الملحق الثقافي

الكتاب أكثر شهرة من المؤلف

حقق كتاب “الأغاني” شهرة كبيرة وله أهمية واسعة بين الدارسين والمؤرخين، فضلا عن المحبين للتراث العربي في مجالي الشعر والغناء خصيصا، لكن مؤلف الأغاني أبا الفرج الأصفهاني لم يحظ بالأهمية ذاتها، فالمعلومات عنه ليست وفيرة، والدراسات حوله محدودة، حتى أن مجمع اللغة العربية ـ في الأربعينيات من القرن الماضي ـ رصد جائزة لمن يعد بحثا علميا حوله، فلم يتقدم إليها احد، إلى ان جاء د. محمد احمد خلف الله، وأعد دراسة عنه صدرت عام 1953 بتقديم الشيخ أمين الخولي، ونسيت هذه الدراسة أو كادت ان تنسى، الى ان صدرت منها مؤخرا طبعة جديدة.
خلف الله يعتبر الأصفهاني راوية وليس مؤرخا، والفارق كبير بين الاثنين، الراوية يجمع الأخبار التي يرددها الناس، كما هي بغض النظر عما تضمه من غرائب أو أشياء لا معقولة من دون ان يتدخل فيها، لا يهمه صدق الموضوع الذي يرويه، فقط يهمه صدق من روى ومن قال، أما المؤرخ فهو يميز بين الروايات وينتقي منها، وفقا لرؤيته ومنهجه العلمي، لذا قد يستبعد المؤرخ روايات بأكملها لأنها مخالفة للوقائع وللمعقولات أو للمنهج الذي يلتزم به ولكن هناك من اعتبر الأصفهاني خاصة في كتابه “مقاتل الطالبيين” مؤرخا.

وضع غريب
الأصفهاني له وضع غريب بين المؤرخين، هم يتفقون على تاريخ ميلاده، عام 284 هجرية لكنهم يختلفون في تاريخ وفاته، هناك ثلاث روايات حول وفاته ابن النديم يحددها بأنها نيف وستون وثلاثمئة، بينما ابوالنعيم يذكر عام 357 هجرية ويذهب ابن ابي الفوارس الى 14 من ذي الحجة عام 356 هجرية وفي العادة يختلف المؤرخون في تاريخ الميلاد باعتبار أن الطفل حين يولد لا يهتم بمولده كثيرون فلا يتوقفون عنده، لكن حين يصير ذائع الصيت يهتم الناس بتاريخ وفاته ويذكرونه بدقة، الأمر اختلف بالنسبة للأصفهاني وتفسير ذلك عند خلف الله ان الأصفهاني حين وافته المنية لم يكن قد حقق شهرة، لذا لم يهتم به احد، وبقوله هو “ليس الرجل بالشخصية الجبارة وليس الرجل بالعقلية الفذة حتى يتضخم وتتضاءل الى جانبه جميع الشخصيات. أبوالفرج شخصية عادية أو أديب مغمور في عصره ومن هنا كان الاختلاف في تاريخ الوفاة”.
كتاب الأغاني الذي هو موسوعة متكاملة وله أهمية خاصة لم يكن بتلك الأهمية في البداية، لكنه اكتسب أهميته وشهرته الفائقة بعد أن فقدت المكتبة العربية كثيرا من الكتب وكثيرا من الروايات التي اعتمد عليها أبوالفرج في التأليف، ولولا ذلك لظل الكتاب وسطا بين الكتب وظل أبوالفرج ـ كما كان في عصره ـ من الأدباء الذين يحبون السمر ويجيدون قص الأخبار ولا شيء وراء هذا.

