الملحق الثقافي

الثقافة في الإمارات.. إلى أين؟

القراءة العلمية والدقيقة لمستقبل الثقافة في الإمارات مسألة شاقة، ولا يجوز الاستهانة بها، فهي تتطلب أدوات من مجالات المعرفة كافة، ومن قراءة لحقول الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهذا شأن الباحثين والدارسين المهتمين، فنحن في هذا العنوان أمام الأقانيم الثلاثة: المستقبل، الثقافة، والإمارات. والتعرف على كل من هذه العناصر يحتاج وحده إلى دراسات، لكننا هنا حيال محاولة لاختزال “القضية” وحصرها ضمن معطيات محددة، ومن وجهات نظر متعددة أهمها ما جاء في كتاب كامل يوسف حسين “مستقبل الثقافة في الإمارات” الصادر ضمن منشورات دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وهو للأسف من الكتب القليلة التي حاولت التصدي لهذه المسألة، والاستناد إلى قراءات وآراء مختلفة.

عن أي مستقبل نتحدث في هذا السؤال؟ عن أي ثقافة؟ وعن أية إمارات؟ بخصوص المستقبل فهو في رأينا ما يرتبط أولا برؤية الحاضر رؤية شاملة ما أمكن، والطموح المستقبلي والسعي نحو الأفضل، ووضع الخطط والآليات للتطور وتجاوز الأخطاء والمشاكل. أما الثقافة فهي هنا تأتي في مفهومها العام الذي ينطوي على عناصر العملية والحياة الثقافية. والإمارات هي هذه الدولة الحديثة التكوين (أربعون عاما) والتي تضم، إلى جانب هويتها الوطنية والقومية، عشرات الثقافات التي يجب البحث في تأثيرها على “مستقبل الثقافة في الإمارات”، وصناعة هذه الثقافة وتسويقها محليا وخارجيا.
يقول المفكر الراحل محمد عابد الجابري بخصوص مستقبل الثقافة الإسلامية واحتياجاتها الأساسية إن “مستقبل الثقافة في كل بلد مرتبط بما يفعله أهلها، الثقافة لا تصنع مصيرها بنفسها بل أهلها هم الذين يصنعون هذا المصير، وهم الذين ينشرونها ويعمقونها ويعممونها، فالأمر متوقف على المسلمين وعلى العرب دولاً وأفراداً ومثقفين. بطبيعة الحال هناك مشاكل على صعيد التعليم، هناك آفاق مغلقة أمام الشباب، ومع ذلك فليس هذا هو نهاية العالم، وأنا شخصياً عندما أتصل في جميع أنحاء العالم مع الشباب ومع الطلاب أرى أن نخبة تتكون أوسع وأعمق من النخب الماضية وهذا يبشر بالخير.

من المستقبل إلى الماضي
المستقبل هو ابن الحاضر، ولا يمكن النظر إليه من دون معرفة الحاضر والماضي أيضا. ولا بد لمن يريد قراءة المستقبل من قراءة شيء ما في الماضي والراهن على الأقل، لذلك نتوقف قليلا عند حاضر الوضع الثقافي، ببعض الإضاءة. فإن من يتابع المشهد الثقافيّ في دولة الإمارات، يمكن أن ينبهر بحجم من الحراك الدائم الذي لا يتوقف، حراك باهر على غير صعيد من صعد الثقافة ومكوناتها وعناصرها. وكوني ممن تابعوا هذا المشهد، من داخله وعن كثب، على مدى يقارب عشر سنوات، عدا ما أعرفه عنه من بعد، فإنني أزعم معرفة الكثير من مفاصله ومحاوره ومحطاته الأساسية، معرفة تكفي لقراءة هذا المشهد واستشفاف ملامح من مستقبله ومن بعض الجوانب البارزة فيه، دون الانحصار في حقل من حقول الثقافة المتعددة.
في قراءة المشهد الراهن يقر كامل يوسف بوجود مجموعة من المشاريع الثقافية المهمة التي جرى تأسيسها مع تأسيس دولة الاتحاد، متوقفا عند تجربة المجمع الثقافي في أبوظبي ومن ثم هيئة ابوظبي للثقافة والتراث (قبل أن تصبح هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة)، واتحاد الكتاب والأدباء، وهيئة دبي للثقافة والفنون، ودائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وما قدمته هذه المؤسسات من أداء مهم، إضافة إلى مشاريع ضخمة في دبي، لكنها جميعا تفتقر إلى المسار الذي يوحدها ويضعها على طريق واضح لخيار التنمية، حيث أن هناك غيابا للتخطيط، وانحسارا في دور المؤسسات الأهلية في العمل الثقافي.

