الملحق الثقافي

المجمع الثقافي.. أنشودة الكلام

من نافلة البوح، من سراج تلألأ في الشارع الخلفي للتاريخ، الحكاية الأولى، لحلم زرع أوردته في النسيج ليهدي الأريج للأنام والناس المستقرئين لصحائف الأمل، المتهجين المعنى في أتون الخافيات من ضمير وغدير المعرفة.. والعارفات شجون الكلمة سجدن قرباناً لمفاهيم وتعاليم من نزفوا وما عزفوا عن الكلام، غرفوا وما عرفوا للجدب من مقام.. لهذا الصرح، شرح وفتح ما انضمت قافيته إلا على نون وما يسطرون وما زخرفته الأماني من أناشيد البر والبحر، وأشياء أخرى لونتها النخلة عند رصيف التشهي، واحتمالات المغزى الرشيد، كان شامخاً راسخاً واثق الخطوة، متمترساً عند اللحظة القصوى في اللهفة الحادبة من ألحان وألوان، وأشجان من غردوا على الأيك والقمم الشم.. هو المعرفة الغارفة، هو الموجة الجارفة، هو النبتة المسرفة في الإخضرار، هو الكلمة المتطرفة في الحضور، هو الأغنيات المحدِقة في وميض الساريات الجاريات المسهبات في البصيص الأول، هو المنطقة المتاخمة لشواطئ ومواطئ الأمن والأمان، والشجو والاطمئنان، والحنين والتحنان، والعشق المسربل بحرقة القابضين على جمر اللظى والتشظي.. هو الورطة الجميلة، والأخلاق النبيلة، والمعاني الأصيلة، هو خميلة في قلب المدينة ناخت عندها نوق وتجملت أباريق، والهوى بحري إلى حد النخاع..
المجمع الثقافي ساقية عشقت رضاب السهول البضة، مدت الأنامل والسنابل، حيث السفوح الغضّة، وحيث التطلع للبقاع والأصقاع والمناهل المترعة، والسواحل الرابضة عند خاصرة وضلع كان له الشراع واليراع، وكان له الجموح والطموح، وراجحة التواصل، من دون فواصل أو نقاط تنتحر عند آخر السطر..

برج الكلمة
المجمع الثقافي، برج الكلمة وسيادة السلام في كل مقام، وبأحلى قوام ساد متحفزاً مستفزاً أحياناً، لكنه كان لا يتلو آياته خارج النص، ولا يجلي المعنى بغير المعنى، كان المناخ المعتدل في الفصول الأربعة، والطقس المشبع بنث وحث على العطاء والسخاء، وتخليد ما يستحق الخلود في حضرة الذين تباروا وبادروا وساوروا النفس لأجل أحلام جديدة، وأقلام فريدة عتيدة تؤجج الهوى للمدينة المجيدة.. كان لحناً كونياً يرسخ الثوابت، وينبت الرواسخ، ويشد من أزر المعاني، لتكون الشامخ الراسخ المخضب والمخصب بتربة الناس النجباء..
المجمع الثقافي القاطن في شرفة التاريخ المستقر عند باحة الجغرافيا، المنتعل وجده وجِده المعتصم برونق الذاكرة، وحدقات الذين عشقوا مواويل النهام، في ساعة الضجيج ونفرة الحجيج، وزفرة الهائمين ولعاً ما جدلته القصيدة على لسان من ساموا النفس لأجل بقاء ونقاء واحتواء وانضواء في ركب الذاهبين عميقاً في مشارب الحرقة الأبدية.. المجمع الثقافي جناح طائر النورس وسطوة الشراع، ونخوة النبلاء وحلم الغائص في أحشاء البحر لأجل دُرٍ وسرور ولأجل قرة عين وحبور..
