الملحق الثقافي

عن الظاهرة عندما تصبح منهجاً

في الحلقة الأولى من ورقة الدكتور عبد القوي العفيري، تناول السمات المشتركة بين الحركتين الشعريتين في كل من الإمارات العربية المتحدة واليمن، لجهة الاعلام والقضايا، مبيناً ميله إلى عدم الأخذ بمسألة التقسيم الزمني في مقاربة الظاهرة الشعرية خصوصاً والأدبية عموماً، وهو في هذه الحلقة يواصل مناقشة المشهد الشعري في الإمارات واليمن، وينتقل عبره إلى المشهد الروائي والقصص.

تزخر الإمارات بشعراء كثر، أذكر منهم العويس، وخلفان مصبح، وصقر القاسمي، والعتيبة، وعارف الخاجة، وسالم بوجمهور، والمزروعي، والصايغ، ونجوم الغانم، وظبية خميس، وصالحة غابش، وميسون صقر القاسمي، وهالة معتوق، والهنوف محمد.
إن الوقوف على النصوص الشعرية الإماراتية واليمنية لمعرفة الظواهر الموضوعية والفنية فيها، يحتاج إلى مساحة واسعة من الوقت والقراءة، فما سأقف عليه هو التلبث عند بعض النصوص التي مثلت قضية مشتركة بين الشعراء، خصوصاً تلك النصوص التي تناولت قضية المرأة. قراءتي لتلك النصوص ستكون وفق منهج يتسق ومقام المحاضرة، لا الذي يتبع في الأبحاث المكتوبة التي تقدم للنشر.
ففي اليمن نجد من بين شعرائها من طرح قضية المرأة بقوة، وفي ظروف كان الحديث عنها مخاطرة، وضرباً من المغامرة، وهو الشاعر محمد الشرفي، حين قدم أعمالاً تناول فيها المرأة اليمنية هماً وقضية، وأعماله في هذا الموضوع تكاد تزيد على عشرين ديواناً، منها (الحب دموع الحب ثورة، دموه الشراشف، صاحبتي وأناشيد الرياح، من أجلها، منها وإليها، من مملكة الإماء، ولها أغني، وهكذا أحبها)، تلك الأعمال نشرت في الثمانينيات من القرن الماضي، وفي فترة كان الحديث عن المرأة من الأشياء المحرمة، لأن الحديث عنها في عرف المجتمع دعوة إلى الفساد الأخلاقي.
فقد أحدثت تلك الأعمال ضجة في المجتمع اليمني، أدخلت الشاعر في صراع مع الكثير من فئات المجتمع، كان نتيجته عزل الشاعر من وظيفته، ووصل الأمر إلى أن جاء البعض ليقدم مقترحاً على الدولة أن تقطع يده ورجله أو يرمى من شاهق أو ينفى من فوق الأرض.
ولم يقتصر صراعه مع ما ذكر فحسب، بل امتد إلى الساحة الثقافية والنقدية، ليتحول الصراع فيها إلى سجال ينال من الشاعر، لا الشعر، فهناك من النقاد من قال عنه إنه نزار اليمن، وآخر يقول إنه أراد أن يتنيزر فاصطدم بالمجتمع المحافظ، وآخر قال إنه يبحث عن الضجة أكثر من بحثه عن الفن، وآخر يقول إن موضوع المرأة لم يكن له أهمية.
لذلك يعد الشاعر محمد الشرفي أول شاعر يطرح قضية المرأة في اليمن بجرأة ووضوح.
ولكن السؤال هل حقق الشعراء الذين اهتموا بتلك القضية نجاحاً في تغيير المجتمع لمراجعة ثقافته المشوهة تجاه المرأة؟
لماذا لم تظهر المرأة الشاعرة إلا في وقت متأخر؟
ربما أن ثقافة المجتمعات تجاه المرأة متشابهة، فلم تختلف حال المرأة اليمنية عن المرأة في بقية الأقطار الأخرى في الفترات السابقة، لأن ثقافة التهميش باتت من الأمور التي اتفقت المجتمعات على الالتزام بها، فما قام به الشعراء أمثال محمد الشرفي، لا شك أنه مهد السبيل لظهور صوت المرأة الشاعرة فيما بعد، لتضعنا أمام قضيتها أمثال (هدى أبلان، ونبيلة الزبير، وليلى إلهان، وسماح الشغدري، وابتسام المتوكل، ونادية مرعي... الخ).
