الملحق الثقافي

وقائع من جماهيرية الرعب

يروي حسن صبرا في كتابه “جماهيرية الرعب” مجموعة وقائع حصلت فيها ضحايا ومجرمين، فيها ما يضحك وما هو مبكي، ما هو ساخر.. قصص أغرب من الخيال، والبطل فيها معمر القذافي.
خمسة عشر فصلاً وخاتمة، أطل بها المؤلف في كتابه هذا، من خلال ثورة 17 فبراير ويقول: لو أنك سألت أي ليبي مهموم بشؤون وشجون وطنه، متى بدأت الثورة ضد معمر القذافي، لما تردد في القول: أنها بدأت منذ 30 أو 40 سنة، هي عمر القهر الذي مارسه معمر علينا، وكان يجب أن نثور لوقفه عند حده وقتها. ثورة شعبية على مستوى القهر والقمع لكل فئات ومناطق الشعب الليبي وطيلة 40 سنة.
يشير المؤلف الى إن مدينة بنغازي هي السبب والساحة والميدان والشعلة... في بداية ثورة الخلاص الوطني جاءت جزءاً من تداعيات جريمة القذافي ضد نزلاء سجن ابو سليم في طرابلس، وفيه قتل 1270 انسانا من كل أنحاء ليبيا. حاول القذافي شراء سكوت أوليائهم وكانت بنغازي له بالمرصاد. بدأت بدعوى قضائية للبحث عن مصير المفقودين أوكلت للمحامي عبد القادر غوقة وهو أول متحدث إعلامي باسم المجلس الإنتقالي الوطني الليبي الذي تأسس بعد انطلاق ثورة 17 فبراير 2011.
لقد بدأت الإعتصامات وبدأت معها مرحلة المضايقات الأمنية، في رصدها الناس التي كانت تتعاطف وتقف مع أهالي الضحايا أثناء الإعتصام. حيث يتم استدعاؤهم والتحقيق معهم وحتى تهديدهم بالقتل. هذا الى جانب الإنفراد ببعض الأسر وممارسة الضغوط عليهم بتقديم الإغراءات وإن لم يكن بشكل مباشر.
بعد ثورتي تونس ومصر بدأ الخناق يزداد على نظام القذافي، قام بفتح قناة للحوار بين أفراد الضحايا وبين عبدالله السنوسي، حيث قام بإعطاء بعض المزايا ليصرف أهالي الضحايا وعدم إعطاء مبرر للتواجد مع الشارع يوم 17 فبراير. ومن هنا بدأت الثورة في الإعتصام حتى يسقط النظام من ساحة التحرير في بنغازي وانطلاق ثورة إسقاط الطاغية.
ويشير المؤلف إلى إن يوم 17 فبراير هو يوم ذكرى المظاهرات حين اقتحم أهالي بنغازي القنصلية الإيطالية عام 2006 وأحرقوها احتجاجاً على مواقف صدرت في ايطاليا اعتبرت مهينة للإسلام وللرسول محمد عليه الصلاة والسلام. وقد تصدى لهم الأمن الليبي وأطلق عليهم النار فقتل عدداً منهم قيل إنه 10، فلم يتوقفوا عند القنصلية فقط بل أحرقوا عدداً من مؤسسات الدولة كمقرات اللجان الشعبية لكنهم تجنبوا الإقتراب من معسكر الفضيل الشهير خوفاً من شراسة عناصره، فاوضهم وزير الداخلية يومها عبد الفتاح يونس من خلال شيوخ القبائل فتم تسليم عدد من الشباب فاعتقلهم لفترة ثم أطلق سراحهم، ودفع تعويضات لأهالي القتلى والجرحى.
ويقول المؤلف أن الثورة انفجرت يوم 15/2، وتابعت الجماهير التحرك يوم 16/2، وكانت مفاجأة للأمن والنظام الذي كان جهز مرتزقته لمقاتلة الناس يوم 17 فبراير.