بين المظهر والجوهر
مشهد متنوع وباهر، ولكن هذا الانبهار يتوقف أمام أسئلة مهمة في محاولة التعرف على مدى عمق وحقيقية مكونات هذا المشهد، وهنا نستعين بوجهة نظر وأسئلة في غاية الأهمية، من خلال ما يقوله الدكتور عبد الخالق عبد الله الأكاديمي الإماراتي في مقالات له في اعتراضه على هذا المشهد، حيث يرى أنه على أهمية الحراك الثقافي، فالملاحظ أن المظهر قد طغى كثيراً على الجوهر، والاستهلاك يفوق الإنتاج، والبعيد أكثر حضوراً من القريب، كما أن هدف التسويق أكثر وضوحاً من هدف الإبداع الثقافي. كل ذلك يطرح أسئلة حائرة بشأن الفائدة والقيمة الثقافية المضافة لهذا النشاط الثقافي الكثيف؟ ولمن يتوجه؟ وهل يصب في سياق بلورة مشروع يفيد المبدع والإبداع الوطني ويتواصل مع الجمهور الثقافي الإماراتي الغائب عن كثير من هذه النشاطات؟
وبموضوعيته ينظر الدكتور عبد الخالق إلى المشهد الثقافي في الإمارات فيرى أنه “مشرق ويفيض بالحياة والحيوية وجميع المؤشرات تؤكد أنه سيستمر في الصعود من أجل تحقيق هدفه الحضاري والتنويري”. لكنه من الجانب المقابل يرى أنه قد “حان وقت التفكير في ألا يتحول هذا الزخم الثقافي إلى موضة ووجاهة، ومن المهم أن يدار إدارة محلية خالصة، ويعتمد على أجندة وطنية واضحة، ويتوجه إلى الداخل أولاً ثم الخارج العربي ثانياً والعالمي ثالثاً. ومن المهم أيضاً أن يكون الوطن المستفيد الأكبر، والمواطن المستهدف الأول من الاستثمار الثقافي والمعرفي”. ويضيف “كذلك من المهم ربط هذا النشاط الثقافي بغاية وطنية كبرى وملحة هي تأكيد الولاء والانتماء، وحماية الهوية الوطنية المهددة والتي أوشكت على الضياع في ظل تضخم الكل العالمي. الانفتاح على الخارج صحي ولا شك أنه يغني الداخل ويرتقي به، لكن الانبهار المفرط بالخارج، وتسليمه الراية والأمانة يعني نهاية محتمة للداخل. ما يحتاجه المشهد الثقافي في الإمارات حالياً هو الابتعاد عن النزعة الاحتفالية، وإعادة الثقة في المنتج المحلي، والتركيز على بضاعتنا الفكرية، الأدبية، والفنية وتطويرها كي تحصد الجوائز الثقافية السخية التي تذهب في مجملها إلى البضاعة الثقافية القادمة من الخارج”.
وأخيرا فإن أكبر نقاط ضعف المشهد الثقافي، حسب ما يرى الدكتور عبدالخالق، هو “أنه يذهب إلى البعيد وينسى القريب، ويركز على العالمي على حساب المحلي، ويهرول إلى الخارج بدلاً من الداخل، ويهتم بالاستهلاك أكثر من اهتمامه بالإنتاج الثقافي. الأديب الإماراتي غائب ومغيّب. والمبدع الوطني قليل الإبداع ولا حضور له في المشهد الإبداعي والمعرفي المنتعش في الشكل من دون المضمون. أما المثقف والأكاديمي والكاتب الذي يحمل الهم الثقافي الوطني فهو مبعد وغريب، ويشعر بالغربة، وفي بعض الأحيان مقيد ومشكوك في عطائه وإخلاصه، وتحول حديثاً إلى مجرد شاهد ومتفرج على العرس الثقافي. فالمؤسسات الثقافية، بل حتى الأكاديمية، أصبحت تدار من قبل طاقات وكفاءات عالمية وافدة قديرة وفذة، لكنها تنطلق من أجندات ليست بالضرورة بأجندات وطنية، ولديها اعتبارات غير متجذرة في الأرضية، الهوية، والثقافة المحلية”. بمعنى أنه إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، فنحن أمام كارثة ثقافية.

