الملحق الثقافي

الصعود إلى أقصى الآبار

ذياب شاهين

يا صحراءُ...
أنا نبعٌ يدقّ الليلَ
على سماءِ بابك ِ
في العاصفة ِ

ألا افتحي عن مجرى
ألا انفرجي عن بئرٍ
ألا قومي في الغيم
ألا قومي عني
ألا اندمي.
الصرخة أعلاه التي تأتي ضمن نص غير معرّف الثريا (...) تمثل انطولوجيا الوجود عند الشاعر الإماراتي الراحل أحمد راشد ثاني، هذه الصرخة المدوية التي يطلقها الشاعر بوجه الصحراء..هي صرخة حياة .. وصرخة وجود، هي حقيقة حلم وأغنية وجد يرددها الشاعر بكل عفوية وصدق كي يبذر الحب ويطلق الضواع من الأريج لدحر جحافل المحل واليباب المتوحشة، هو يطاردها بريّا الماء الدافق (أنا نبع) كي تغادر سباتها الأصفر وصفيرها المعتم، الشاعر ببساطة نادرة يهدد الصحراء (الموت) بالماء (الحياة)، مطالبا إياها أن تفتح لمائه المتدفق مجرى عظيما أو على الأقل بئرا عميقا لاحتواء كل هذا الماء، إن ماء الشاعر العذب السلسال، هو بدءُ خصبٍ، ضوعُ كلماتٍ، بريقُ حروفٍ، ورنينُ مقاطع وانبعاث أبجدية متماوتة، إنها دعوة للصحراء لارتشاف نرجسيتها من شبق الغيم والقيام عنه بعيدا وإلا فالندم بعد حين فعل متهالك سيبقى معلقا بين الأرض والسماء تلوكه الأماني وتلتهمه عصافير الريح، ولكن أنى للصحراء وأدلائها أن يرشدوا حيث يريد الشاعر وهل هنالك من سيفطن إليه:
غرقى يجلسون أمام لقيتي
يفتحون دسائس البذور
والأعمار
محملين بغلّة الأعماق
تلك التي
لم يذقها أحد قط
على مهل
الشاعر غواص مفتون بعالمه السحري ولقاه الثمينة.. هذه اللقى التي يغرق في تأويل طلاسمها المؤولون، ويحتار في حل ألغازها المفسرون، فهم يزيلون عنها التراب أولا، ثم يعاينوها، وأخيرا يستنجدون بما كانوا قد تعلموه، حيث يعودون إلى الأعماق، وإلى الماضي السحيق الذي لم يعشه أحد من الأحياء، إلا أنهم يتيهون في عالم الشاعر، ولن تسلّم لقاه إليهم أسرارها، فعالمهم غير عالم الشاعر، هم أبناء الماضي وهو ابن الآن الراهن، وبالرغم من أن عالمهم وافر الغلال والعطايا وثراؤه مدهش لكنه يقف عاجزا أمام مرآة الشاعر التي لا تعكس إلا ما يراه فقط:
أبحث في حلك الإعراب
عن مرآة رمادي
عن نبعي القصي
إذن فالشاعر له أسطورته، إنه طائر الفينيق الذي يقوم من رماده ليتأجج نارا أخرى وينبعث من الموت لحياة جديدة وحلما آخر ونبعا قصيا..ولكن من أين للشاعر (بوصفه نبعا) كل هذا الماء؟!:
فما أنا ـ
كما أدعي ـ
إلا تناسلُ آبار غفيرة
على سطح البحر...
الماء حطب الحياة، والشاعر حطاب كلمات، هو ليس نبيا، والكثير من الذي يريد قوله لم يأت بعد، إذ إن شياطينه لم تذق عراجين كلماته المورقة في بئر فمه:
لأنني لست نبيا ولا مقتفي بذرة ولا قبرا متاحا
كما لم تشقّ صدر أيامي ملائكة
وشياطيني لم تذق
بئر فمي بعد
يتكرر ملفوظ “البئر” وكذلك الآبار كثيرا في نصوص الشاعر، إلا أنه يختلف باختلاف السياق مدلولا وثراء ومعنى، أي أن الملفوظ (البئر هنا) تداوليا مرتبط بسياق القول ومكوناته الصغرى أي الجملة ولا يعبر عن حقيقة واحدة لكل المقابلات، أي أنها تمثل نمطا لامتلاكها مقابلات متعددة ، وبالتالي سيكون للملفوظ على مستوى التداول وظائف متغايرة بوصفه مقابلا مختلفا في السياقات المختلفة، وهذا يحثنا لمعرفة الأثر الذي يتركه ملفوظ البئر أو الآبار في الجمل المختلفة الذي تنطوي عليها نصوص الشاعر وبالتالي سيحتاز الملفوظ قيمته وثراؤه جراء الأثر الذي سيتركه عند المتلقي، والذي سيعزز بدوره من قيمة النص موضوع المقاربة حيث نقرأ:
