الملحق الثقافي

ذكريات حيادية

ربما لم يكن جبّور الدويهي، الروائي اللبناني والأستاذ الأكاديمي، معروفا بوصفه مبدعا إلا على نطاق ضيّق، حتى ضمن الأوساط الثقافية اللبنانية ذاتها، فقد أنهى هذا الأكاديمي اللبناني تخصصه في حقل الأدب المقارن من جامعة السوربون وعاد إلى بيروت ليعمل في حقله ومجال تخصصه، في حين كان يكتب بالفرنسية. بعد ذلك انتقل إلى الكتابة بالعربية لغته الأم، بل لغة الشقيقة أو الصديقة إذا صحّ الحال أن “اللغة لدى المبدع” يحولها صاحبها إلى صديقة كي لا تصير سجنا أو زوجة!.
وعمليا، حدث ذلك قبل صدور روايته “مطر حزيران” التي صدرت العام 2006 ثم في غير طبعة بعد ذلك، فقد أثارت الرواية حولها جدلا، لا بسبب موضوعها الذي هو الحرب الأهلية اللبنانية التي عاش خلالها في نفق طويل من الظلمة والغياب الطائفي عن الوعي السياسي وعن الاجتماع الأهلي وبروز “الهويات القاتلة” بتعبير إميل معلوف، إنما بسبب مواقف سياسية حملتها بعض الشخصيات المسيحية، ما دعا إلى تحميل المؤلف المسؤولية السياسية والثقافية عن هذه المواقف، دون أن يمنع ذلك أن تحظى الرواية بانتشار واسع وبمعدل قراءات لم يكن يتوقعه جبور الدويهي ذاته لجهة أن الروايات على مستوى الفكرة تتناول المجتمع المسيحي اللبناني من داخله، وعلى المستوى الفني، بدت معقدة في تركيبتها الفنية والبنية النفسية لشخصياتها الرئيسية حتى لدى العارفين بشأن المجتمع المسيحي اللبناني. وربما حدث ذلك لتقصد الروائي جبور الدويهي في “اللعب” مع الزمن الخاص بالرواية وبحيوات الشخصيات وطبائعها والتردد بين ماضيها وحاضرها، غير “صفاء” النثر فيها والتعامل مع الجملة، بوصفها بنية تركيبية ونحوية، على أن لها إيقاعها الخاص في الرواية. أضف إلى ذلك عنوانها الشعري: “مطر حزيران” وما يتضمنه من جماليات التناقض، ذلك أن أيلول هو الذي يبشر بالمطر فيما يبشر حزيران بتموز الحارق وآب اللهّاب، ليهيئ العنوان بذلك العتبة اللازمة لإغواء فعل القراءة بالدخول.

جائزة أولى
أما رواية “شريد المنازل”، الصادرة عن دار النهار البيروتية كسائر الأعمال الأدبية الأخرى لجبور الدويهي، فقد باتت الآن واحدة من ست رويات أخرى مرشحة للفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية في طبعتها الخامسة، التي تدعمها مؤسسة الإمارات حصرا، والتي درج الإعلام العربي على تسميتها بجائزة (البوكر العربية)، فهي مختلفة تماما عن سابقتها “مطر حزيران” بالمعنى الفني للكلمة رغم أنهما نبعتا من أصل فكرة واحدة هي المجتمع المسيحي اللبناني والحرب الأهلية اللبنانية.
إنما قبل الدخول في هذا الأمر، وبما يشبه نبؤة صغيرة بفوز “شريد المنازل” بالجائزة العالمية للرواية العربية، فقد حازت الرواية في أكتوبر الماضي بجائزة محلية لبنانية هي جائزة “حنا واكيم للرواية اللبنانية للعام 2011” التي تمنحها سنويا مؤسسة حنّا واكيم للتربية والثقافة وقيمتها عشرة آلاف دولار وذلك من بين ست رويات لبنانية أخرى من بينها “حياة قصيرة” لرينيه حايك و”دروز بلغراد” لربيع جابر. أما الأكثر لفتا للانتباه في أمر هذه الرواية أن لجنة التحكيم التي تمنح الجائزة هم من تلاميذ المدارس الثانوية وليس من النقاد “المخضرمين” أو الأكاديميين “العريقين” الذين أفسدوا الكثير من الجوائز الأدبية العربية التي كان من الممكن أن تكون بحال أفضل لولا جهودهم “الفذة”.
إنما لا يُخالف هذا الفوز شروط الجائزة العالمية للرواية العربية فهي تشترط على ترشيح أي رواية من قبل أي ناشر عربي أنها “لا تقبل أي أعمال تمّ ترشيحها في دورة سابقة” دون أي إشارة لفوزها سابقا بجائزة أخرى سابقة على هذه الجائزة، وذلك بالطبع فضلا عن شروط أخرى لا تمس الأمر هنا.