ترتيب الأصوات
يتجه أبوالفرج في تصنيف المرويات على أساس الموضوعات لا على أساس المسانيد، وهي موضوعات يحددها في مقدمات كتبه كما هو الحال في كتاب الأغاني وكتاب “مقاتل الطالبيين” وموضوعات أبي الفرج التي تدور حولها الروايات تتعلق بالأشخاص، في كتاب “مقاتل الطالبيين” اهتم بأسماء من قتلوا من آل ابي طالب، وقد اختار طريقة سهلة ومريحة في روايته، حيث اختار الترتيب الزمني في ذكر الطالبيين المقتولين منذ عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى آخر قتيل في عصره وقت تدوين كتابه، وكان يذكر كل طالبي والظروف التي أدت الى مقتله ومن قتله “من احتيل في قتله بسم كان سبب وفاته، ومن خاف السلطان وهرب فمات في تواريه. ومن ظفر به فحبس حتى هلك في محبسه”.
اما في كتاب “الأغاني” فقد اهتم بأشخاص الشعراء والمغنين، ولم يرتبهم ترتيبا تاريخيا أو زمانيا، كما لم يرتبهم ترتيبا أبجديا ولا رتبهم حسب القبائل أو البلدان، ترتيب الكتاب يقوم على الأصوات، وأغاني الخلفاء وأولادهم ثم أغاني المشهورين من المغنين والمغنيات.
ويتوقف خلف الله عنه ما يسميه “التصحيحات” التي قام بها الاصفهاني لبعض المرويات وهي تصحيحات فكرية لا تصحيح النقل والسماع، اي انه يقدم الرواية كما هي ويذكر أسانيدها ومصادرها ثم يعقب مصححا في النهاية، ورغم ان تصحيحاته قليلة فإنها تثبت قدرته على النقد التاريخي واستعداده حين يتريث لان يكون من المؤرخين، وقامت تصحيحاته على معرفته بالتاريخ حينا وعلى البحث ومحاولة الاستقصاء أو المذهب ا لفني وقد يستند في ترجيحه لرواية على أخرى الى عوامل عديدة كالفلك، وهو ما وجدناه في تحديده لليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي رضي الله عنهما، حيث يقول “فأما ما تقوله العامة انه قتل يوم الاثنين فباطل وهو شيء قالوه، بلا رواية، وكان أول المحرم الذي قتل فيه يوم الاربعاء وأخرجنا ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات، واذا كان ذلك كذلك فليس يجوز ان يكون اليوم العاشر يوم الاثنين”.

المؤرخ الراوي
في كتاب الأغاني كان الاصفهاني راوية بامتياز، اراد ألا يفوته من المرويات ما يعرفه الناس وما يتداولونه، ومن هنا كان همه الأول الجمع ولم يقف للنقد التاريخي إلا في مواطن قليلة، لكنه في كتاب المقاتل يتجه اكثر الى ان يكون مؤرخا وذلك انه في الأغاني كان يهدف الى الإمتاع والمؤانسة لكنه في مقاتل الطالبيين كان يروي أخبارا سياسية وأحداثا واضحة وهي الى جانب ذلك أخبار دينية ومذهبية تهتم بها الجماعات الدينية وتحرص عليها، فضلا عن انها عنصر من عناصر مقاومتها لمن يخالفونها في المذهب، والواقع ان هناك بذورا سياسية في حياته جاءته من أسرته، وهذه البذور باعدت بين ابي الفرج والاشتغال بالسياسة أو الاهتمام بها من قريب أو بعيد، ومن ثم باعدت بينه وبين ان يكون من الندماء في قصور الخلفاء العباسيين، وذلك ما دفع به الى مصادقة خصوم وأعداء العباسيين، خاصة من الطالبيين. وهذا ما يفسر انه بدأ حياته بإخراج كتاب “مقاتل الطالبيين”.
كتاب المقاتل محدود الحجم ولا خلاف عليه، اما كتاب “الأغاني” وهو الأكثر شهرة، فهو موسوعة ضخمة ومخطوطاته متباينة، هو في بعضها 20 جزءا وفي البعض الآخر 24 جزءا ويبدو ان هناك مواد أضيفت اليه، لم يكتبها الأصفهاني.