دنيا

دعوة إنسانية عالمية للدعم والتضامن في «اليوم العالمي للأمراض النادرة»

ملصق اليوم العالمي للأمراض النادرة (أرشيفية)

ملصق اليوم العالمي للأمراض النادرة (أرشيفية)

اليوم ـ 29 فبرايرـ يصادف “اليوم العالمي للأمراض النادرة “، أو ما يعرف بـ “الأمراض الأكثر غرابة” في التاريخ. ومن المؤكد أنه ليس يوماً احتفالياً، وإنما اتفق في هذا التاريخ أن تستذكر شعوب العالم على امتدادها وتنوعها وتعددها العرقي والثقافي أعداداً ليست قليلة ممن يعانون وطأة الأمراض النادرة. العالم بأسره يتذكرهم اليوم تحت شعار “نادرون .. لكن معاً أقوياء”، في دعوة إنسانية عالمية للالتفات والتضامن والتعاطف مع المبتلين بنوعيات نادرة من العلل والأمراض الغريبة والخطرة، وحيث يكون الهدف الأهم توجيه رسالة إنسانية لتضافر الجهود، وتركيز التعاون المتبادل في مجال الأمراض النادرة بين الأطباء والمرضى والناشطين والباحثين عن آفاق العلاج وصناع القرار في سائر أنحاء العالم، من أجل تخفيف معاناة المرضى، وتحقيق حياة صحية أفضل لهم.


