الملحق الثقافي

تحرش جريء بالطبقة الأرستقراطية

هذه حلقتنا قبل الختامية في سلسلة النغم الكلاسيكي. وفيها نتناول عملا فنيا يعتبر من الناحية الأوبرالية مغناطيسا قويا للجمهور لأنه يترك التراجيديا المبكية جانبا ويوغل في الفكاهة. وحتى في عالم الأوبرا الكوميدية فإن هذا العمل يصنف قمة جاهدت أعمال لبلوغها بلا طائل.
اليك “زواج فيغارو” وهي الجزء الثاني من ثلاثية مسرحية نشرها الفرنسي بيار بومارشيه في العام 1784 بعنوان “اليوم المجنون أو زواج فيغارو” وحظرتها فيينا بسبب تحرشها الجريء بالطبقة الأرستقراطية.


كاد الأمر ينتهي كذلك لولا ان موزارت قرر تحويلها الى أوبرا. فقدمها الى كاتب السيناريو المفضل لديه وهو الإيطالي لورينزو دا بونتي الذي تعاون معه في عملين اوبراليين سابقين هما “دون جيوفاني” و”كوزي فان توتي”. وقد أنجز هذا الأخير كتابة أشعارها الإيطالية في ستة اسابيع.
ولأن المسرحية الأصلية كانت مباشرة وصارمة في إدانتها للتقاليد الأرستقراطية، فقد اتفق موزارت ودا بونتي على تخفيف مضامينها السياسية وركزا على جانبها الفكاهي. وقد أصر موزارت على ان يكسب الامبراطور جوزيف الثاني الى جانب السيناريو قبل بدئه في تأليف الموسيقى.
وقد دفعت دار الاوبرا الامبراطورية الإيطالية 450 فلوريناً (عملة الجنيه الذهبي في فلورنسا) لموزارت، وكان هذا المبلغ يساوي ثلاثة أضعاف راتبه كموسيقي في بلاط سالسبورغ. وتلقى دا بونتي 200 فلورين على كتابته السيناريو. وهكذا عرضت الأوبرا للمرة الأولى في دار بورغتييتر بفيينا مطلع مايو 1786. يدور موضوع هذه الاوبرا الفكاهية حول ما كان يعرف في ذلك الوقت بـ”حق اللورد”... وهو حق النبلاء في الدخول على أي عروس قبل دخول زوجها عليها إذا كانت من خدمه أو كان زوجها من خدمه. وعلى هذا الضوء يتضح المقصود من العنوان “زواج فيغارو” إذا علمنا ان فيغارو هذا من خدم أحد النبلاء وهو الكونت ألمافيفا.
تقع هذه الكوميديا التي تعتبر بين أفضل أعمال موزارت الأوبرالية في أربعة فصول كما يلي:

الفصل الأول
في غرفة خالية من الأثاث: فيغارو، خادم الكونت ألمافيفا، يتلقى من خطيبته سوزانا، خادمة الكونتيسة، خبر ان الكونت، الذي يلهث وراءها بعدما أحيى قانون «حق اللورد» رغم أنه الذي استن إلغاء ذلك القانون في المقام الأول. الكونتيسة تستدعي سوزانا مما يتيح لنا متابعة أفكار فيغارو في تساؤلاته عن كيفية التعامل مع هذا الوضع وهو منفرد على الخشبة. يفكر في طريقة يوقف بها مشروع الكونت لأنه يعلم انه متيم بحب خطيبته سوزانا. تدخل العجوز مارسلينا، ومعها صديقها دون بارتولو، ملوحة بعقد يلزم فيغارو بالزواج منها مقابل قرض مالي قدمته له سابقا.
سوزانا منفردة الآن. يدخل الحاجب شيروبينو ويطلب اليها مساعدته لدى الكونت ألمافيفا الذي ضبطه وهو يغازل ابنة عمها باربارينا. يفاجأ شيروبينو بأن الكونت على وشك الدخول فيختبئ خلف كرسي. يدخل الكونت ويغازل سوزانا لكنه يفاجأ أيضا بآخر هو دون بازيليو (موسيقي البلاط) يهم بالدخول فيختبئ وراء المقعد نفسه. شيروبينو ينجح في آخر لحظة في الهرب ويغطي نفسه بعباءة.
دون بازيليو يلمح بأن للحاجب شيروبينو علاقة مشبوهة بالكونتيسة. عندها يخرج الكونت من مخبئه مهتاجا. يقول إنه وجد شيروبينو مختبئا تحت منضدة باربارينا. يرفع العباءة ليجد شيروبينو مختبئا تحتها. يدخل فيغارو مع مجموعة من الفلاحين و”يشكر” الكونت على إلغائه قانون حق النبلاء المذكور. الكونت يجبر على مسايرة هذا التطور. يعاقب شيروبينو بقراره إرساله للخدمة مع فوج عسكري في اشبيليه.