المفاجأة الثانية التي واجهها نظام القذافي أن يوم 17 كان يوم خميس، وأجهزته ربطت بين تحرك الجماهير المصرية بعد صلوات الجمع التي تلت يوم 25/1/2011 ضد نظام حسني مبارك. وإمكانية تحرك الجماهير الليبية اعتباراً من الجمعة في 18/ 2/ 2011، وقد تواصلت المظاهرات في بنغازي وكل المنطقة الشرقية في ليبيا.
يذكر المؤلف في كتابه مشاركة المرأة الليبية في ثورة 15 فبراير شباط 2011 بنوعية وأعداد مميزة. خرجت أستاذة الجامعة دكتور أمال عبيدي ابنة ضابط حر في الجيش الليبي في المظاهرات الأولى. وخرجت السيدة الدغيلي والشاعرة خديجة بسيكري وهي صحافية ورئيسة تحرير مجلة البيت، والمحامية سلوى بو قعيقيص. سارت سيدات بني غازي وفتياتها الثانويات، والجميع بين سافرات ومحجبات اندفعن وسط المظاهرات يهتفن كما الجميع الشعب يريد إسقاط النظام. ونضال الفتاة الليبية ضد نظام القذافي لم يبدأ في ثورة فبراير 2011، بل إنه بدأ باكراً، ومنذ دشّن القذافي سلسلة اعدامات ضد طلاب ليبيا وبنغازي تحديداً... اللذين قادوا تظاهرات 1976، وما تلاها عام 1977، ويذكر المؤلف أيضاً السيدة جميلة خلاق وهي ابنة شقيقة وزير خارجية ليبيا الذي قضى في حادث إسقاط اسرائيل طائرته المدنية فوق سيناء عام 72 صالح بوصير، وهي تقول إن أول تمرد لها ضد نظام القذافي، بدأ حين كانت في ثانوية بنغازي بالكتابات على الجدران وفي دورات المياه، أما في المرحلة الجامعية ففي كلية الإقتصاد وبعد صدور قرار نقل الكلية الى طبرق واعتراضها مع زميلات لها منهن صوفيا بودجاجة وسارة الشافعي...
وفي أحد الفصول بتناول المؤلف ما أشيع عن يهودية والدة العقيد، ويذكر أنه عندما توفيت عام 1984 جزم كثيرون بأصولها اليهودية ويروي الرائد عبد المنعم الهوني قائلا: تسلمنا عام 1970 أي بعد عدة أشهر من قيام الثورة وبروز اسم معمر القذافي زعيماً لها، رسالة من راعي كنيسة في ميلانو باللغة الإيطالية يقول فيها إنه كان راعي كنيسة في مدينة سرت الليبية، مسقط رأس القذافي، أثناء الإحتلال الإيطالي لليبيا، وأن والد معمر أبو منيار القذافي كان يعمل لدى أسرة يهودية وأنه أقام علاقة غرامية مع فتاة من هذه الأسرة أنجب منها ولداً رمته هذه السيدة رضيعاً ثم غادرت سرت الى طرابلس ومنها الى فلسطين، وأن هذا الولد معمر القذافي نفسه حيث التقطته عائلة أبو منيار وربّته ابناً لها.
لهذا نشرت صحيفة “الثورة” الليبية أوائل عام 1970 تعقيباً حمل الكثير من التهكم رداً على رسالة وجهها قس ايطالي الى معمر القذافي يقول له فيها: أنت يا معمر تمثل الأديان الثلاث.
يختم المؤلف كتابه باضافة اسم جديد لمرض أضيف على الأمراض النفسية بعد انتشار وقائع الجرائم الغريبة والوحشية هو مرض القذافية، وهو مزيج من كل الأمراض التي تصيب عقول البعض.. فالقذافية كما يقول المؤلف تجاوزت هذا كله، بعد أن تجاوز القذافي في سلوكه كل الحالات المرضية الشاذة التي عرفتها البشرية من أيام كاليغولا وربما قبل، وصولاً الى هتلر، وموسوليني، وتشاوسيسكو وغيرهم... كتاب “جماهيرية الرعب” نقل في محتواه الصورة الحقيقية لممارسات مجنونة لا تصدّق، وفيه أيضاً التحليل الدقيق والتعليل المدروس.