خورشيد حرفوش (أبوظبي) ـ هناك أكثر من 7000 نوع من الأمراض الغريبة النادرة، وربما معظمها غير معروفة، ولم يسمع عنها كثيرون من قبل، وغموض مسبباتها يجعل التعامل الطبي والعلاجي قاصراً ومحدوداً، إلى جانب تعقد توصيفها وتشخيصها، والوقوف العلمي الدقيق لمآلها المستقبلي، في معظم الأحيان. وما من شك في أن هناك أعداداً كبيرة من المرضى في بقع كثيرة من العالم متنامي الأطراف خارج التقديرات الإحصائية والرقمية لمنظمة الصحة العالمية، لأسباب عديدة. ويعد المرض نادرًا إذا أصاب واحداً من كل 2000 شخص من السكان، فكثير من هذه الأمراض النادرة أمراض وراثية وتظهر منذ الولادة، وهناك أيضاً بعض الأمراض الوراثية التي لا تظهر إلا في وقت متأخر.
ما حقيقة تلك الأمراض النادرة إذن؟
الدكتور عباس السادات، استشاري الباطنية وأمراض الدم، يشير إلى عدد من الأمراض النادرة، ويقول:” هناك مرض “مورغيلونس”، واسم المرض مقتبس من المنطقة التي ظهر فيها للمرة الأولى في فرنسا، عندما قضى على بعض الأطفال، إثر بزوغ شعر أسود من جلدهم في القرن السابع عشر الميلادي. ويشكو من هذا المرض نحو 14 ألف شخص حول العالم، وتظهر أعراضه من خلال بزوغ ألياف سوداء وحمراء وزرقاء من الجلد، مع شعور بالوخز. ويترافق هذا المرض مع إحساس بالتعب وفقدان للذاكرة وآلام في المفاصل”.
«الشيخوخة المبكرة»
ويضيف د.السادات:” أيضاً هناك “البروجيريا”، ويعرف هذا المرض بـ”الشيخوخة المبكرة”، حيث يبدو المصابون به وكأنهم من كبار السن رغم أنهم في الواقع أطفال، ويؤثر المرض على أشكال المرضى، حيث تكون رؤوسهم صغيرة وعيونهم جاحظة، ويفقدون شعورهم بسرعة، وغالباً ما يؤدي المرض إلى وفاة المصابين في أعمار مبكرة. كذلك يعاني أصحاب مرض”التحسس من المياه”، من أعراض خطيرة، ويعتبر هذا النوع من الحساسية حالة نادرة للغاية، وتنتج عن خلل هرموني يصيب النساء عند الولادة، ويُعتقد أن هناك 30 مصابة بهذا المرض في العالم بأسره، وتظهر أعراضه عادة في فترة متقدمة. وفيه تعاني المريضة من حكة شديدة وآلام حادة في الجلد عند الاستحمام أو عند شرب المياه، وغالباً ما تصاب المريضة بالجفاف.
أما “التحدث بلغات غريبة”، فهو حالة غريبة للغاية، وكان يعتقد أنه مرض نفسي، إلا أن الدراسات الحديثة فسرته على أنه عبارة عن خلل في الدماغ يؤدي إلى تبديل لفظ الكلمات والحروف، وسجلات الطب تشير إلى وجود 60 حالة من هذا المرض حول العالم، حيث يجد المرضى أنفسهم يتحدثون بلغة يعجز أحد عن فهمها.
«الضحك المميت»
ويضيف الدكتور إسلام أبو يوسف، أخصائي جراحة العمود الفقري:” هناك نوع آخر من الأمراض النادرة، يعرف باسم “الضحك المميت”، ويعد أحد أشهر الأمراض النادرة في العالم التي اختفت، لكن هناك مخاوف طبية من ظهوره مرة أخرى لعوامل وراثية، وكان يطلق عليه اسم “كورو”، وكان يقتصر على أفراد قبيلة “فور” في غينيا الاستوائية”، ويظهر في صورة انخراط المريض بنوبة مفاجئة من الضحك الهستيري، لتبدأ بعدها أشهر من المعاناة، تبدأ بآلام في المفاصل وفقدان القدرة على النطق السليم. وتنتهي الأعراض بتدهور الحالة الصحية، ووفاة المرضى الذين تظهر في أدمغتهم فجوات بعد تشريح جثثهم بعد الوفاة، وقد قام الطبيب الأميركي، كارلتون جودسيك بدراسة المرض، وخلص إلى أنه بدأ ينتشر بعد قيام أفراد القبيلة بأكل جثث المصابين، وقد أدى هذا الاكتشاف إلى وقف عادة أكل الجثث، ما تسبب في اختفاء المرض عام 1976، ونال جودسيك بعد دراسته جائزة نوبل للعلوم.
كذلك هناك مرض “تحول المفاصل إلى عظام”، هذا المرض ظهر لمرة واحدة عام 1938 لدى الأميركي هاري إيستلك، الذي بدأ يفقد القدرة على الحركة تدريجياً حتى بات عاجزاً عن تحريك أي عضو باستثناء فمه، وهو في عمر 39 عاماً، وقد قام إيستلك بعد وفاته بالتبرع بهيكله العظمي للأبحاث العلمية الخاصة بدراسة المرض، وهو معروض حالياً بمتحف فيلادلفيا”.
«بروفيريا»
يكمل الدكتور نيازي شوكت، أخصائي أمراض الدم:” هناك متلازمة يطلق عليها متلازمة “أليس في بلاد العجائب”، وهو مرض يصيب الحواس، بحيث يجعل المرء يعتقد أن ما يراه أو يسمعه أو يلمسه أصغر بكثير مما هو عليه في الحقيقة، مما يسبب مشاكل عديدة للمريض بسبب التقدير الخاطئ للمسافات والأحجام والأشياء والأصوات، كما قد يشعر أن جسده صغير للغاية أيضاً، ويتسبب المرض لصاحبه بصداع الشقيقة القوي. وقد استوحى الأطباء اسم هذا المرض من قصة “أليس في بلاد العجائب”، التي تواجه فيها البطلة ظروفاً مشابهة، ورغم أن الجدل الطبي حول ما إذا كان كاتب القصة، لويس كارول، يعاني من هذا المرض أم لا؟، إلا أنه كان بالتأكيد يشكو من صداع الشقيقة الدائم.
من جانب آخر نجد مرض “بروفيريا”، هو مجموعة من الأمراض الوراثية الناجمة عن عوز مختلف لبعض الأنزيمات المسؤولة عن إنتاج البروفيرين، الذي يعتبر مركباً وسطياً في طريق اصطناع بروتين “الهيم”، وتظهر عوارضه عبر تحول البول إلى اللون البنفسجي، بسبب تعقيدات تؤثر على إنتاج الجسم لهذا البروتين الضروري لكريات الدم الحمراء. ومن أبرز أعراضه نمو الشعر بشكل غزير في كل أنحاء الجسم، وتلون حدقة العين باللون الأحمر الدموي، وعدم قدرة الفرد على الاقتراب من الشمس لأنه لا يتحملها، وإذا تعرض مريض البروفيريا الى الشمس مدة طويلة قد يموت، ويؤدى تعرضه لفترة قصيرة إلى تكون البثور والجروح على الجلد، كما لوحظ في حالات نادرة نمو الأظافر بشكل سريع للغاية حتى تبدو كالمخالب. وعلى الرغم من ندرة هذا المرض، إلا أن شهرته تنبع من تعرض ملك إنجلترا “المجنون” جورج الثالث له في القرن الثامن عشر، ويعتبر كل من ماري ملكة إسكتلندا، والرسام الهولندي فان جوخ، وملك بابل القديمة نبوخذ نصر، أشهر من أصيبوا بهذا المرض.
وتعد متلازمة “بيك”، وتعني باللاتينية “الشراهة”، من المتلازمات النادرة للغاية، حيث يُقبل المصابون بهذا المرض على أكل كل ما يعترض طريقهم، حتى الطلاء والأشياء القذرة. كذلك متلازمة “موبيوس”، وهو مرض جيني نادر للغاية، ويظهر من خلال شلل يصيب كامل عضلات الوجه، بحيث يعجز المريض حتى عن إغماض عيناه، ويترافق المرض مع تشوهات في عظام الأرجل، أو نقص خلقي في عدد الأصابع.


