تقارير

المهمة الأفغانية... وتحديات «استعادة الثقة»

في غضون أسبوع واحد، تسبب إحراق نسخ من المصحف الشريف على أيدي جنود أميركيين في أفغانستان في سلسلة أحداث عنف مميتة لم تؤد إلى زيادة التوتر فحسب، بل لعلها كشفت أيضاً عن ضعف في الاستراتيجية الأميركية للإنهاء التدريجي للحرب.فالاستراتيجية الأميركية في أفغانستان التي بدأت تتكشف ملامحها تدريجيّاً تقوم على مخططات تقضي باستبدال فرق محاربة كبيرة تابعة للناتو بفرق صغيرة من المستشارين الذين سيعيشون ويعملون إلى جانب شركائهم الأفغان. ولكن مقتل ضابطين رفيعي المستوى تابعين للناتو على يد مسؤول أمني أفغاني -وما تلا ذلك من قرار لقائد كبير من قوات الناتو في البلاد باستدعاء موظفيه من وزارات أفغانية مهمة- يغذي الشكوك بشأن ما إن كان بالإمكان الاعتماد على قوات الأمن الأفغانية من أجل توفير الحماية لشركائها الغربيين.
ويحذر محللون ومسؤولون أميركيون سابقون من أن عواقب نقص الثقة بين الجانبين يمكن أن تكون مدمرة حيث يقول مارك جاكوبسون، الذي كان يشغل حتى الصيف الماضي منصب نائب الممثل المدني للناتو في كابول: "إذا انهارت الثقة والقدرة والإرادة في إقامة شراكة، يمكن الحديث في تلك الحالة عن نهاية اللعبة هنا".
ومقتل الضابطين الأميركيين يوم السبت الماضي وقع بعد يومين على قيام رجل يرتدي بدلة الجيش الأفغاني بإصابة جنديين أميركيين إصابة قاتلة في شرق أفغانستان، في واحد هو الأحدث ضمن سلسلة من الحوادث التي وقعت خلال الأشهر الأخيرة والتي انقلب فيها أفراد من قوات الأمن المحلية على موظفي الناتو. وقد ارتكبت بعض أعمال القتل من قبل جنود أفغان يدينون بالولاء لـ"طالبان"، ولكن الهجمات في معظم الحالات كانت نتيجة للتوترات بين القوات الأميركية والأفغان الذين شعروا كما لو أنهم تعرضوا لإهانة لحقت بهم أو بدينهم.
وفي يوم الأحد، سعى الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، الذي رد في البداية على حادث إحراق نسخ من المصحف الشريف بغضب شديد، إلى وقف أحدث موجة من أعمال العنف عبر إطلاق نداء للهدوء ومباركة سحب مستشارين تابعين للناتو من وزاراته باعتباره إجراءً مبرراً. ولكن الاحتجاجات استمرت، بما في ذلك في مدينة "قوندز" الواقعة شمال البلاد، حيث فتح محتجون أفغان النار وتم إلقاء قنبلة يدوية على قاعدة أميركية، ما أصاب سبعة جنود أميركيين بجروح. كما قام وزيرا الدفاع والداخلية الأفغانيان بإلغاء زيارة كان مخططاً لها منذ وقت طويل إلى واشنطن من أجل التركيز على كبح أعمال العنف التي أسفرت عن مقتل 25 أفغانيّاً.
وتعليقاً على هذه التطورات، قال السفير الأميركـي فـي كابـول ريـان كروكـر، لقنـاة "سي. إن. إن" يوم الأحد: "إننا ما زلنا ملتزمين بشراكة مع الحكومة والشعب الأفغانيين"، واعداً بأن يواصل العسكريون والمدنيون الأميركيون العمل مع حلفائهم الأفغان. غير أن معظم التعاون بين المستشارين الأميركيين وشركائهم الأفغان معلق في الوقت الراهن. وعلى رغم أن قرار سحب المستشارين ربما يكون مؤقتاً، إلا أنه من غير الواضح كيف سيستطيع الجنود الأميركيون إعادة خلق الثقة مع قوات الأمن الأفغانية.
وفي هذا السياق، قال ضابط في الجيش يعمل مستشاراً في كابول يوم الأحد: "إن الأمور لن تعود إلى نصابها مثل السابق"، مضيفاً "التهديد ما زال أعلى من المستوى العادي"، مؤكداً أنه عندما يعود المستشارون إلى الوزارات، فإن البعض منهم ربما سيضطرون إلى تقصير زياراتهم، بدلاً من العمل هناك نوبات تدوم ست إلى عشر ساعات، وذلك من أجل تقليص الأخطار.
وفي هذه الأثناء، سعى مسؤولون كبار في إدارة أوباما إلى طمأنة الجمهور الأميركي الذي ضاق ذرعاً بالحرب بأن المهمة الحربية للناتو في أفغانستان ستنتهي بحلول منتصف العام المقبل. وألمح هؤلاء المسؤولون ضمنيّاً إلى أن التحول إلى مهمة استشارية لن يعني عدداً أقل من الجنود الأميركيين في أفغانستان فحسب، ولكن أيضاً قدراً أقل من المخاطر بالنسبة للجنود غير المحاربين الذين سيبقون هناك.
غير أن خبراء عسكريين يقولون إن القوة الاستشارية الأميركية الأصغر قد تكون أكثر تعرضاً للهجمات مقارنة مع وحدات عسكرية تقليدية.
والجدير بالذكر هنا أن مثل هذه الهجمات -التي كانت نادرة على نحو استثنائي في العراق- كثيراً ما يكون سببها هوة ثقافية بين الجنود الأميركيين والأفغان. وفي هذا السياق، يقول كارتر مالكازيان، الذي عمل مستشاراً لوزارة الخارجية الأميركية في إقليم هلمند في جنوب أفغانستان في 2010 و2011، إن إحدى الطرق الكفيلة بتخفيف الخطر تتمثل في إقامة المستشارين علاقات أوثق مع شركائهم الأفغان. ولكنه يعترف بأن الخطر سيكون موجوداً دائماً.
وفي هذا الإطار، قال مالكازيان: "إن المستشاريـن الأكثر فعاليـة سيكونـون مـع شركائهم الأفغان في جميع الأوقات، وذلك ينطوي بالتأكيد على خطر إضافي".
وخلافاً لفصيلة مشاة تقليدية، تتألف من أكثر من 35 جنديّاً مسلحين تسليحاً ثقيلاً، يعمل المستشارون في فرق قد لا تتجاوز عشرة أفراد. ويوم الأحد، قال بعض المستشارين العسكريين والمدنيين العاملين في أفغانستان إن الأخطار المرتبطة بوظائفهم ما زال بالإمكان السيطرة عليها، وإنهم يعتقدون أنهم سيستطيعون قريباً العودة إلى عملهم. وفي هذا الصدد، قال مستشار لوزارة الخارجية يعمل في مركز عسكري ناء في شرق أفغانستان: "آمل أن يتم رفع (الحظر) قريباً"، مضيفاً "ربما أميل إلى الشعور بالرضا عن الذات. وأعلم أننا نواجه كل أنواع التهديدات، غير أن لدينا مهمة لنقوم بها".

جريج جاف - أفغانستان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»