اللافت في الشعر المعني بقضية المرأة، أن هناك تفاوتاً بين ما تكتبه الشاعرة هي كصاحبة قضية وما يكتبه قرينها الشاعر (أي ما كتب عنها).
فالحاصل من قراءة التجارب أن الشاعر وإن كان يحمل قضية المرأة ويتبناها فهو يعرف بقضيتها دون أن ينفذ إلى العمق الذي نلحظه في تجربة الشاعرة ذاتها صاحبة القضية، فلا يعني أن محمد الشرفي في قوله:
النساء الإماء
والوطن المقهور لا ينجبان غير العبيد
ماذا أصاب الوطن الجميل
من وباء
حين تحولت نساؤه إلى إماء
هو عين ليس ما نجده عند الشاعرة التي تضع القارئ على جرحها، كقول الشاعرة ليلى إلهان:
ولدت الأنثى بنتاً
وللتو اغتسلت بتراب القبيلة
وضاق الفرح
واختلست البنت
ملاذاً لها من الماء والعطر
كي تدفن جسدها
في حضرة السؤال
لتقول: لماذا ولدت بنتاً
هذا الصوت الراصد لعواقب البدء الحياتي بفعل ما استقر في الثقافة المجتمعية هو ما أدركته الشاعرة ابتسام المتوكل كقولها:
اللحظة ليست إلا امرأة ثكلى
سلبوا منها كل المستقبل
وأنا في جدب اللحظة أبحر
لا غيمي فيها مطر
لا طيف الأمس معي
لا طفل غدي أقبل
في غير أوان أدخر التذكار
خابت كل ظنوني
لا الآتي جاء
وضاعت كل اللحظات هباء
غامت أضواء اللحظة في ظلام ثرثار
واحترق الماضي
الحاضر
لم يبق من زمن إلا شبح دام
ذاك الشيء المتبقي النازف
من قلب الأسودْ كان
هذا الهم الأنثوي قد نجده في شعر الإمارات، ولكن بأسلوب مختلف، فإذا كانت الشاعرة اليمنية تستسلم لقدرها، كونها ولدت أنثى، فإن الشاعرة الإماراتية تحاول أن تقدم تعليلاً لقضيتها وهو ما ندركه في قول الشاعرة ميسون صقر:
أدركنا عفن الصمت
لكنهم وضعوا في حلوقنا ماء نار مذ كنا صغارا
ووسمونا وسماً محروقاً بالآهة والرعب
غطوا الوجوه بالبراقع وقالوا خاطئات
تمرغن في الرفض والكلمات المخنوقة
بسوط الخوف
فحملن الخطيئة
هذا البوح يحيلنا إلى حالة إرهاص بالتمرد كونها تعي قضيتها، كما أنه يمثل شكوى باعتبار الآخر المدان لم يستوعب قضيتها، ونتيجة الإحساس بالفجوة القئنة بينها والآخر، أضحى البحث عن منافذ الخلاص من الأمور المتوقعة وهو ما نلحظه في قول الشاعرة هالة حميد معتوق:
راحلات سنرحل صوب الشمال إلى سفح نجم هوى ونعلقه في لهاث الثريا
سنرحل في الشوك والقلق الأنثوي إلى ما تبارك من دمنا الطفل، فوقق السيوف
سنرحل صوب الشمال ونحفر ساقية الارتعاش لنبني لأسرانا القدسية هيكل قافية أترعت بالبروق
هذا الرحيل وإن كان يوحي بالتوق إلى عالم بديل، جاء من خزين المخيلة، يحمل في حناياه صرخة ضد الواقع الاجتماعي، تلك الصرخة تذكرنا بالعالم البديل الذي اتخذه الشاعر الشنفري مع الأخذ بالفارق النفسي والسلوكي والاجتماعي.
فيما يبدو رحيل الشاعرة الهنوف محمد مختلفاً إلى حد ما مع القضايا المشار إليها كون رحيلها مغلفاً بأسئلة وجودية وروح صوفية.
