الملحق الثقافي

هل العرب أمة بلا خيال؟

“كل ما أنتجه الذهن العربي في مختلف عصوره، قد كان على وتيرة واحدة ليس له من الخيال الشعري حظ ولا نصيب. وأن الروح السائدة في ذلك هي النظرة القصيرة الساذجة التي لا تنفذ إلى جواهر الأشياء وصميم الحقائق”
الشابّي: الخيال الشعري عند العرب


ما كان للمحاضرة التي قدمها أبو القاسم الشابي في النادي الأدبي لجمعية قدماء الصادقية بتونس “الخيال الشعري عند العرب” أن تنال ما نالته من ردود أفعال ودوي ثقافي واجتماعي لولا رفضها ومشاكستها لأحد ثوابت الفكر العربي، وهو تمجيد الماضي واعتباره أكثر غنى وجدوى من الحاضر بل من المستقبل بالضرورة.
يزيد من حدة تلك الردود المنفعلة ما يتصل بتوقيت المحاضرة زمنيا؛ فقد أتت بعد الضجة التي أثارها كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي”، و”الغربال” لميخائيل نعيمة، و”الديوان” للعقاد والمازني، وكذلك أطروحات روفائيل بطي حول الشعر العصري معضدة بكتابات المهجريين النثرية في العقد العشريني نفسه، ثم صدورها في العام نفسه (1929) موسّعةً في كتاب أخذ عنوانها.

دوافع ومشغّلات
يمكن للقارئ أن يستشف أثر طه حسين واضحاً في الكتاب ليس من إلغائه الصادم لحقائق صورت بأنها ثابتة في الدرس النقدي السائد فحسب، بل في (الشك) الذي يدفع للمراجعة الجريئة التي لا تجد يقيناً يمكن الركون إليه مادام كل شيء قائما على الحدس والتصور والاستقراء، وهو ما قاد الشابي إلى استنتاج خطير أعلنه مصرحا بما يتوقع ان تكون عليه ردود الأفعال تجاهه، وخلاصته ان الشعر العربي بما انه انعكاس للروح العربية في صحرائها فهو خال من الخيال تماما في شتى عصوره وبيئاته، وأغراضه وأساليبه.
ولمن يقرأ الكتاب في سياق التنوير والنهضة والدعوة إلى التجديد في الثلث الأول من القرن الماضي تغدو يسيرة عليه معرفة أن الكتاب استكمال لدعوة طه حسين في كتابه عن الشعر الجاهلي، فالشابي يؤكد أنه في كتابه ـ محاضرته قبل ذلك، دعا الناس إلى منهاج جديد من البحث والفهم والتقدير لمفهوم الأدب العميق سيغضب مشيخة الماضي التي لا تفهم من الحياة إلا يوم الأمس. وهو الهدف الذي اراده طه حسين كذلك فقد نص على أن المنهج الذي اتخذه في قراءة ما يصنف على أنه شعر جاهلي منهج علمي فلسفي سيتلقاه المستنيرون بالرضا بينما سيغضب المتخذون من الماضي منهجا لا يرجعون عنه. ولكن ما بين الكتابين فرق كبير في الأسس التي استند إليها كل من الكاتبين، فطه حسين يرى أن الشعر الجاهلي لا يعبر عن الحياة العربية في العصر الجاهلي؛ لأنه منتحل ومنسوب إلى شعراء يشك بوجود بعضهم أو قولهم ما نسب إليهم من أشعار، فيما يرى الشابي أن الشعر القديم كله خالٍ من الخيال في فتراته الأربع أو الأدوار التي افترضها (الجاهلية، العصر الأموي، العباسي، الأندلس)، لأنه يعبر عن الروح العربية التي أملت هذا الأدب في صحرائها.
لكن استشهاد الشابي بنكران طه حسين لوجود شاعر كعمر بن أبي ربيعة ومستنداته من الشعر القديم وتسفيهه لموضوعاتها وصورها ورؤية شعرائها تصب في جهد طه حسين المطالب بمراجعة شاملة لثوابت الدرس الادبي والنقدي حيال التراث الشعري العربي.
ويرى باحثون كثر أن الخيال الشعري عند العرب كان ردا صريحا على توصلات باحث تونسي معاصر للشابي هو محمد الخضر حسين في كتابه “الخيال في الشعر العربي” 1922 ليس بتشاكل العنوانين بل بتماثل حقل أو موضوع الكتابين وتعارضهما الفكري من بعد. علماً بأن الخضر له كتاب في الرد على طه حسين ونقض كتابه في الشعر الجاهلي، وهو كما يلاحظ الدكتور عبدالسلام المسدي باعث مضاف لمناقضة الشابي أفكار الخضر في كتابه عن الخيال ووجوده في الشعر العربي.