أول مرة
فرطت بطفولتي
قرب بئر
تقبل متناثرة علي
فيما يليني من أيام
وكأني لن أقبض
بعد النطفة
على أحد
ولن أنطوي
ـ بعد الرحم ـ
على كون
البئر الأول يعني الرحم..والرحم هو العالم الآمن والمكان الأثير والكون الأصغر، إنه مياه الآبسو وعالم الغمر، هو عالم ينطوي على ثنائية الـ (مكان- زمان)، والزمن هنا هو الزمن البدئي المرتبط ببواكير الوعي الأولى (الطفولة) واضطراب الأنا وعدم اكتمالها، إنها تشير إلى عالم التشظي وعدم امتلاك الذات الإنسانية لأناها، هي كما يقول الشاعر (ذات الهرولة) وذات الطريق بل وذات المصير، ولكن ما معنى أن يكون الطريق غير سالك وغير معلـّم (بدون علامات)، لا يقودك سوى إلى متاهة، إنه طريق غير حافل بالآبار:
ولا يرون
صدفة
ما أجيء به
مما جعلني
على الطرق
حافلا
بالآبار،
وعلى البحار
غيورا
في الملحمة العراقية الخالدة (ملحمة جلجامش).. كان جلجامش في رحلته إلى غابة الأرز يحفر بئرا بعد كل مسافة يقطعها، إذ إن طريقه كان غير سالك من قبل وغير حافل بالآبار، وعملية حفر البئر أسطوريا هي عملية مزدوجة فهي تتوسل التقرب من الآله “شمش”، وهي أيضا عملية تضارع طقسا جنسيا مقدسا..وكذلك فهي أيضا عملية تأشير للطريق وعملية تطويب ومباركة له، إن الاغتسال من هذا البئر هي عملية مشابهة لممارسة الجنس، والتي هي في ذلك الزمن عملية مقدسة يباركها الإله “أوتو”، وقد يرى التلقي هنا أن غابة الأرز المتوحشة هي صنو لجزيرة البيت، وللصحراء عند الشاعر راشد ثاني:
دخل إلى جزيرة البيت
وصار طقسا
كل السحب إلى آباره تؤوب
أي أن جزيرة البيت هذه تمثل مكانا ليس آمنا بالمرة للشاعر، لذا فهو الطقس الملبد بالسحب والأنواء، هو البئر العظيم المتكون من التقاء الآبار الذي سيعيد للجزيرة وداعتها التي افتقدتها.
البئر يمثل المعادل المعاكس للبرج..والبرج وسيلة الإنسان للاتصال بالمتعالي إنه الذكورة بكل ما تعنيه من رموز وطلاسم، البئر يمثل أيضا وسيلة يتوسلها الإنسان للاتصال بعالم الأمومة والرحم والحنان، الشاعر يبقى معلقا بين عالمين، عالم السماء وعالم الأرض، لكنه دائما يحن إلى عالمه الأثير والذي غادره منذ زمن بعيد إنه عالم الأمومة الحالم، ولا طريق للرجوع سوى النكوص إلى أعلى:
الهواء يمطر
يمطر بي
وأنا عائد
المطر يعبر
والبئر
تتفتح البئر
تقف على قدميها السعيدتين
تعانق السماء النزقة
تلتهم فهم الغيوم
وترجع إلى الأرض
إذن فالآبار سترتفع عاليا لالتهام ماء الغيوم والرجوع إلى الأرض، فهي تمثل رغبة عارمة في لا وعي الشاعر تقوده دون أن يدري إلى فخاخها، حيث تصطاده الآبار من جديد..ليعود نبعا فهو الابن البار لهذه الآبار وسيبقى كذلك:
أأجلس على نار الدم الهاربة
وأنضج كظلك؟
أأجلس كظلك
في صحراء مراياي
أحفر آبار العذوبة
بأوهامي الشبقة؟
إن هذه الآبار (آبار العذوبة) ترافق الشاعر في خصوصياته وفي تفاصيل حياته، ولا غرو أن حفر الآبار يستدعي رغبة كامنة في المكان القصي (في طفولة الشاعر) حيث تمتزج الرغبة بالأوهام ويفترقان في كل حين، الآبار هي قدر الشاعر، فأنى يلتفت يجدها، فهي في مخيلته وفي أحلامه وفي تأملاته، هي قوقعته، تحمي جسده وتلتهم روحه بعد الموت (الليل):
يدخل الليل
إلى غرفنا في الخرافة
إلى بساتين أعضائنا
حيث تكمن لأرواحنا الآبار