والأشياء لا تنسكب من أنامل التاريخ، لا تحتطب في الصحراء القاحلة، الأشياء تولد من رحم الزخم المعرفي، وتستولد وجودها من رحيم الأفئدة المعطاءة، وهكذا أنجبت المدينة الفاضلة مجمعاً ومرتعاً وسمعاً ولساناً وبوحاً، صدح وصرح حتى استمالت اليابسة إلى عشب قشيب خضيب خصيب رطيب رهيب مهيب، أسمع الداني والقاصي وقد أذاع الخبر أن في أبوظبي العاصمة الجميلة جواداً ومداداً وعتاداً وعديداً من جند الهوى أسسوا للمعرفة الخيط والمخياط، وأفردوا ما بين السطر والسطر خبراً وحبراً لون وزين ولحن حتى أصبح المكان قارعة فارعة ناجعة تسنح لأن تكون عاصمة الجُمال حبلا سرياً يربط ما بين الأصل والفصل، ويغدق المتلهفين برطب الحياة..
المجمع الثقافي الماضي في تاريخه، يتكون اليوم متجدداً مسدداً خطواته نحو حداثة بوراثة الجذور، متمدداً بأصوله وفروعه في الاتجاهات الواسعة، يقضي نهاره متطلعاً إلى نهل جديد وحبل لا يوثق وثاقه إلا من عشق واتسق، وحملق في فضاءات، وتعلق في سماوات، واستحق بجدارة أن يكون في الريادة والسيادة والفرادة، متطرقاً إلى نجوع وربوع وسطوع النجم ويفوع الكلم.. المجمع الثقافي في محيط قصر الحصن في حضنه وشجنه في قلبه ولبه، في الدائرة الضوئية لأجداد وأحفاد وأسياد منحوا الحياة البريق والجذر العريق، ولونوا بالبياض الخطوة والطريق، ليبقى قصر الحصن شاهداً رائداً سائداً متجدداً في الهديل، متعدداً في الخصال والخلق الأصيل.. المجمع الثقافي، وهو المحروس بعين الحصن المغروس في دفء الحضن، المغموس في أحشاء الزمن، المتطور نسلاً من محسنات البديع الرفيع المنيع، ذلك الحصن الأشم، والمكان الأهم لتاريخ أهل النعم..

شجرة الخلود
المجمع الثقافي، وهو يحصد زمانه ومكانه، يروي قصة الذين نبهوا من فجر التاريخ، ونبغوا في فن الإبداع، فاخترعوا الحياة في قلب الصحراء، واجترحوا من رمالها شجرة الخلود، وشيدوا على أديمها سعادة الطير وفرحة البشر، واستسقوا من الندى عروق العطش، فازهرت وأينعت ويفعت وترامت ورامت الوصول إلى الأفق البعيد، واستدامت في لحظة الترقي في حشمه ونعمه وحكمه..
المجمع الثقافي يحرج القصر فيشعه، نظرة فابتسامة فلقاء مع تفاصيل التاريخ ومفردات الكلمة المباحة، وجملة الشعر النبطي وفصيح المعلقات وجزيل ما جادت به قريحة المنحدرين من مناهيل التراب الذهبي والبقعة المباركة أفذاذ المكان، وجياده الجامحة باتجاه المستقبل، والغد الشَّروق.. المجمع الثقافي، كم اغتسل في الحبر، وكم توضأ بالكلمة ليقيم في محاريب الوجود مكبراً الله يا وطن، لقد عنيت واعتنيت، فغنمت، فنمت قرير العين هانئاً تحرسك القلوب وتحيطك الكلمات بأخلص الأماني، وتمتلئ ربوعك وعيونك بالعِذاب وأسباب الخلود، ونافلتك يا وطن حصن يقرع للتاريخ أجراساً مذكراً، والذكرى تنفع المحبين، مستذكراً وللذاكرة فروضاً ونوافل، والقوافل تمضي باتجاه المزيد بما يفيد ولا يحيد عن جديد، يرصع بالجزال، وفضيلة النوايا، وفضل أصحاب المزايا والسجايا الأصيلة..
المجمع الثقافي ينتظر ثوب عيده الجديد وفصيح البوح السديد ينتظر كما يختصر خيوط الزمان، لزمن مبهر ومزهر ومزدهر بفخر وقَدرْ..
