الملحق الثقافي

تصدعات وتحولات

للسنة الخامسة على التوالي تصدر مؤسّسة الفكر العربي ترجمة كتاب “أوضاع العالم” ليكون مجموع ما تمّت ترجمته 5 كتب، كان أولها “أوضاع العالم 2008”، وآخرها “أوضاع العالم 2012”.
الكتاب الذي يشخّص كلّ سنة أوضاع العالم خلال السنة السابقة، تعمّق هذه المرّة في دراسة المحطات الأساسيّة للعام 2011، من خلال 28 مقالاً توزّعت على ثلاثة محاور، هي: شروخ واهتزاز في العالم القديم، ومراحل انتقالية ـ جمود ومقاومة المؤسّسات، والنزاعات والمسائل الإقليمية، “الربيع العربي” وظاهرة ويكيليكس، والاستقلالية الدبلوماسية لدى الدول الناشئة، وسطوة لاعبي القطاع الخاص في النظام الاقتصادي العالمي... وغيرها الكثير من المظاهر والأحداث ذات الامتدادات المصيريّة، شكّلت إذن إطار بحث الخبراء والاختصاصيين في المجالات السياسيّة والاقتصادية والاجتماعيّة والبيئيّة، وغيرها، كما في مجال العلاقات الدولية.

شروخ العالم القديم
تحت عنوان “الاجتماعي يتحدّى السياسي ويهزّ فرائص العالم”، ميّز برتران بادي، ما بين الزمن الاجتماعي والزمن السياسي، بعدما تكرّس الظنّ بأن التجارب السلطوية الطويلة كانت قد جمّدت المجتمعات المدنية، ليتبيّن أن الثورات العربية، التي لم تنطلق من أيديولوجيا معيّنة أو طليعة، أو بتأثير من قائد، والتي ما من شيء مشترك بينها وبين الثورات التي صنعت القرن العشرين (ثورة 1917 البلشفية، ثورة 1979 الإيرانية، ثورة الضباط الأحرار 1952 في مصر، ثورة القرنفل في لشبونة 1974)، قد خلقت الزمن الاجتماعي، وأعادت الروابط التقليدية (مثل العصبيات القبلية في ليبيا واليمن) لمواجهة السلطات القائمة، كتعبير عن التعاضد أمام القمع. لا بل دخل الحراك العربي في الزمن الدولي للمرة الأولى، بعدما أضحت القوى الغربية مشاركة أكثر فأكثر فيما يجري على الساحة العربية، وبعدما فرضت الأحداث نفسها في غضون أسابيع، على مجمل النظام الدولي.
برتران بادي الذي اعتبر الحراك العربي نوعاً من مايو 68 آخر، توقّع بسببه تغييراً في إيقاع الحياة الدولية أكثر استجابةً للضغوط الاجتماعية بدلاً من مخطّطات القوة. وفي حال فرض هذا الربيع العربي نفسه على أنه ثورة حقيقية، فإن ذلك سيثبت أن الزمن الاجتماعي، عند بلوغه درجة معيّنة من الشدة، يستطيع الانتصار على كلّ الأزمان الأخرى، ويعرف كيف يخلق، ليس نخبه الخاصة به فحسب، بل مدينته الجديدة أيضاً. وتناول دانييل س. باخ أزمة التنظيمات الإقليمية في أوروبا وازدهارها في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، حيث المشاريع المطروحة تتمحور حول مسارات خاصة لا تهدف بالضرورة إلى تعزيز الاندماج، والتي يقف وراءها لاعبون غير حكوميين. بقدر ما ركّز كريستوف جافرلو على دبلوماسية البلدان الناشئة التي تؤكد بشدة إيمانها في نظام الأمم المتحدة الذي تودّ فقط “دمقرطته” باكتساب وزن متزايد فيه حتى يكون تأثيرها أكبر ضدّ الغرب، والتي تتشاور أكثر فأكثر في ما بينها، سواء في منظمة التجارة العالمية أم في حلقة المفاوضات حول المناخ، وهي ظواهر سارعت فيها أزمة الأعوام 2007-2009، وأضرّت بالنموذج الذي فرض نفسه على العالم بوصفه الضامن الوحيد للازدهار منذ سقوط جدار برلين، بحيث صارت البلدان الناشئة أكثر قدرة على تقديم أنماط تنمية وحكم بديلة.
وفي إطلالته على حركات اليمين المتطرّف في أوروبا، رصد دومينيك فيدال تيارات اليمين المتطرّف هذه، والتي تأكّد حضورها العام 2011، متسائلاً عمّا إذا كان الأمر يسمح بالحديث عن “يمين متطرف جديد”. أما فرانك بوتيتفيل فبيّن دور ويكيليكس في رفض المواطنين في الأنظمة الديمقراطية الاكتفاء بمقولة أن الدبلوماسية “تعمل بشكل أفضل” بعيداً عن عيون وسائل الإعلام والرأي العام. وكيف أن وكيليكس قضت على هذه النزعة التاريخية الخاصة بالممارسات الدبلوماسية السرية، فضلاً عمّا سبّبته من إحراج للدبلوماسية الأميركية، ولاسيّما إدارة أوباما الحاكمة.