بلا ترميز
ولجهة مقارنتها بـ”مطر حزيران”، تبدو “شريد المنازل”، بعنوانها الذي يذكّر من جهة ما بمصير المتنبي أو أي شاعر ملعون، مختلفة جدا على الصعيد الفني، فالزمن يتدفق بيسر وسهولة على نحو كرنولوجي بدءا من النشأة الأولى وحتى النهايات المحتومة، وتحديدا الشخصية الرئيسية فيها، فيما لا تشهد الشخصيات الأخرى تحولات ذات بال مرتبطة بمصير هذه الشخصية، تبدو الشخصيات، حتى بما فيها شخصية الحرب الأهلية اللبنانية كأنما وجدت في إطار لوحة هذه الرواية لتكون الشخصية الرئيسية الهائمة مركزها الأصل وما تلحظه العين بدءا من لحظات القراءة الأولى. أيضا التذكارات لا تخرج عن سياق الزمن الكرنولوجي بل تعزز من حضوره وتجعل هذا الحضور منطقيا، إذا جاز التوصيف.
إلى ذلك فالأحداث لا ترميز فيها فهي واضحة وضوح الشخصيات لجهة مرجعياتها الطائفية وما اختاره لها قدر لا محيد عنه في الاتيان على هذا الفعل أو ذاك ثم القيام به. العماء سيّد.
كل ذلك يجعل من “شريد المنازل” أكثر شبها برسالة طويلة كأنما تكتبها الشخصية الرئيسية إلى ذاتها، أو أشبه بفيلو سينمائي عن حياة لفرد ما في جو عاصف ومتلاطم ولد المرء وعاش فيه ثم مات كأنما الحياة يُؤتى إليها هكذا ثم يجري الخروج منها بالطريقة ذاتها وهو أمر يُحسب للروائي جبور الدويهي في قول روايته هذه على النحو الذي يثير في نفْس قارئه هذا اللون من المشاعر، مع ان المرء قد يختلف كثيرا في الرؤية إلى الأحداث كما يتناولها الدويهي.
ربما حدث ذلك بسبب الحياد في فعل “الروي” أو “الحكي” الذي تقوم عليه الرواية، فالراوي هو الذي يقول ويشهد وينطق عن الشخصيات إلا ما ندر، وكأنما يقوم بفعل إعادة رواية الرواية بقَدْر من التأويل مستخدما فعل الحاضر لا الفعل الماضي في الرواية، حتى لكأنه أشبه بجنرال يقود حربا فيما الشخصيات والأمكنة والأحداث هي جنوده المشاة الذين يرقبهم ويحركهم من بعيد.