المجمع الثقافي، عند القوة الخارقة عند الحصن الحصين يمتع الناظرين، ويمضي لاستقرار حروف المرحلة المقبلة، والأيام المبجلة، والخطوات المسترسلة في التطلع نحو غايات ورايات، وساريات تفضي لأفق يتألق بأحلامه وردية اللون، جورية الرائحة.. المجمع الثقافي قلد المكان وسام التفوق والتشوق والتحديق، والتحليق مجنحاً راجحاً ناجحاً في خلق التداخل والتواصل، ما بين القلب والدرب، وما بين العقل والنقل، متمكناً من علاقة جذرية لازمت مشاعر الذين رصعوا نسيج الحصن، بخرز البهاء والاستواء إلى جبال المعرفة.. المجمع الثقافي روض الكلمة فاسترضاها، موطناً وزمناً فارضعته وجوداً حالماً بالخلود أنشودة ترعرعت وتفرعت واتسعت، وأحاطت الدنيا بعذب النغم، وعزوبة الكلم، مشتقاً من فوح الحصن عطر الانتماء وقِطر الرسوخ، مستبسلاً لأجل حلم لا يكدر وكلم لا يقتر، وجملة فعلية مرفوعة الفعل، مشفوعة بفاعل لا يكل ولا يمل من عطاء جواد، يجود بإجادة، وسائد يسود بعدل السيادة، وقائد يقود بنبل القيادة، يبث الحلم، وينث العلم، ويحث على طرق الشعاب والهضاب، لأجل نهار لا تخبو شمسه، وليل لا تطفأ أنجمه، وزمن لا تتوارى فيه الأضواء، ولا تختبئ فيه الكلمة السواء..
المجمع الثقافي يقارع الطريق المتدحرج عند تلة الضجيج بنبع الأريج، ويهمس للماشين أن التاريخ بدأ من هنا، من موقع الحصن، من أول خطوة حفرت في التراب، وأول شهقة غسلت السماء برائحة الأنفاس الزكية، وأول نظرة انطلقت ناحية البحر، وأول فكرة انبثقت عن نبوغ وبلوغ، وأول كلمة نطقت باسم الوطن عاصمة، لكون الناس محوراً لاشتياقاتهم، وناصية لبوحهم، وقارعة لاستراحة أجسادهم، ونغمة نسيم لاتساع صدورهم.. المجمع الثقافي يهمس للطريق، للمترجلين للمتسائلين عند البدء، وكيف اعتلت النخلة شاهق الفضاء، أن لهذا الحصن حكاية مع البداية، وأن لهذا الحصن رواية بلا نهاية، وأن لهذا الحصن ثيمة ليس كجميع الثيمات، لأنه من شيمة وقيمة، وقامة واستقامة، ولغة بالغة النضوج، وجملة ضالعة في الولوج، فأقيم التاريخ وأحلام الجغرافيا، وما داهم العقل ساعة التأمل في المشهد، عندما كان المشهد يستوجب التفحص والتمحص، والخروج عن مألوف الفكرة، ومقايضة الحلم بالفهم، وتشذيب الشجرة بأنامل أرق من ورق اللوز، وأعذب من الماء السلسبيل..
المجمع يهمس في الآذان، ويحكي حكايته عن البداية، ويقص قصة المعجزة الناجزة، وعن قلوب كانت متحفزة ترنو بشغف العشاق، وتصبو صبوة العاشق المشتاق لرمق يملأ القلب والعين، وشفق يلون الأحداق بالأشواق، وتستمر القافلة ترتل خطواتها نحو الجميل والأصيل، متأملة مشهدها بأمل، متزملة بالأمان والأمن، متقصة حداثتها بدقة ورقة، لغدٍ جسور جدير بالتصفيق والتحديق.. المجمع الثقافي يقول بكل لباقة لقصر لحصن شكراً على هذا الحب، شكراً رفيق الدرب، شكراً من القلب، ومسك الختام تاريخ، يقبل التاريخ ويمضي، وزمن يلقي التحية على زمن ثم يستريح راضياً مرضياً، بنفس مطمئنة، وعقل صافٍ ، وروح ملح بقائها الذاكرة..