الحراك الملتبس الهوية
لعل الدكتور عبد الخالق، في رأيه السابق، يتجاوز رؤية الراهن إلى ما يبدو من تخوف أن المستقبل سيكون عليه، من جهة، وهو من جهة مقابلة توجيه لما ينبغي أن يكون عليه مستقبل الثقافة في الإمارات، وخارطة طريق لهذا المستقبل. وفي قراءتنا للمشهد نفسه من خلال الكاتب كامل يوسف حسين، فإنه يبدو غير بعيد في الجوهر، لأن من أهم سمات الحياة الثقافية في الإمارات أنها تشهد حراكا شديد الغنى، لكنه غنى يفتقر إلى المشروع الثقافي الحامل والموحد له، فهو يتسم بقدر من التشتت والتوزع اللذين يجعلان منه قليل الجدوى. ولأن هذه الحياة الثقافية كما يرى كامل يوسف تفتقر إلى التخطيط فإنها تعاني من الكثير من التخبط والعمل العشوائي، ما يجعله قليل التأثير في عملية التنمية الثقافية، ويعزل هذه التنمية عن سياقها الاجتماعي والاقتصادي، فتنتج عن ذلك عملية ثقافية شائهة وبلا هوية، وهو ما يتطلب مراجعة شاملة لهذه العملية، وإعادة النظر في الكثير من مكوناتها، وخصوصا ما يمكن اعتباره الانبهار بالنموذج الغربي، وتقليده والاستعانة به، وذلك نتيجة الافتتان الكاسح باللغات الأجنبية وبالتعليم وفق المناهج الغربية، وهو ما يؤدي إلى تغييب الطابع والعامل المحليين عن العمل الثقافي، وافتقاد الهوية الخاصة بهذا العمل.

غياب المثقف المحلي
وإذا كان هذا الحديث عن الحياة الثقافية يجري على المستوى النظري، فإننا نجد تجسيده على الصعيد العملي، فالملمح الأساسي للكثير من الأنشطة الثقافية هو طغيان الحضور الأجنبي، بدءا من دوائر الإدارة، ووصولا إلى المكونات الأساسية ذات الطابع الغربي لهذه الأنشطة. مهرجانات الأدب وبيناليات الفن التشكيلي ومهرجانات السينما التي تحمل باستمرار صفة “الدولية”. وهو ما يستدعي سؤالا حول مدى التفاعل بين العنصر المحلي والعنصر الغريب في هذه العملية الثقافية التي تنتمي إليها هذه الأنشطة؟ سؤال يطرحه الفاعلون المحليون في المشهد الثقافي، الذين يجري تغييبهم رغم أنهم يجب أن يكونوا الأصل في هذا المشهد، والقادمون هم الفرع الذي ينبغي التفاعل معه، والاستعانة بتجاربه وخبراته.
وعلى المستوى العملي أيضا، فصناعة الثقافة في الإمارات باتت ترتبط عضويا بالشرط الاقتصادي، وبكونها رافدا سياحيا مهما، وهنا يتداخل السياحي بالثقافي والفني، لكن هذا التداخل غالبا ما يتم على حساب الثقافي، حيث تبرز القيمة السياحية، ويبرز معها جانب مهم يتمثل في استخدام الكوادر الأجنبية، وتهميش العنصر المحلي، فهناك الكثير من المشاريع الثقافية التي ترفد السياحة، وربما كان أبرزها “ساحل المتاحف” في أبو ظبي، لكن المشكلة هنا تتمثل في غياب القدرة على توطين العمل السياحي الثقافي، وعدم قدرة مثل هذا المشروع على تحقيق الغاية الثقافية والاستثمارية منه. وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة المتعلقة ببنية الثقافة المحلية، وما تعاني منه على غير صعيد، بدءا من عدم القدرة على دمج مقومات تطوير التعليم والتنمية الثقافية، وهو موضوع يتعلق بمشكلة اللغة والهوية والاغتراب وسط اللغات والثقافات التي يصعب دمجها أو الانخراط فيها، وكذلك الأمر الذي يتصل بمدى مساهمة المؤسسات الأهلية في التنمية الثقافية، حيث أن المؤسسة الرسمية تحل محل الجميع في هذا المجال، ويزداد هذا الأمر مع تعقد الحياة الاقتصادية، وشيئا فشيئا نلحظ انسحاب جيل من المثقفين والمبدعين من المساهمة في الحياة الثقافية، وتراجع نشاط الجمعيات، وانحسار العمل التطوعي الذي هو جوهر التنمية الثقافية والشاملة.