صعود مرتجى
يصعد رجل من حمص إلى القرية المصيف “حورا” القرية المسيحية ـ المسلمة القريبة إلى طرابلس، ينتمي إلى أسرة حمصية مسلمة تحمل اسما فلسطينيا مثلما أنه ينتمي إلى الطبقة المتوسطة وينزع إلى صعود السلم الطبقي إلى الأعلى دون جدوى حتى يرتطم بأسفل السلم ويقبع هناك، تاركا ابنه “نظام” في بيت عائلة مسيحية تتكون من رجل وامرأة وحدهما ولم ينجبا من قبل.
هذا الصعود المرتجى توقفه الأحداث السياسية للمنطقة العربية منتصف الخمسينات من القرن الماضي مع صعود نجم الناصرية وظهور المدّ اليساري والقومي العربي، ثم تهوي بكل الأحلام الصغيرة للطبقة المتوسطة في طرابلس لبنان الخمسينات إلى الحضيض. فلا تعود “حورا” مصيفا بل تبقى قرية جبلية لبنانية مثلما تبقى فيها تلك الحكاية الصغيرة لنظام والعائلة المسيحية التي لا تدري شيئا عن مصيره ولا يملك أحد فعل شيء تجاه بقائه من عدمه، إنه هنا بحكم المصير والقدَر، هكذا كما هو العشب النبت بين شقوق الصخر.
يرسم الروائي جبور الدويهي بمكره ودهائه الابداعيين كل شيء ليرتطم “نظام” الشخصية الرئيسية في الرواية بقدره واسئلة هذا القدر ما إن يغادر “حورا” نهائيا للعيش في بيروت مطلع شبابه الذي أدركه على بوابة الحرب الأهلية وذلك بعد أن يكون قد تحوّل إلى المسيحية المذهب الأنطاكي الماروني، مبقيا على اسمه في العلن ومتخذا اسم انطون نسبة إلى القديس أنطونيوس في العماد. تبعا لسيرورة الرواية لم يكن ذلك فعل مصادفة أو ارتجال مراهق من شاب في الثامنة عشرة بل هو اختبار لنزاع الهويات داخل الشخصية التي نشأت مسيحية من أبوين مسلمين، مثلما أنه نوع من الحل لسيرورة أخرى اجتماعية سابقة بدأت تجني ثمار انهيار الطبقة المتوسطة في طرابلس وريفها، الذي قاد إلى دخول محتدم لا يعرف الرحمة في حرب أهلية هي حرب الهويات والنزاع الأهلي الذي استمر قرابة عشرين سنة لم يبق على خبيئة أي أحقاد طائفية ولا أجل من اتهام متبادل لأطراف خارجية وداخلية إلا وظهرت بادية للعيان، إنما عبر مصائر الأفراد ومعاينة الروائي لتفاصيل حياتهم التي قادتهم إلى الموت.
وبصفة عامة، يقدم الروائي جبور الدويهي شخصيات تائهة غير متوازنة بل هوائية ودون رادع ومولعة بالحرب وأمرائها، لكن يبقى نموذج “نظام ـ أنطون” هو النموذج الأصفى لعبثية الحرب وبشاعتها. هنا تبدأ الرواية بالانزياح الذي ربما يكون ايديولوجيا إلى حدّ بعيد لكن يد الإبداع الخفية هي التي تحركه.

تصدع فكري
هذا الانتقال من الإسلام إلى المسيحية ثم ما رافقه من تصدع فكري ونفسي وقلق وجودي فردي، نسبي جدا، اختاره الروائي، أو كان ذريعته، ليتنقل بنظام في أوساط اليسار اللبناني بكافة تياراته ثم في أوساط المقاومة الفلسطينية في خضم الحرب الأهلية فيرسم للشخصيات صورا لا تجدر إلا بالرثاء إذ هي تقريبا قذرة، موضوعيا، ومنذورة لمهمة تكاد تكون إلهية، حتى لكأن هذا النموذج من الشخصيات ليس موجودا إلا في هذا الطرف دون سواه وما كان يفعله الآخرون بهيئاتهم الملائكية أنهم قد أداروا خدّهم الأيسر.
يدخل جبور الدويهي إلى أوساط هذا اليسار بحياد ويخرج منه بحياد لكنه حياد يدين أكثر مما أنه يشرّح عبر الشخصيات واقع الأمر كما هو عليه تماما، أو حتى كما تختلف حوله وجهات النظر الأخرى. هكذا لا يعود “نظام” إلى مقبرة المسلمين بعد مقتله على يد أولئك الذين كانوا آنذاك يسيطرون على معبر المتحف والذين ينتمون طائفيا لما قد اختار نظام أن يغادره، كأن ما فعله نظام آنذاك هو أن نصب شركا لنفسه واختار يد قاتله في مصير تراجيدي يماثل مصير الشخصيات التي ارتطمت بأقدارها، إنما هو “هاملتي” من الدرجة العاشرة في أحسن الأحوال.
أيضا يلاحظ المرء منذ البدايات أن أسماء الشخصيات القادمة إلى طرابلس سواء للعمل فيها أو للعيش بسبب انفتاحها، هي أسماء عربية، وخلال “المسيرة” التي اختار المؤلف لنظام أن يحياها هي كلها عربية، بحيث بدا أن صراع الهويات لم يكن لبنانيا داخليا بل لبنانيا مع القادمين إلى بلد الانفتاح والتسامح من المحيط ومن الجوار القريب. لنقل إنها وجهة نظر فحسب، إذا كان للفن الروائي أن يناقشها من جهة التأريخ الأدبي وعلاقته بالاجتماعي، فأغلب الظن أن الرواية ستكون غير منصفة.
إنما للحق، وبوصف “شريد المنازل” تنتمي إلى ذلك النوع من الروايات التي تتناول التاريخ المعاصر، الذي غالبا ما يكون مؤلفه قد عايشه في خلال حياته، فإنها رواية جديرة بالقراءة بالفعل بعيدا عن كونها واحدة من الروايات الست المرشحة أم لا.