خصائص وأرقام
يتوقع إحصائياً أن يصاب طفل واحد من كل 25 طفلاً بمرض وراثي ناتج عن خلل في الجينات، أو بمرض له عوامل وراثية خلال الخامسة والعشرين سنة من عمره.ويتوقع أن يصاب طفل واحد لكل 33 حالة ولادة لطفل حي بعيب خلقي شديد. كما يصاب نفس العدد بمشكلات تأخر في المهارات وتأخر عقلي. وتسعة من هؤلاء المصابين بهذه الأمراض يتوفون مبكرا أو يحتاجون إلى البقاء في المستشفيات لمدة طويلة أو بشكل متكرر، ولها تبعات مالية واجتماعية ونفسية. وهذه الأعداد لها تبعات عظيمة ومعقدة على الأسرة وبقيه المجتمع.
إن الأمراض النادرة غالباً ما تكون مزمنة، وتتطور ويزداد المرض مع مرور الوقت وتسبب للمريض انتكاسات صحية متكررة، وهي تعطل حياة المرضى في كثير من الأحيان، ويصبح غير قادر على الاعتماد على نفسه، وتفقده الاستقلالية. كما يعاني المريض من تأخر التشخيص، ونقص وصعوبة الحصول على المعلومات الطبية الدقيقة، أو العلاج أو الخدمات الطبية المساعدة الباهظة التكاليف، وحتى الآن لا يوجد علاج فعال ناجح لهذه الأمراض. ويلاحظ أن 80 % من الأمراض النادرة أسبابها وراثية، فضلاً عن وجود عوامل محتملة أخرى مثل العدوى الجرثومية أو الفيروسية، والحساسية، والأسباب البيئية، وأن 75 % منها يصيب الأطفال، يموت منهم نحو 30 % قبل سن الـخامسة. وهؤلاء المرضى في حاجة ماسة إلى تطوير البحوث الطبية والعلمية، وتفعيل التعاون الدولي في مجال البحث العلمي، ورفع مستوى الوعي العام بالأمراض النادرة، ودعم المرضى الأكثر عزلة وأولياء أمورهم لتوفير مجتمعات جديدة للمريض. وسن تشريعات لمصلحة الأمراض النادرة مثل دعم البحوث الطبية، وتوفير الدعم المادي للمريض وأسرته.