الفصل الثاني
في غرفة فخيمة الأثاث وذات ثلاثة أبواب: الكونتيسة حزينة لأنها فقدت حب الكونت لها. فيغارو أعد خطة لمعاقبة الكونت ترتب فيها سوزانا موعدا معه، لكنه سيلتقي بشيروبينو متنكرا في زي امرأة. الكونتيسة على علم بهذه الخطة.
يدخل الكونت وشيروبينو يختبئ في مقصورة للملابس. الكونت، يطرق باب المقصورة ويسأل عن السبب في إغلاقه بالمفتاح ويطلب معرفة من يختبئ داخلها معتقدا انه عشيق زوجته شيروبينو. الكونتيسة تخبره، ساخرة، بأن سوزانا تجرب فيها فستان زفافها. في غضون ذلك تدخل سوزانا وتختبئ وراء ستار. الكونت يخرج ومعه والكونتيسة طلبا لأداة يفتح بها باب المقصورة عنوة. سوزانا تحل محل شيروبينو الذي يهرب من النافذة. يعود الكونت وزوجته: هو يريد رؤية العشيق وهي تعترف بأن المختبئ هو شيروبينو. يفتحان باب المقصورة ويفاجآن بوجود سوزانا. المرأتان تقنعان الكونت بأنهما دبرتا هذه المزحة عقابا له على شكه في الكونتيسة. تتلاحق الأحداث. بستاني الكونت يعلن انه رأى رجلا يهرب عبر النافذة. فيغارو يقول إنه ذلك الرجل. العجوز مارسلينا تطالب فيغارو بالزواج منها تبعا للعقد بينهما وتهدد بمقاضاته.

الفصل الثالث
في قاعة مجهزة لحفلة زواج: الكونت يمور بالغيرة على زوجته والحزن على ان فيغارو وليس هو من فاز بقلب سوزانا. الكونتيسة مصرة على تنفيذ خطة فيغارو وتعلن استعدادها للتنكر في زي سوزانا إذا تطلب الأمر. سوزانا تتفق مع الكونت على لقائه في الحديقة تلك الليلة وتطمئن فيغارو الى ان مارسلينا لن تكسب قضيتها ضده.
مارسلينا تطالب بحقوقها أمام المحكمة. يفاجأ الجميع بأن التحقيق يثبت ان فيغارو ابنها من دون بارتيلو. تدخل سوزانا حاملة سداد قرض فيغارو. يتفق على ان يكون الزواج مزدوجا: سوزانا وفيغارو من جهة ومارسلينا ودون بارتولو من الثانية.
الكونتيسة وحيدة وحزينة، تتذكر حب زوجها لها في السابق. تدخل مجموعة من الفلاحات بينهن شيروبينو متنكرا في زي امرأة. يفتضح أمره لكن باربارينا ـ إنقاذا له من غضب الكونت ـ تطلب من هذا الأخير الإذن للزواج منه، قائلة إن سيدها الكونت حاول إغواءها في السابق. هذا الأخير، محرجا، يضطر للموافقة.