المياه (الحياة) تكمن ما بين الأبراج والآبار، والشاعر هو من يحتطبها في الفسحة الزمكانية ما بين البرج والبئر، لذا لا نستغرب عندما يقضي الشاعر سنوات طوال باحثا عن عشبته (ماء الروح) هناك في الأعالي وهو مدجج بالمياه العميقة، إن حديث الشاعر(كلماته وشعره) يستزيد طزاجة من هذه الآبار، إذ إن حديثه كما يخبرنا لاحقا عن الآبار يشرب، لذا فلا صدى يرافقه عندما يبحث عن ماء الروح في قمم الجبال:
عن ماء الروح في رؤوس الجبال
وكان العشب يملأ خطواتي وكان البحر لي
حديثي عن الأشجار والنساء
تنتابه الرقة
حديثي عن الآبار يشرب
إن الشاعر في الأعلى غريق، صومعته هناك في القبة، نوافذه مشرعة، مستغرقا في آباره ونوافذه تتسرب من يديه سراعا بعيدا عنه ولا يدري إلى أين:
كانت المائدة لتفاحة البحر
والرسل لأرجاء القوارب
أما النوافذ
فللاستغراق
في الآبار
ذات الشاعر بئر أخرى ينطوي على رموز ودوائر وطلاسم، إن الذات تتأمل والشاعر يبصر وانعكاس الرؤيا على سطح الماء متعة مدهشة يتوسلها الشاعر لهتك هذه الدوائر واستباحة بكاراتها:
وأقف بالعتبة
أهتك لأول مرة
بكارة الدوائر
أغرف من بئر يسقط في ذاتي
هو إذن معلق في جحيمه الأبدي ولا ذنوب كافية لاسترداده منها!!، فجحيم الشاعر حسناته، والغرابة التي يقودنا إليها الشاعر هي لا تضاريس في عالمه العلوي ذاك فالقمم والآبار تتشارك المكان، وعالمه عالم سحري، عالم دون جغرافية محددة يشابه العوالم الحلمية في شواطئ اللايقظة:
لم أجد ذنوبا كافية
لاستردادك من الجحيم
ولا أحذية تليق بعمرك
من يومها
وأنا خارق في الجبال
أتدحرج من بئر إلى بئر
مكشوفا للعراء السفلي
‏في نص (هنالك أيضا) للشاعر أحمد راشد ثاني تكون الكتابة عملية صعبة تتشاكل مع الولادة من حيث الطلق وآلام المخاض، إذ تنبجس الكتابة عن قصيدة قاهرة ومتفجرة مثل نبع أحمر:
ورائي أرض
هي حبل سري
لمنفى ضائع
أتبعه على دخان
وتلك القصيدة
القصيدة القاهرة
تنفجر نبعا أحمر
تحت أجفاني المغروزة في لبن الظهيرة
إن الكتابة (كتابة القصيدة) ليست سهلة بالمرة.. كما أن القبض على القصيدة يستوجب رحلة غير عادية في دروب وأصقاع نائية.. الكتابة منفى الشاعر.. وهذا المنفى يرتبط به الشاعر من خلال حبل سري بين ما كان وما سيكون.. إن عالم الشاعر يمثل رحما للقصيدة تنمو فيه وتكتمل.. ودليل الشاعر إليها أنوار ضبابية ودخان.. وعندما تحين لحظة الولادة.. تكون إحساسات الشاعر مشابهة لتلك الإحساسات التي تثيرها لحظات الطلق والمخاض. لذا يرى الشاعر قصيدته طفلا مخضبا بالدماء، ويجد نفسه في حالة غير عادية، حالة انتماء كلي لهذا الوليد (القصيدة).. وكأنها الهدية المثيرة التي تحمل عناء الحصول عليها.. إن القصيدة تمثل رؤى الشاعر القاهرة المتفجرة من تحت أجفانه مثل نبع احمر وهو يتأمل ويحلم أحلام يقظته في ظهيرة متوهجة..
إذن فمرجعية اللون الأحمر عند الشاعر راشد ثاني ترتبط بالدم.ولكن ليس الدم الذي يشير للعنف والموت.. بل على العكس يشير إلى حالة الحياة والبقاء التي تنبجس بصورة عنيفة وباهرة – إنها مرجعية طبيعية في اجتلاب المعنى وبناء النص الشعري.

هامش:
اختيرت القصائد من دواوين الشاعر: “حافة الغرف” عن مؤسسة الانتشار العربي، بيروت 1996، و”حيث الكل” عن دار رؤى، بيروت 1995، و”جلوس الصباح على البحر” عن منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات 2003.
* قصائد غير منشورة للشاعر الراحل أحمد راشد ثاني على الصفحة 19