فلو تأملنا مجموعتها الشعرية التي استلت عنونتها من فضاء مفتوح (سماوات) ربما نصل إلى نتيجة، إن الشاعرة تضع قارئها أمام المرارة الإنسانية عامة، لنقرأ رحيلها في هذا المقطع:
أرحل عن الجسد والوطن والروح
إلى الخيالات الصاخبة
إلى التخوم المعاكسة
إلى الخطوة والزفير
آه من الإنسان الأول
من التراب والمصطلح
فرحيل الشاعرة (الهنوف) نجده يقترب من رحيل الروح المتصوفة الباحثة عن الحقيقة الغائبة وهو ما أكدته بقولها:
دائماً تتلاحق الحقائق أمامي
حقيقة الكون
حقيقة الروح
ليتني أرتشف دخان الآخر
ليتني أتعرى تماماً
أمام الأنا
ثم تقول:
اللحظة مليئة بالأوجاع
وتمردي ملأ البحر باروداً وإسمنتاً
المداد المر يسحقني كرغيف مهشم
أن لي نفساً تشبه الفضاء

الفلسفة الشعرية
وإذا نظرنا إلى تجارب شعرية أخرى لشعراء إماراتيين تتسم تجاربهم بقضايا يغلب عليها طابع الفلسفة الشعرية، فسنقترب من تجربة الشاعر حبيب الصايغ، فتجاربه برمتها لم تخل من القضايا الإنسانية والاجتماعية، إلا أن خصوصية الصياغة ولغة الخيال تصدم القارئ العادي حين يجد ذاته تائهاً بين فضاءاتها الدلالية المفتوحة التي لا تكتفي بتفسير واحد، وهذه حال الشعراء الذين يبحثون عن طرائق تعبيرية قادرة على أن تنهض بحمل آرائهم وجديد إبداعهم فينأون عن الوظيفة التقديرية.
نصوص حبيب الصايغ ومثلها القصائد التي اتسمت بفلسفة الفكرة وفق لغة شعرية تتجاوز التعبير المألوف، تحتاج إلى قراءة جادة لما فيها من ثراء في المبنى والمعنى، ومقام تلك القراءة ليس هنا، بل في البحث المكتوب لا المسموع.
لذا سأكتفي باقتناص بعض الظواهر الأسلوبية التي يمكن رصدها في تجربته وأهمها (العنونة) فمن يقف عند قصيدته التي حملت عنوان “مياه الصداقة” يجد أنها توزعت بين ثلاث نجوم، كل نجمة تحتوي على مفاصل معنونة، وكأن القارئ أمام مجموعة شعرية مستقلة لا من حيث التقنيات الشكلية فحسب، بل من حيث ثراء المعنى وتشعباته، ففي تلك القصيدة من المعاني ما يفوق الدواوين المطولة التي تناولت الصداقة.
وثمة ظاهرة أخرى يمكن أن نطلق عليها تقنية توازي المعنى والتراكيب لنقرأ ما ورد في النجمة الأولى حين يقول:
نجمة
تتناسل في ضوء عتمتها
أو تحاول
لكنها الآن تبهت
حتى تكاد تموت
وتومض ثانية
لتصارع أقدارها
نجمة العنكبوت
تتناسل مثل السلالة حيناً
وتنسل مثل الشعاع
ثم تذهب في دربها
غير عابئة
وهي ترعى خراف الضياع
هذا المقطع يتأسس على نجمتين، الأولى وردت بصيغة التنكير، والثانية وردت في سياق التعريف نجمة العنكبوت.
تلتقي في بعض الإيحاءات وتختلف في البعض الآخر.
إيحاءات الالتقاء تكمن في صفة الخصب والعطاء المستوحاة من صيغة المضارع (تتناسل) وها ما أوحت به محاور القصيدة التي لحقتها هذا إذا أخذنا بإيحاءات التناسل الإبداعي، أما لو أخذنا بالتمثلات المرئية فسيكون تناسلاً طبيعياً يخضع لمخيلة الشاعر.