الفصل الرابع
في مقصورة ملابس: بعد التقاطه جزءا من كلام باربارينا، فيغارو يعتقد ان لسوزانا موعدا غراميا سريا وحقيقيا مع الكونت. يطلع مارسلينا في ما بعد على شكوكه لكنها تعتقد ان سوزانا برئية من شكوكه.
ـ ليلا في حديقة غنّاء ذات مظلتين: يشاهد دون بازيليو ودون بارتولو وفيغارو الذي يتغنى يشكو خيانة سوزانا له. تدخل الكونتيسة وسوزانا وقد تبادلتا زييهما. الكونتيسة تبدو الآن الخادمة وعكسها سوزانا التي ترتدي ملابس الكونتيسة. فيغارو نفسه لا ينتبه لهذا التغيير. يدخل شيروبينو ويحاول انتزاع قبلة من الكونتيسة معتقدا انها سوزانا.
تتلاحق سلسلة من الأحداث القائمة على سوء الفهم ولا تنتهي الا عندما يتنبه فيغارو الى ان الكونتيسة هي في الواقع سوزانا. يدخل الكونت ويحاول إغواء سوزانا بدون ان يعلم انه يحاول إغواء زوجته. في ما بعد يجد فيغارو ومن يعتقد انها زوجته في عناق وتقبيل. يطلب الشهود على هذا الجرم المشهود. سوزانا والكونتيسة تكشفان هويتيهما الحقيقيتين. الكونت يركع تحت المهانة ويطلب الصفح من زوجته الكونتيسة التي تغفر له صنيعه.


عندما أصبح فيغارو «حلاق أشبيلية»


“حلاق اشبيلية” هي الجزء الأول من ثلاثية بيير بومارشيه وشخصياتها الرئيسية هي نفسها في اوبرا “زواج فيغارو”. ولنذكر هنا ان حلاق اشبيلية المذكور في العنوان ما هو الا فيغارو نفسه. وحولها الى خشبة الأوبرا المؤلف الايطالي جواكينو روسيني لسيناريو كتبه سيزاري سيربيني.
ويذكر ان “حلاق اشبيلية” تحولت الى اوبرا مرتين قبل تأويل روسيني، الأولى في 1776 على يد المؤلف جيوفاني بايزييلو، والثانية في 1796 وألفها نيكولاس ايزوارد. لكن اوبرا روسيني هي التي تحدت الزمن وبقيت الأشهر وتعتبر أفضل عمل اوبرالي له على الإطلاق. وقد أنجز هذا الفنان ـ المعروف بسرعته المذهلة في التأليف ـ موسيقاه في أقل من ثلاثة أسابيع (عدا المقدمة الشهيرة التي استعارها من عملين سابقين له هما “اورليانو في بالميرا” و”اليزابيث ملكة انجلترا”). لكن عرضها الافتتاحي، في “تياترو ارجنتينا”، روما، في 20 فبراير 1816 كان شبه كارثة. فقد تحول الى فوضى عارمة خاصة من جانب معجبي جيوفاني بايزييلو الذين رأوا في عمل روسيني تحرشا ماحقا بأوبرا معبودهم. واتضح لاحقا ان جماعة من أعداء روسيني أدوا دورا تحريضيا فعالا وسط الجمهور الذي كاد يدفن هذا العمل العظيم في طيات النسيان.
لكن عرضها الثاني حقق نجاحا مدويا. ومنذ ذلك الحين أصبح تأويل روسيني الموسيقي أحد أشهر الأعمال الأوبرالية في تاريخ هذا الفن. وبلغ شأوه انه أصبح اول عمل يعرض باللغة الإيطالية في دار الاوبرا بنيويورك. وهي في كل هذا تكرار لما حدث للمسرحية الأصلية التي هوجمت بضراوة في اسبوعها الأول ثم تحولت 180 درجة بعد ذلك لتصيب نجاحا مدويا.