مشاريع مبتكرة للمستقبل
في سياق النظرة إلى مستقبل الثقافة في الإمارات، كان يتوجب علينا الإصغاء إلى أصوات وتجارب جديدة تؤشر على بوصلة المستقبل بالنسبة إلى الجيل الجديد. أصوات تبحث عن ذاتها الإنسانية والوطنية في آن، ففي ظل غياب العمل المؤسسي الجاد، نجد الأفراد يسعون إلى البحث في تراثهم وتاريخهم، لينجزوا مشروعهم الثقافي الخاص، المشروع الذي مهما صغر فهو يشكل لبنة في البناء المطلوب، وبدءا نقف على مشروع مبتكر في مجال التعامل مع موضوع الكتاب والقراءة بوصفهما جزءا من المشروع الثقافي.
المشروع المبتكر يدل على عقلية قادرة على التجديد والتغيير والنظر إلى المستقبل، وعنوان المشروع مفاجئ ولافت للنظر، إنه مشروع “ملجأ الكتاب” الذي يقوم على فكرة إنشاء “ملجأ للكتب المستعملة”، تهدف إلى جمع وإعادة توزيع الكتب القديمة، بهدف الترويج لفكرة إعادة توزيع الكتب بين أفراد المجتمع ونشر حب القراءة. وتنطلق هذه الفكرة من حب المواطنتين مريم الخياط، وشيخة عبدالرحمن الشامسي، للقراءة والاطلاع واحترام وتقدير الكتاب.
إنه محاولة لقراءة حاجة الساحة الثقافية إلى شكل جديد من التعامل مع الكتاب. ولحسن الحظ أن المشروع وجد من يتبناه من القطاع الخاص، مثل هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير “شروق”، ومن خلال دعم من شركة الإمارات للاتصالات المتكاملة “دو”، ومركز “مرايا للفنون” في الشارقة. وهو مشروع طموح يسعى إلى تعزيز ثقافة القراءة، وحب المطالعة في نفوس أفراد المجتمع الإماراتي، ويهدف إلى تبني الكتب القديمة والمستعملة التي يقوم أصحابها بالتبرع بها إلى الملجأ، والاهتمام بها وعرضها في المكتبة الخاصة بالمشروع، للاستفادة منها وإيجاد منازل جديدة وقراء جدد وتوصيلها إليهم. إنه أحد المشروعات الإماراتية الثقافية الجديدة والرائدة التي يطلقها (مرايا للفنون)، الذي يهدف إلى إنقاذ الكتب غير المرغوبة من الإهمال والنسيان والحفاظ عليها، وازالة غبار سنوات عدم الاستخدام، وفتح المجال لاستفادة أكبر شريحة ممكنة من الكتاب، وذلك عبر مشاركة المجتمع بالكتب المستعملة ووضعها في مكان مخصص، وايجاد منازل بديلة وأشخاص جدد لتلك الكتب، أو استخدامها والاستفادة منها في أروقة الملجأ.