مراحل انتقالية
في محور “مراحل انتقاليّة ـ جمود ومقاومة المؤسّسات”، تناولت المقالات المتعدّدة مسائل الطاقة النوويّة، وحروب سوق الصرف، والقطاع العام والعدل الجنائي الدولي، والجهات البديلة في مجال البيئة، والجهاز السياسي الغربي الحالي، وغيرها من الموضوعات الحيويّة والراهنة. ومن بين مقالات الكتاب التي رصدت الظواهر الاقتصادية اللافتة في العام 2011، مقالة ستيفان باكان “الإصلاح الفارغ في صندوق النقد الدولي”، التي بيّن فيها كيف أن أزمة 2007 ـ 2008 كانت إنقاذية بالنسبة إلى صندوق النقد لأنها سمحت له بأن يستعيد نشاطه ويصلح نفسه ويتموضع من جديد في قلب النظام المالي العالمي، وذلك بعدما كان قبل الأزمة يكافح لإثبات ضرورة وجوده المتنازع حولها، خصوصاً أن شرعيته كانت قد اهتزت في حالات كثيرة، وأن الأزمات المالية المتوالية في السويد وبريطانيا (1992) والمكسيك (1994) وجنوب شرق آسيا (1997) وروسيا (1998) والبرازيل (1999) وتركيا (2000) والأرجنتين (2001) أثبتت عدم فعاليته من حيث العمل الوقائي.
وفي المجال السياسي، شرّح غي إيرمي في مقاله المعنون بـ”الوهم الانتخابي” العمليات الانتخابيّة، محبّذاً لو يتخلّى الغرب عن يقينه المتعجرف بأن من واجبه أن يحمل إلى الأمم الأخرى الانتخابات الديمقراطية التي يضعها في مصاف الأديان”، مبيّناً الوهم الذي وقع فيه بعض الدول منذ انهيار جدار برلين، وبالأخص منذ أن تقدّم جورج دبليو بوش بمشروع التحويل الديمقراطي في “الشرق الأوسط الكبير” بغمضة عين، والزعم بأن الانتخابات هي الوصفة الشافية لخلاص الشعوب الخاضعة لكلّ أنواع التسلط والدكتاتوريات. لأن هذه الانتخابات تتمّ في الواقع بحسب مشيئة القوى العظمى والأمم المتّحدة ومنظمات حكومية أو غير حكومية أخرى.
أما الصحافي فيليب ريفيير فعلّق في مقاله “هل الشبكات الاجتماعية أدوات تخريب؟” على ما يشاع منذ بداية الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية، في كانون الثاني/ يناير 2011، حول الشبكات الاجتماعية بوصفها رموز التمرّد. إذ يذهب فيليب ريفيير إلى أن وسائل الإعلام الحديثة ليست وحدها السبب العميق وراء هذه الانعطافة التاريخية التي أسقطت في وقت واحد ديكتاتوريات قائمة منذ أكثر من أربعين عاماً، حتّى ولو كانت شبكة الإنترنت بمثابة السلاح في هذه الانتفاضات. ويستشهد الصحافي بالعالم السياسي أوجيني موزوروف (Evgueny Mozorov) الذي قال إنه يجب أن نحذر من “الاعتقاد الساذج بالطبيعة المحرِّرة للاتصالات على الشبكة، والذي يستند إلى رفض اعتبار نواحيها السلبية رفضاً عنيداً”. إن تسمية ريح الثورة التي هبت في بداية العام 2011 بـ”ثورة الإنترنت” لا معنى له إلا بقدر ما يمكن القول إن حركة أيار/ مايو 1968 في فرنسا هي “ثورة الإذاعة”. إذ إن الشبكة بحسب ريفيير، بسماتها الخاصة، تقوم بدور مكمّل ومختلف تماماً عن وسائل الإعلام الأخرى وأشكال التعبئة التقليدية. تسمح الإنترنت كمحفّزة للتفاعلات، تسمح للجهات السياسية الفاعلة التي تعرف كيف تتعامل بها، بمضاعفة قدرتها على العمل وحظوظها في النجاح ليس إلا.

النزاعات الإقليمية
إقليمياً، تناول فرانسوا نيكولو مصير العقوبات ضدّ إيران، وتناول فيليب س. غولوب سياسة الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط مذ تسلّم أوباما الحكم وما أعلنه في خطاب القاهرة العام 2009، واصطدام سياسته البرغماتية بعقبات خارجية، كان أبرزها معارضة الحكومة الإسرائيلية الشديدة لمسألة الأراضي الفلسطينية المحتلّة والمسألة الإيرانية، معتبراً أن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط واقعة في مأزق. فهي لا تعرف كيف تغيّر المعطى ولا تستطيع تغييره، لذا تحاول أن تحافظ على مواقعها، وأن تدير بقدر الإمكان التناقضات ومختلف العقد المتعلقة بالتزاماتها وبأخطائها الماضية في المنطقة. كما كتب بيار جان لويزار حول إيران ودورها في العراق وفي أفغانستان، وعلّق جان لوك راسين على الأزمة الباكستانية وامتداداتها الإقليمية.
وتحت عنوان “تركيا بين البحث عن الهوية والبرغماتية” كتب الصحافي المختصّ في شؤون الاتحاد السوفييتي السابق ريجيس جانتيه عن تركيا كقوة صاعدة في الشرق الأوسط وفي أوراسيا، تحلم باستعادة النفوذ في كلّ المساحة التي صنعت عظمة الباب العالي خلال خمسة قرون، مبيّناً محاولات أنقرة لتثبيت قوتها إقليمياً، متوقفاً عند المحاولات التركية لإثبات الذات، التي تمرّ برأيه عبر الشرق الأوسط وبـ”الأشقاء” الأتراك في القوقاز وآسيا الوسطى، وبالتقارب مع موسكو. كما تناولت مقالات أخرى أيضاً التوتر القائم في البحر الأصفر، ودول المخدرات المكسيكية وتأرجحها بين التحوّل الديمقراطي والعنف السياسي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية التي تجاهد من أجل الاستقرار، فضلاً عن خيبة أمل بلدان أوروبا الوسطى والشرقية إزاء الاتحاد الأوروبي.