والأهم من ذلك أن هناك مساواة في البناء التركيبي، إذ جاءت الألفاظ التي تنتظم نجمة الافتتاح بسبع عشرة مفردة، وهو العدد ذاته لنجمة العنكبوت، هذا التوازي اللغوي في بنية النص لا يعني أنها تمثل وجهاً واحداً، بل إنها تمثل درامية إبداعية، فهي وإن التقت بناء فإنها تختلف دلالياً، فلكل نجمة عالمها المستقل في وجدان الشاعر.
وربما تأخذنا التناسلات الدلالية نحو رؤية أخرى لنقول إن النجمة الثانية جاءت في سياق التشبيه المموه للنجمة الأولى، وربما نذهب بعيداً لنقول إنها تدور في فلك المقارنة بين العام والخاص وفق رؤية تأمل عمودية.
نصوص حبيب الصايغ تعيد إلى الذهن مقولة ملارميه “الشعر لا يكتب بالأفكار بل بالكلمات مأخذ الجد”.
في صياغة العنونة نلحظ أن العنوان لم يعد ذلك المفهوم المتناقل حين يكون دالاً على النص ومفتاحاً له، بل تحول في تجربة الشاعر إلى بنية أساسية يرتهن النص بحضورها وهو ما تدل عليه النجمة الثالثة التي جاءت بهذا العنوان:
السؤال
عندما يتناثر حول مياه الصداقة
يبدو كئيباً
ويجمع أجزاءه
ويبعثرها من جديد
واقفاً يتلفت
كيف تقاسمني الساحرون

***
أينّا الأصل
كيف التقينا معاً عند سطر الغياب
ليس بوسعنا في هذا المقطع أن نقرأ النص بمعزل عن العنوان، فهو وإن تربع فوق مفردات البناء شكلاً فهو ملتحم ببقية المفردات، أي لا يمكن حذفه.
هناك تجارب شعرية في اليمن، لا تختلف من حيث غموضها وغرائبيتها عن تجربة الصايغ ومن شعراء هذا اللون (المقالح وشوقي شفيق وأحمد العواضي ومحمد عبدالسلام منصور... الخ).
لنقرأ ما قاله المقالح:
جسدي زنزانة أفكاري
ضيعني جلدي
قتلتني الرغبة في قتل الألوان
يا صوت الأرض
يا واحة أحلام الشمس
وراية أحلام الفقراء
يا نافذة الشوق إلى عبلة
صوتك قافلة سمراء الروح
وطوق نجاة
وجهك جسر الآتين إلى مدن الإنسان - الحب
وعد المنذورين على الدرب
موال في نهر التاريخ
فهذا المقطع فيه مجال واسع للتأويل، مثله مثل القصائد المفعمة بالرموز، كما هو في شعر الصايغ.

المشهد الروائي
وحين ننظر في المشهد الروائي في اليمن والإمارات، فيبدو الأمر مختلفاً من الناحية التاريخية لفترة التأسيس، إذ يرجع تاريخ أول رواية يمنية إلى عام 1939، حين نشرت رواية “سعيد” لكاتبها محمد علي لقمان، فيما تظهر بعض الدراسات التي تناولت الرواية الإماراتية أن أول رواية ظهرت في الإمارات تعود إلى عام 1976، حين نشرت رواية “شاهندة” لكاتبها راشد عبدالله، أي أن الرواية في الإمارات جاءت متأخرة عن اليمن بثلاثة عقود.
وعلى الرغم من تعدد كتابها في الإمارات أمثال (علي أبو الريش وعلي محمد راشد ومحمد حسن الحربي وسلطان القاسمي ومنصور عبدالرحمن وسواهم، وكذلك علي محمد لقمان وعلي أحمد باكثير ومحمد عبدالولي ومحمد مثنى وزيد مطيع دماج ورمزية الإرياني ووجدي الأهدل ومحمد الغربي عمران وسواهم من الروائيين اليمنيين الذين أثروا هذا المشهد.
تبقى مسألة البداية مثيرة للباحثين، فهناك من الباحثين من انشغل بمسألة الريادة فنظر البعض أن تلك البدايات بأنها لا تمثل ريادة كونها تفتقد الشروط الفنية التي تتطلبها الصياغة، حتى قيل أن الفضل للاحق المبدع لا السابق المتعثر، وفي رأيي أن هذا الرأي فيه قسوة لأن فيه مصادرة للجهود السباقة التي وضعت بذور هذا الفن.