تنظير للخيال
ينطلق الشابي في كتابه باتجاهين:
ـ الاعتقاد كأي متأثر بالمدرسة الرومانسية بأهمية الخيال في القصيدة وضرورته بديلا لنسخ الواقع أو المعاش من التجارب، لذا يعترض على الرؤية الفوتوغرافية المتحكمة في الشعر العربي والمرتهنة بالواقع والمحيط البيئي.
ـ نقض التقليد والنموذج الصنمي الذي يحتكم إليه المحافظون من الإحيائيين الذين يقدسون القديم ولايرون في الجديد جدوى أو إضافة. فكانت مشاكسة ثوابته هي أفضل الطرق لاستفزازهم وتسفيه آرائهم.
ولما كان الشابي، كما يعكس شعره، من المؤمنين بالتجدد الاجتماعي والثورة على الواقع شرطا للتقدم والعيش في قلب الحياة لا على هامشها فإنه يهدم الروح التي أملت هذا الشعر الخالي من قوة التصوير والخيال، وهي روح يعيب عليها تمسكها بالموت ورفضها للحياة وانصياعها للتقليد ومقاومتها للتقدم. ويصفها بأنها “خطابية مشتعلة لا تعرف الأناة في الفكر ومادية محضة لا تستطيع الإلمام بغير الظواهر مما يدعو إلى الاسترسال مع الخيال إلى أبعد شوط”. ومثل هذه الروح لا تسمح بابتداع خيال حر أو مؤثر؛ فكان الشعر العربيي (كله) وفي مختلف عصوره صدى لها ومعبرا عن خوائها.
ولكن ما الخيال الذي يفتقده الشابي في الشعر العربي؟
إنه لا يعطي تعريفا للخيال، ولا يبين الوضع الاصطلاحي له مكتفيا ببيان ضرورته للإنسان: لروحه وقلبه وعقله وشعوره. ويرى أن الإنسان الأول استخدم الخيال كحقيقة معتقدا مثلا بأن قوله أقبل الليل ليس مجازا بل هو إقبال حقيقي بالقدم والجناح.. ويكتفي الشابي بتقسيم الخيال إلى قسمين: قسم اتخذه الإنسان ليتفهم به مظاهر الكون والحياة وهو الخيال الفني، وقسم لإظهار ما في نفسه من معنى لا يفصح عنه الكلام المألوف وهو الخيال الصناعي، ويندرج فيه الخيال اللفظي الذي جاءت به البلاغة. ويعلن للقارئ أنه سيبحث في الخيال الفني لا الصناعي. وبذا احتاط بمصارة منطقية لردود الخصوم حول وجود المجاز كتوسيع خيال للأشياء المصوّرة في الشعر العربي القديم.
وكمفكر وشاعر لا تعوزه الجرأة يستقصي الشابي غياب الخيال في الشعر العربي القديم، ويرى انه كله لا نصيب فيه للخيال لأسباب يسوقها مبوبة متسلسلة في صلة الخيال الشعري العربي بالأساطير أولا، وبالطبيعة، وبالمرأة، وأخيرا بالقصة، فيخلص عبر الأمثلة والشواهد إلى أن الأساطير العربية لا حظّ لها من وضاءة الفن وإشراق الحياة، فهي عبادة للأموات لا تشخيص فيها، ويجد أن الطبيعة بلا جمال في الأرض العربية ما انعكس على تصوير الشعراء لها بلا خيال، وترد المرأة في إطار نظرة يصفها بأنها دنيئة لا تفهم من المرأة إلا أنها جسد يُشتهى ومتعة من متع العيش. أما القصة فيرى أنها لا تستقل في القصيدة بل ضمن غرضها العام. وحتى في النثر يرى أن القصة العربية تميزت بدل الخيال بالإمتاع أو الحكمة. ويعزز كل مبحث بشواهد شعرية ونثرية يمكن الجدل حول انطباقها على فرضياته النظرية.