مستقبل الثقافة الشعبية
على صعيد آخر، ولكنه في صميم العملية الثقافية المحلية، وخدمة مستقبل الثقافة في الإمارات، نلتقط دعوة الشاعر والكاتب والباحث الراحل أحمد راشد ثاني في حوار معه قبل وفاته بأيام، إلى ضرورة إنشاء مركز بحثي متخصص بالتراث الشعبي في الدولة، وتأهيل الكوادر الشابة القادرة على اختراق وسائل الإعلام، لتقديم المادة الشعبية الشفاهية بشكل حديث أو متطور، لاسيما في مجال الفنون الأدائية. فهو يرى أنه “للأسف لم تنتج الصحافة في الإمارات مجلة مختصة بالثقافة الشعبية كما هي الحال مثلاً كمجلة المأثورات الشعبية التي كانت تصدر عن مركز التراث الشعبي في الدوحة أو مجلة الثقافة الشعبية الصادرة في البحرين. وهو يرجع السبب في ذلك بالدرجة الأولى إلى “غياب مركز بحثي علمي ميداني مختص بالثقافة الشعبية في الإمارات”. ويقول “معوقات تجربتي أو تجربة سواي هي للأسف سر وجودها وإنجازاتها إن وجدت، فالباحث في الثقافة الشعبية هنا والجامع يقوم بالعمل الفردي، وعمله الفردي هذا بقدر ما جعله منجزاً بقدر ما يجعله بطيئاً وغير متطور ومتقطعاً، إذ تعتمد التجربة على الأحوال الشخصية التي يمر بها كل واحد، وهذا بالطبع ما يختلف كلياً عند العمل المؤسساتي، إلا أنه للأسف عمل مفقود في الإمارات”.
ويتعلق بهذه الدعوة عمل الباحثة الأكاديمية الشابة مريم جمعة الكيبالي التي، رغم تخصصها في مجال الاتصالات، دفعها الارتباط بالأرض وناسها والولاء الصادق لها إلى الحفر في الماضي ووضع اليد على منبع ثر من الثقافة الشفهية المتعلقة بحياة “الفريج” وعادات المجتمع والألعاب الشعبية والصناعات التقليدية وتاريخ الغوص ورحلة ابن ماجد إلى إفريقيا، والثقافة الصحية للمجتمع في العصور الماضية وكيف كان يتوارث أساليب التداوي ويتفنن فيها. وهي تمتلك رؤيتها في هذا السياق فتقول “الثقافة الشعبية نتاج عدة عوامل منها ما يأتي متوارثاً عبر الأجيال، فكل جيل ينقل للجيل اللاحق هذه الثقافة المكونة من العادات والتقاليد والفنون واللباس والطعام والألعاب والصناعات وغيرها ومنها ما تزيد عليه الأجيال الجديدة من ثقافتها أفكاراً مستقاة من العصر الحاضر حسب المناخ الذي نشأت فيه وتلغي أشياء لا تنسجم مع التطور الذي يعيشه الجيل الجديد، وهذا المتوارث من الثقافة الشعبية يتجدد بفعل عاملين مهمين هما البيئة والمعتقدات”.
وفي صميم رؤيتها للحاضر والمستقبل ترى أن الثقافة الشعبية تجدد نفسها متلائمة مع التطورات والتقنيات الحديثة بفعل عامل التأثر والتأثير، دون أن تتشوه أو أن تتصدع، ولكنها في تفاصيلها قد اختلفت عما كانت عليه زمن الأجداد، فكثير من العادات بدأت تحتفي، وكثيرة هي الحرف التي اختفت من واقعنا اليوم، وكذلك الحال بالنسبة لبعض المعتقدات والأفكار التي هي من تأثير البيئة التقليدية وليست من الدين، فعلى سبيل المثال الطب البدوي أو القضاء البدوي فقد استعيض عنهما بالطب الحديث وبالقضاء المدني الذي خضع له كل مفاصل المجتمع، ومن الحرف سنجد حرفة الصيد قد تطورت، فلم يعد الصيادون يصنعون شباكهم وسلالهم لأنهم استبدلوها بطرق الصيد الحديثة.. حتى اللهجة الدارجة دخلها العديد من الألفاظ الدخيلة سواء من الإنجليزية أو من اللغات الأخرى كالفصحى أو من اللغة الهندية أو غيرها مما هو دارج لدى فئات الشباب، حتى الضيافة العربية التي كانت تدار عبر المجالس فإننا نرى أن هذه المجالس أصبح لها مناسبات تفتح فيها وتستقبل الضيوف، كالأعياد أو الأعراس، في حين أنها كانت في الماضي مفتوحة دائماً للقادم والرائح مع تقاليد الضيافة العربية بالقهوة، التي كانت تطبخ في المجلس وتدار عبر الفناجين على الشاربين في دلال القهوة العربية القديمة المشهورة بأنواعها بينما الآن تصب القهوة في فناجين حديثة يابانية الصنع. وكذلك الحال مع الألعاب الشعبية التي أصبحت الآن في حكم المنسية والتي استبدلت بالألعاب الحديثة مثل “البلاي استيشن” وغيرها من ألعاب الانترنت.
هذه تجارب ووجهات نظر مطروحة للحوار حول مستقبل الثقافة في الإمارات على غير صعيد. ففي ما يتعلق بالحياة الأدبية والفنية ـ المسرحية والتشكيلية والسينمائية ـ هناك تطورات على صعيد الكم لا تخدم كثيرا بناء هذه الحياة، بسبب قلة التخطيط وغياب البوصلة. بينما تنشط الجوانب العاملة في مجال الموروث الشعبي في منطقة الظل، وبقليل من الدعم المؤسسي الرسمي، ما يتطلب دراسات وأبحاثا متقدمة في هذا المجال. وهو ما يمكن تركيز الضوء عليه في قراءات قادمة.