هناك دراسة بعنوان “الرواية والقصة القصيرة في الإمارات النشأة والتطور” للباحث ثابت ملكاوي، عرضت في مجلة “الرافد” بقلم بلال كمال عبدالفتاح. تلك الدراسة لا شك في أنها ستمهد الطريق للباحثين في ميدان الرواية، لأنها تعرف بالرواية الإماراتية نشأة وتطوراً، إلا أن الملاحظ فيها أنها لم تلتزم التاريخ الزمني الذي حدد بداية الرواية بعام 1976، ويتضح من الإطار الزمني الذي امتد إلى ما قبل ذلك التاريخ بستة أعوام أو حين درس الرواية من عام 1970 ـ 1989 حسب ما أورده بلال عبدالفتاح في عرضه لتلك الدراسة، مما يثير شكوكاً حول تلك البداية.
ما أشارت له تلك الدراسة أن رواية “دائماً يحدث في الليل” لكاتبها محمد غباش تعد أول رواية فنية تظهر في الإمارات.
من تلك الإشارات يمكن النظر إلى مسألة الريادة من جانبين، الريادة التاريخية والريادة الفنية.
ومهما تعددت أسماء الكتاب تبقى هناك قضية أخرى يمكن أن نضمنها في هذا التساؤل، هل ما ينشر اليوم من روايات يعني أنها امتلكت مقوماتها الفنية؟

التسلسل الزمني
في رأيي أن المقومات الفنية لا تمثل ظاهرة عامة تجاه كل ما نشر من بعد فترة التأسيس إلى اليوم، ولا يعني أن التسلسل الزمني للنشر أن ما ينشر اليوم هو أفضل مما نشر بالأمس.
صحيح أن هناك أعمالاً روائية وصلت إلى مستوى عالٍ من التطور والنضج وفق حركة زمنية متصاعدة، لكن أن نسقط ذلك المستوى على كل ما ينشر اليوم، فهذا ضرب من التخمين، وهذا ما اتبعته بعض الدراسات التي اتكأت على المنهج التاريخي في دراستها للعمل الروائي وفق حركة الزمن المتصاعد، فتلك التخمينات ناتجة عن قصور في مسح تلك الأعمال وتقييمها، كون الباحث يكتفي بإلحاق قائمة ببلوجرافية من دون تحليلها، ومن باب التمثيل لم نجد في الدراسات التي انشغلت بالرواية وفق إطار زمني أي إشارة إلى أن هناك بعضاً من الأعمال التي تنشر اليوم تعود بنا إلى البدايات أو النشأة من حيث الضعف الفني، وكأننا نكتب بعين المؤرخ الذي قاد ثورة ما، فيبهرج لما بعد الثورة من دون أن يضعنا أمام حقائق تخدم مسار ذلك التحول، حتى يخيل للقارئ أن مقياس التحول الزمني هو أداة التطور لا الكيفية التي يظهر بها العمل الأدبي.
والإشكالية الأخرى تتعلق بالكم الروائي المنشور وكيفيته، فأحياناً قد يتناول الباحث ظاهرة، ويعتمد على رواية بعينها لكاتب ما، من دون أن يمتلك ذلك الروائي رصيداً روائياً، بحيث يكون لديه أكثر من عمل منشور، فتأتي في بعض الأحيان أحكام نقدية مبالغ فيها، فرواية واحدة لكاتب لم يعاود الكتابة لا يعني ظاهرة التطور لفترة معينة، لأن التطور لا يحدث إلا عبر التواصل المستمر مع الكتابة، خصوصاً عند بعض الكتاب الذين يتصيدون إشادات من نقاد مشهورين، ويكتفون بها من دون معاودة الكتابة.
فرواية واحدة لكاتب لم يعاود الكتابة لا تكفي لأنها قد تكون فلتة من فلتات المصادفة، كما أن الكم من دون وعي فني لا يفيد أيضاً.
فحين قسمت الرواية اليمنية حسب ما جاء في بعض الدراسات التي تناولت الرواية اليمنية، إلى مراحل، سميت الأولى التي امتدت من تاريخ ظهور أول رواية يمنية عام 1939 - 1970 بمرحلة النشأة، والمرحلة الثانية التي تمتد من 1970 - 1990 بمرحلة التأثر، فيما المرحلة التي تمتد من 1990 إلى الآن سميت بمرحلة النضج. هذا التصنيف المرحلي للرواية يعني أن ما نشر من بعد 1990 إلى اليوم يعد عملاً ناضجاً.
