوجها عارضت أمه وهددت بالانتحار أو طرده وأعلنت عدم رضاها عنه وغضبها عليه، لكن أباه رحب باختياره واستطاع أن يقنع أمه بأن أهم شيء في الحياة هو سعادة ابنهما وليس المهم أي اعتبار آخر، ولا قيمة للمال أو الجاه إذا غابت السعادة واقتنعت الأم بهذا القول وعدلت عن رأيها وتم زواج الشاطر حسن من الفتاة الفقيرة التي أحبها، وعاشا سعيدين محبين وأنجبا ولداً وبنتاً، لكن الفتاة قاطعت أسرتها، وانسلخت من جلدها وعاشت في ثوب غير ثوبها، لكي لا تتذكر أيام الفقر فلم يعرف الولد والبنت أقاربهما.
هنا صرخت أمي مستنكرة هذه القصة، وهبت واقفة من جلستها تريد المغادرة غاضبة، وبكل رفق أمسك أبي بيدها وأعادها إلى مجلسها، بينما استأنفت البكاء، وإلى هنا لم أفهم سبب غضبة أمي للمرة الثانية، حتى أفصح أبي عمَّا يرمي من وراء «الحدوتة»، وقال بكل صراحة إنه هو الشاطر حسن وأن أمنا هي الفتاة الفقيرة التي تزوجها، وقد تسببت في قطع أواصر القرابة لأنها لا تريد أن تتذكر الماضي، وكانت تعامل أقاربنا وأقاربها بشكل جاف، لذلك لم يعد أحد منهم يزورنا حتى عندما نكون في منزلنا القريب منهم، وذاك هو السبب الحقيقي في عدم معرفتنا بأقاربنا.
لم تؤثر القصة الحقيقية في موقف أمي كثيراً، وترى أن الأيام الخوالي تختلف عن الزمن الحالي، وأبي يرى أن السعادة في قلب الإنسان، لا بالمال والجاه.