الملحق الثقافي

كبرت أشجار الكلام حتى ملأت رأسي الضيّق

ديوان ربما يكون أخيرا وليس بأخير، كان الراحل الكبير الشاعر أحمد راشد يعيد النظر فيه ويقلّبه. ومَنْ يعرف تجربة أحمد راشد ثاني السابقة يدرك تماما أن للحزن جذر راسخ في تضاعيف الشعر بل وإحساس بالغضب من كل شيء وعلى كل شيء ربما.
غير أن جرعة الحزن في هذا الديوان فائضة، إنها مزيج الأسى إذ تختلط بنظرة مختلفة إلى “أشياء العالم” وكائناته. هل هي نظرة وداع مبكّر؟، هل هي التغريدة الأخيرة للبجع؟ ربما نعم وربما لا، لكن الأكيد ان أحمد راشد ثاني في هذا الديوان اكثر استرسالا في عيش اللحظة الراهنة وأكثر تشبثا بالحياة قبل أن يفلتها من يديه حتى لكأنها طائرة ورقية الآن آخذة في النأي.
تقنيا، أي على مستوى أسلوبية الكتابة الشعرية، يجد المرء نفسه بإزاء سعي الشاعر إلى التعبير عن نفسه وقد جمع كل الأساليب التي استخدمها سابقا في دواوينه السابقة، فكان القول أكثر طزاجة وأكثر حرارة ومعبّرا عن موقفه من العالم والأشياء، وبكل صراحة التعبير. أحمد راشد ثاني في هذا الديوان ربما يكون هو أحمد راشد ذاته بأكثر مما هو عليه من أي ديوان سابق.

شعر: أحمد راشد ثاني

حبال القلب
1
صاحب الغرقى، وضاع مع الضائعين...
لم يتكور كفقاعة غليظة في وجه العطش،
ولم يقف في الجدار كباب ميت،
ومنه أبداً لم يخرج...
لم يخرج من تلك الجنة التي تراءت في أعماقه،
وأمام كل هذه الصحراء لم يحتط
كالآبار الجائعة
تسكن الحجر،
وتقتات على عروق الرمل...
لم يرحل للوصول،
ولم يصل إلى الرحلة...

2
... لم يعد كالرحلة يتساقط من ركبتيها رمان المجهول،
وتقرأ أمواجها الرمل
بالأجفان...
لم يعد بأجفان متشققة،
بسيرة ضياعها على ثلج الأيام...
لم يعد بثلج الأيام ويضعه
كقميص على حبل
في مهب الصحراء...
لم يعد بالصحراء...
لم يعد بالصحراء التي جالسها على طاولة المنفى،
وشرب معها اليأس
لم يعد كذلك،
لم يعد يشرب...
لم يعد يشرب من النهر الذي يشرب منه القتلة،
ولا يأكل من الوليمة التي تقيمها الجرذان...
كسرت الأنثى سرته، وأراقت الماء في دمه...
انتظرته في المحطة المناسبة، وغسلت الجروح المفتوحة
في عينيه...
وجدته ضائعاً
فأغلقت عليه أبواب الجنان
ووجدته تائهاً
فرصعت أمواجه بحبال القلب،
ووجدته وحيداً
فأجلت حوله الغيوم،
ووجدته غريباً
فقدمت له الأمواج...

كما تطير الأمواج (مقاطع)
هل كنت معي حين اجتمع الكلام على آباري
واكتشف الملح...؟
هل كنت معي حين انتشر الملح في الصحراء.
وملأ طاولتي بنعيق التراب،
ولكنه كذلك ملأ قلبي بأمواج هذا اليوم؟
? ? ?
هل كنت معي...
في وحشة تلك الضجة، وذلك الاحتدام الحار بين البشر في ساحات المرايا، وخوض المعارك، مذبحة تلو أخرى، بحثاً عن مقعد في هذا القبر
? ? ?
وهل كنت معي حين تدفقت آبار هواجسي في صحارى روحي،
وقد كبرت أشجار الكلام حتى ملأت رأسي الضيق كباب المندب...
حتى مزقت عصابات الظلام السواحل الخفية والرخية، والمطلة على رأسي،
حتى مزقت قلبي الخائف
من نباح الجدران
? ? ?
فهل كنت معنا...؟
هل كنت، حين تركنا الصحراء تلعب بجدائل الموج
في الحانة،
وخرجنا إلى الشارع
كعاصفة ملونة...
? ? ?
مشينا في ذلك الشارع
طوال الحياة
حتى وصلنا
إلى بوابة الكواكب
فطرقناها،
وحين فُتح لنا دخلنا
في المدار...
دخلنا في المدار،
وملأنا نوافذ الرمل
بأهازيج المياه
تتدفق مباشرة
إلى القلب،
وكأنها تعرف
أين تنام هذه الآبار؟

تحت الضوء
1
يستيقظ صبي الروح الكثير
كي يرى الحياة،
وهي تجري على الأرض
كي يرى الآبار،
وهي غاطة في العطش...
يستيقظ صبي الروح قلبي
كي يُنهض الآبار المخلوطة بالدم،
ينهضها من سباتها الرملي
فتقوم عارية،
وبلا ماءٍ يُذكر...
تقوم الآبار من عمق الصحراء
وتركض كالمجنونة
على ساحل البحر،
وهي تبكي الينابيع التي هجرتها
واختارت الصخور

2
يستيقظ صبي الروح كي يخرجني
من العيون المغمضة لأعماق المحيطات،
ومن هذيان الطيور
في رؤوس الأشجار
يستيقظ كي يُخرجني من غمرات السرير
ومن عماء النوم الأبيض،
كي يخرجني إلى العالم،
كي يُدخلني،
كي يحاول الدخول بي
( = أنا قطار الصدفة)
إلى العالم...
إلى مزاح العالم،
وتذمر العالم،
وجنونه...
يستيقظ كي أدخل في غايات مراياه،
كي أغوص في رمل مراياي،
وأُدْفَنُ تحت الضوء،
وتلتهمني ضحكات الوقت

3
يستيقظ صبي الروح مجدداً
لقضقضة الكلمات،
والقرطاس،
والأتربة...

يستيقظ لتعاطي غبار الوهم الخالد،
ودحرجة الأفكار كالأمواج
على هذا الساحر المقفر...
يستيقظ صبي الروح قبلي
لوضع قطعة من خبز الغيوم
في فم البئر الجائع،
وجناح بعوضة
في كأس الوردة الأحمر