والأمر مختلف فقد يكون هناك عمل ناضج، وآخر ضعيف وأدرجا معاً في مرحلة النضج، وأنا لست مع الدراسات التي تأتي بأحكام عامة اتكاء على التصنيف الزمني من دون التحليل البيلوجرافي لتصنيفها فنياً.
تلك أهم الإشارات التي التقى عندها بعض الباحثين الذين اهتموا بالمشهد الروائي اليمني والإماراتي.

وقفة وقراءتان
لن نتشعب في مناقشة مثل تلك القضايا العامة حتى لا يغيب الحديث عن النص الروائي اليمني والإماراتي. لنا هنا وقفة لملامسة روايتين، الأولى بعنوان “شارع المحاكم” للقاصة والروائية الإماراتية أسماء الزرعوني، والثانية بعنوان “عقيلات” للقاصة والروائية اليمنية نادية الكوكباني.
الشيء الذي لفت انتباهي في هذين العملين هو أن الروايتين تناولتا قضية رئيسة مدارها المرأة تحديداً مع الإشارة إلى قضايا أخرى وردت في سياق جزئي كقضية الدين والاقتصاد...
وثمة التقاء واختلاف في أسلوب السرد، إذ نجد أن الكاتبتين بهما شيء من سيرة البطلة، ويتمثل ذلك في نقطة البدء في رواية “عقيلات” حين صدرت بهذه البداية (جميعنا متشابهات وإن اختلفت جزئيات خاصة بكل واحدة منا، لذلك قررت أن أكتبنا) هذه الصيغة تضع القارئ أمام صيغة الإهداء التي جاءت في رواية شارع المحاكم (وأنا أعدكِ بأن أرسم ملامح شارع طفولتنا).
تلك الصيغتان اللتان تصدرتا الروايتين تدلنا على أن خط سير الروايتين سيتجه نحو تصوير الواقع الأنثوي، وما رافق ذلك الواقع المتعرج من متناقضات جمعت بين البهجة والحزن بين الذاتي والعام الإنساني، وهو ما أفصح عنه سياق السرد في الروايتين.
كما أن هناك تقنيات أسلوبية بدت مشتركة بينهما، وتتمثل تلك التقنية في الإحالات والاقتباسات كإحالة أسماء الزرعوني لأعمال قصصية ليوسف السباعي ويحيى حقي، فضلاً عن استشهادها بتجربة شعرية وردت على لسلان إحدى الشخصيات الروائية.
وهي التقنية التي جاءت بها رواية “عقيلات”، فثمة استشهادات قصصية وشعرية وظفت في سياق الرواية، تلك التقنية المشتركة منحت الرواية ثراءً دلالياً لأنها وضعت القارئ أمام جملة من القضايا في سطور قليلة.
فيما يكمن الاختلاف بينهما في بناء النص وطريقة السرد، فعنوان الرواية الذي جاءت به رواية أسماء الزرعوني “شارع المحاكم متوالية الحب والوجع” من العناوين المزدوجة، فصيغته تلك تجمع بين النثرية والشعرية النثرية المباشرة بدلالة المعنى الصريح المتسرب من فضاءات المكان باعتباره الفضاء الذي سيلقي بظلاله على شخوص الرواية فيكون أداة كاشفة لملامحها، والنثرية الإيحائية التي نستوحيها من صيغة الإضافة (المحاكم)، وكأن القضية المرتقبة ستكون باتجاه غياب العدالة أو حضورها.
فيما تكمن الشعرية في سباق صيغة العنونة الملحقة (متوالية الحب والوجع) حيث نجد تلك الصيغة موسومة بطابع شعري يصلح لأن يكون عنواناً لمجموعة شعرية.