المجلس الوطني للثقافة.. هل له مكان على أرض الإمارات؟



هذه الجزئية من مناقشتنا تقتضي الأمانة والصراحة منا أن نبادر إلى طرحها، وهذا الطرح ـ في اعتقادنا ـ ينبغي أن يأخذ بالضبط الصيغة التي طرحناها بها، صيغة التساؤل والاستفهام والحرص على تلقي الردود من كل الجهات المعنية. أتى على الكثيرين من المعنيين بالعمل الثقافي في الإمارات حين من الدهر دارت بينهم فيه مناقشات مكثفة حول ما إذا كان اعتماد صيغة للعمل عبر مجلس وطني للثقافة ينبغي أن يعطي دفعة قوية لجهود التنمية الثقافية في البلاد، خاصة أن هذه المناقشات دارت على خلفية من الإنجازات التي حققها المجلس المناظر في الكويت وتلك التي حققها المجلس المناظر في مصر خلال الفترة التي تولى الدكتور جابر عصفور رئاسته فيها، فضلاً عن اعتماد صيغة العمل الثقافي هذه في دول عربية أخرى، مثل قطر. غير أن الموافقة على اعتماد هذه الصيغة أو الاعتراض عليها، لا ينبغي أن يأتي على خلفية من التفكير بالتمني، أو النظر إلى تجارب الدول الأخرى فحسب، وإنما يتعين أن ينطلق من طبيعة النسيج الراهن لجهود التنمية الثقافية في الإمارات ومقومات هذا النسيج وخصائصه، ودراسة هذا كله ومدى تحقيقه للأهداف المتوخاة من التنمية الثقافية وطبيعة النتائج والتأثيرات المتوقعة لإدخال آليات المجلس الوطني للثقافة عليها. لا شك أن هذا كله من شأنه أن يطرح على الجهات المعنية، وعلى لجنة الخطة التي تصورنا ضرورة تشكيلها، مجموعة مهمة من علامات الاستفهام، التي لابد من التصدي للإجابة عليها قبل اتخاذ أي خطوة أو قرار في هذا الصدد على الإطلاق. في الوقت الراهن، يندرج ضمن اختصاصات وزارة الثقافة في الإمارات معظم مجالات العمل والنشاط التي تشكل صميم مهام المجلس الوطني للثقافة، فهل يعني إنشاء المجلس أننا سنواجه ثنائية أخرى من الثنائيات العديدة التي تعرقل مسيرة التنمية الثقافية في الإمارات؟ أم هل سيترتب على هذا الإنشاء تحويل الاختصاصات الثقافية للوزارة إلى المجلس؟ ألن يعني بالضرورة الإلغاء العملي للوزارة؟ أم أنه سيعني تحويل نشاطها إلى الاختصاصات الأخرى المدرجة تحت سقفها الآن وفي مقدمتها الاختصاصات المتعلقة بالشباب؟ وفي هذه الحالة إلى أين تمضي الكوادر والموارد الأخرى العاملة في الميدان الثقافي من اختصاصات الوزارة؟ ألا يعني ذلك تخلياً عن رصيد وتجارب وخبرة تراكمت على مدار عقود من العمل المتواصل؟ من ناحية أخرى، ما الذي ستكون عليه طبيعة العلاقة بين المجلس الوطني للثقافة وبين الدوائر المحلية العاملة في ميدان التنمية الثقافية؟ ما هي الآليات التي يمكن تصورها للتنسيق بين أنشطة المجلس وهذه الدوائر؟ على صعيد آخر، ما هي طبيعة العلاقة بين المجلس والمؤسسات الأهلية وجمعيات النفع العام العاملة في الميدان الثقافي؟ هل ستظل جمعيات النفع العام هذه مدرجة في اختصاصات وزارة الشؤون الاجتماعية شأن كل جمعيات النفع العام في الدولة بحسب مقتضيات القانون أم أن الإشراف عليها ومتابعتها سينتقلان إلى اختصاصات المجلس؟ وما هي الآليات القانونية التي تكفل ذلك إذا تقرر اعتماده؟ وما هي طبيعة التأثيرات المترتبة على ذلك بالنسبة لهذه الجمعيات.
أياً كان الأمر فإن كل علامات الاستفهام هذه تظل بحاجة إلى ردود واضحة، وفكرة اعتماد المجلس الوطني للثقافة في الإمارات ذاتها بحاجة إلى دراسة مكثفة، خاصة من منظور ما إذا كانت ستعطي دفعة نوعية للعمل الثقافي بالإمارات على نحو ما حدث في الكويت، بصفة خاصة، من عدمه.
* من كتاب “مستقبل الثقافة في الإمارات” لكامل يوسف حسين