تناقضات والتباسات
تهبنا قراءة المستندات النظرية والنصية في كتاب الشابي فرصة التعرف على ما تتسبب به الحماسة من تناقضات ومُصادرات والتباسات على مستوى الفرضيات، ثم تطبيقها كمفاهيم على نصوص منتزعة للاستدلال على صحة تلك الفرضيات. فلغرض تسفيه قصائد مأثورة في التراث الشعري العربي وبعضها متفق على قيمتها بين التقليديين والمجددين يذهب الشابي إلى السخرية من معلقات امرئ القيس وطرفه مثلا وشعر ابي تمام والمتنبي وابن خفاجه. ويرى صورهم وتشبيهاتهم سقيمة ساذجة تقع فيما افترضه من مادية وخطابية وجفاف في الخيال تحكمت في النتاج الشعري العربي على مر العصور. كما يقع في التعميم والجزم المؤكّد بشمول تشخيصه للشعر العربي دون استثناء، عدا ما جاء في موضع واحد بصدد وصفه تناول الشعراء للأشياء والنظر إليها بنظرة المصور الفوتوغرافي الذي لا يهمه إلا التقاط الصور والأشباح وإظهارها كما هي، فقد استثنى من ذلك ابن الرومي وأبا تمام والبحتري، كما امتدح جهد عمر بن ابي ربيعة في ابتداع الشعر القصصي أو القصة في الشعر. لكنه يقع في التعميم الذي يوضحه المقتطف الذي صدّرنا به الدراسة حيث وصف (كل) ما أنتجه الذهن العربي وفي (مختلف) عصوره بأنه ليس له نصيب من الخيال. ويصف الروح العربية بأنها مادية خطابية أضعفت ملكة الخيال، والأدب العربي بأنه أدب مادي لا سمو فيه ولا إلهام ولاشيء من عمق الخيال وقوة التصوير.
ولا تجد القراءة الاستعادية عسراً في تفنيد ذلك التعميم بإيراد النصوص المناقضة لتلك الفرضيات، وهي نصوص معروفة ومتداولة ومدروسة باعتبار ابتداعها وتوليدها للخيال والصور والرؤى والأفكار. وفي ظني أن الخلل المنهجي الأساسي في عمل الشابي يكمن في البلبلة الاصطلاحية حيث يستخدم مصطلحات لا تعبر عن مفاهيم واضحة، وهي متعددة ومتناقضة أحيانا كحديثه عن الروح العربية والعقل العربي والمزاج العربي والذهن العربي، وهي لا تنبئ عن بنية مفاهيمية كامنة تحت بنيتها اللغوية، فهي شأن الخطاب الرومانسي الغائم شطحات إنشائية أحيانا لا تمتلك ملموسية محددة كتعريفه للخيال بأنه “فانوس الحياة السحري الذي لا تسلك مسالكها بدونه” وقوله معرفا بمنهجه “أريد أن أبحث في الخيال عند العرب من ذلك الجانب الذي تتدفق فيه أمواج الزمن بعزم وشدة. وتنهزم فيه رياح الوجود المتناوحة مجلجلة داوية جامحة، وتتعاقب عليه ظلمات الكون وأضواؤه وإصباح الحياة وإمساؤها”.
ويتضح التناقض في سَوْقه لأسباب ضعف خيال العرب؛ فإذ يرى أنها تكمن في مادية الروح العربية وخطابيتها نجده يورد أسباباً تتعلق بعدم اطلاع العرب على أدب الأمم الأخرى، كما تختلط لديه الأسباب الفنية المتصلة بالشعر كنظام خاص بالأسباب البيئية والاجتماعية والجغرافية أحيانا. كتفسيره لحدة طبع العرب وعدم صبرهم وميلهم إلى الإيجاز والخطابة بسبب ذلك، ومزجه لمراجع المقارنة الفنية أحيانا بالطبيعة كجدب الصحراء وقسوة العيش فيها.
لكن تلك الملاحظات لا تحط من قيمة أو خطورة ما أورده الشابي بصدد الخيال وغيابه ـ أو محدوديته في الأصح ـ في الشعر العربي، وقدّم نماذج مبكرة للتحليل واستقصاء الملفوظ النصي ولو لغرض قسري أحيانا.