هذا الازدواج في العنونة يفضي بتطور ملحوظ، فربما تتسع دائرته ليصبح فيما بعد ظاهرة لافتة، تختلف عن الدراسات التي تناولت العنوان كعتبة نصية، لأن الدراسات التي قدمت في هذا الشأن انشغلت بعلاقة العنوان بمضمون النص. أما عنوان كهذا فهو يجمع بين أكثر من نوع، لأن به روح الشعر ومتطلبات المقالة وشعرية النقد، وفيه إيحاء بالمذهب الأدبي الذي ستظهر به الرواية أي أن الظاهرة التي يمكن رصدها (حوار العنوانين وتعالقها النوعي).
إذا أردنا أن نفسر هذا النزوع فربما نجد تسيراً له في تأملنا لصيغة العنوان الرئيسية، إذ يوحي تقديمها على الصيغة الملحقة بأن المكان سيكون عنصراً فعالاً في وسم الشخصيات، وهو ما أفصحت عنه فقرات السرد المحملة بالطابع الرومانسي بدلالة العنوانات الداخلية، ومنها (ليلة الذكريات - بوح العاشقات - أوجاع جديدة - شوق المسافات البعيدة) ومثلها بعض فقرات السرد كهذه الفقرة (ألقى بجثته على الشاطئ وأخذ ينظر إلى البعيد ما بعد البحر، ترى كيف الوصول إلى ذلك المكان، حيث تحلق النوارس) فجاءت الصيغة الملحقة لتقوم بدور وظيفي تفصح عن مؤثرات المكان، زد على ذلك أن هناك فقرات مبثوثة في سياق الرواية تؤكد الإيحاءات التي صرح بها العنوان الملحق.
ولطبيعة الرواية الرومانسية وما يحتاجه الكاتب من أساليب تخدم بنية النص فقد لا نستغرب من استثمار صوت المطرب راشد الماجد ومحمد عبده خصوصاً حين يكون توظيفها في السياق المناسب، وهو ما فعلته أسماء الزرعوني.
تلك التقنية (أي توظيف صوت المطرب) باتت من الأمور الملحوظة، لا في رواية أسماء الزرعوني فحسب، بل هناك أعمال قصصية لكتاب آخرين تضج بها والإسراف في توظيفها لا شك في أنه يسلب العمل الفني جماليته.
التقنية الأخرى تكمن في الوعي الفني في تجسيد العاطفة، ويتمثل ذلك بالعبارات التي اقتنصت من جدران الشوارع، فعلى الرغم من حرفيتها الدالة على ممارسات الشباب الواقعية، والتي تبوح بالعاطفة المنصدمة بالواقع الاجتماعي، فلم تخل من الرمزية الفنية حين توحي بانغلاق المجتمع، كما أن وجودها حين وردت في منتصف الرواية بأسلوب اللمحة العابرة، قد يدفع القارئ إلى التوقع بتبدد ذلك الخيط، بيد أنه لم يغب عن ذهن الكاتبة حين طالعنا في خاتمة الرواية بفعل المصادفة الدرامية التي جمعت بين بطلة النص (سلوى)، وصاحب تلك الخربشات.
وهو وعي طريف ألقى على بطلة النص ظلال الأمل على الرغم من الخاتمة التراجيدية التي أوصلها إلى تقبل الواقع بمأساويته.
وعوداً إلى رواية نادية الكوكباني لنلقي الضوء على الأسلوب الذي اتخذته في صياغة روايتها.
فقد اتكأت على أسلوب الباحث منذ البدء إلى الخاتمة، وهو ما نلحظه في معايشتها للعنوان لنقرأ هذه الفقرة “أكثر ما لفت انتباهي وتأملي هو العنوان الذي اختارته جود لعلمها الذي لم أعرف بعد ما هو، وكان لافتاً في أول صفحة (عقيلات) رابض على عناوين كثيرة.. ما فعلته مباشرة وقبل الدخول في قراءة ما كتبته جود، ولكثرة ما يحيرني عنوانها هو التوجه إلى الكمبوتر للبحث عن هذه الكلمة بعد أن اختلط الأمر عليّ بين العاقلة والعقيلة، فالعاقلة كما تشير أول نتيجة لمحرك البحث (جوجل) هي من تعقل لسانها عن الكلام، أما العقيلة فهي الزوجة الكريمة التي لا تبرح الخدر وتتستر من الرجال.

* باحث وأكاديمي يمني
* قدمت الورقة في ندوة نظمها مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام