الملحق الثقافي

الإنسانية مصابة بـ «احتباس روحي»

ذوبان الثلوج من أبرز نتائج الاحتباس الحراري (أرشيفية)

ذوبان الثلوج من أبرز نتائج الاحتباس الحراري (أرشيفية)

الفاهم محمد

إحساس عميق باللايقين وبالخطر يخيم اليوم على كل الشرائح الاجتماعية. شعور دفين بأن المستقبل بات يحمل لنا خطراً جسيماً علينا أن نستعد له. أصبح الجميع يلتمس معونة العرافين لاكتناه غموض ما هو آت. الكثير من العلامات تؤشر على الخطر، معززة هذا الشعور المروع بالنهاية. يكفي أن ننظر إلى الكارثة البيئية، وإلى الهشاشة التي أصبحت عليها الكرة الأرضية. همهمة السماء المرعبة، الانتحار الذي تعرفه الحيتان، النفوق الجماعي للطيور والسحب العدسية... لا شيء يقيني اليوم حتى القشرة الأرضية التي نقف عليها نعلم أنها تتحرك تحت أقدامنا، بل هي من المحتمل أن تخسف بنا.

عقائد كثيرة تكاثرت في الألفية الثالثة شغلها الشاغل هو أن تعبئ الناس لملاقاة يوم الدينونة. نبوءة المايا، نبوءة نوستراداموس، وبابا فانغا، ومجموعة الطوائف التي تعتبر أن هذا الاستعداد بات واجباً دينياً، وهو ما يؤدي أحيانا إلى فواجع إنسانية: حالة الطائفة اليابانية أوم شينركيو مثلا. هنالك أيضاً المستعدون لليوم الأسود، أولئك الذين يقتنون مساكن خاصة مدفونة تحت الأرض يخزنون فيها الأطعمة في انتظار الكارثة. إننا اليوم لا نتوقع الأسوأ لأنه ما عاد شيئاً محتملاً ما دام أننا نعيشه، بل نحن نتوقع الكارثي بكل المقاييس. أو لنقل ذلك بشكل واضح إننا نحملق اليوم بذهول في ما هو قيامي - L’apocalyptique.

الأفول أو النهاية
فكرة الأفول والنهاية هذه تحضر بقوة في الفكر الغربي. لقد سبق لأوزفالد شبينغلر أن كتب كتابه الشهير: (تدهور الحضارة الغربية) والذي أبدى فيه تشاؤمه من مستقبل التقدم الحضاري الغربي. هناك أيضاً جاريد دايموند وكتابه الشهير: (الانهيار - Collapse) وهو الكتاب الذي رأى فيه أن العديد من المجتمعات التي عرفها التاريخ في الماضي مثل المايا وهنود الأناسازي والفيكينغ وغيرها، يعود السبب في انهيارها إلى طبيعة تأثيرها على محيطها البيئي.
أما عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك فقد كان أول من أدخل مفهوم مجتمع المخاطر ضمن الدراسات السوسيولوجية المعاصرة. وذلك في كتابه: (مجتمع المخاطر العالمي) وهو مفهوم يدل عنده على الأزمة الداخلية التي تعيشها الحداثة المعاصرة. لقد تبخرت جميع الوعود التي بشرت بها ما يطلق عليه (ديانة التقدم) فلا الفقر استطعنا التغلب عليه، ولا الهوة بين الدول الفقيرة والغنية تمكنا من ردمها. والنتيجة هي أننا نعيش في جو يخيم على التهديد الدائم والخوف واللاأمان. ما يقلقنا اليوم هو المصير العام الذي ينتظر الجنس البشري، بدأ من الأخطار الطبيعية وإلى غاية الحماقات التي يمكن أن يؤدي إليها السلوك الطائش للإنسان.
هكذا يصنف أولريش بيك المخاطر التي تجثم على المجتمعات المعاصرة إلى المجالات الآتية: المجال الاقتصادي، المجال السياسي، المجال البيئي، ويضيف أيضاً مجالًا آخر وهو المجال المعرفي. فالمعرفة العلمية ذاتها أصبحت تشكل خطراً حقيقياً على الإنسان. كمثال على ذلك ما يحدث في مجال الهندسة الجينية أو في مجال الفيزياء النووية وغيرها. من يمكنه أن ينقذ العالم إذ لا شيء يمكن اليوم الاطمئنان إليه، يوضح أولريش بيك أنه، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو المعرفة العلمية أو غيرها من الميادين لا توجد سوى الأخطار المحدقة بالجنس البشري، والتي لا نملك إزاءها أي حل أو رؤية واضحة. يتساءل أولريش بيك إذا كانت الأخطار قد هددت دوما الجنس البشري منذ ظهوره على الأرض فما الجديد الذي يتضمنه حالياً مجتمع المخاطر العالمي؟ والجواب هو أنه ليس فقط كون هذه المخاطر أصبحت عالمية وكونية بل أيضاً هي منذرة بالهلاك الكامل لبني البشر.

فضيحة المريخ
الأخطار تحدق بالجنس البشري في الجهات الأربع فأين المفر؟
إلى المريخ، تجيب لورا أيزنهاور حفيدة الرئيس الأميركي السابق. سنة 2014 قامت بإفشاء العديد من الأسرار عبر حملة في المؤتمرات واللقاءات الصحفية والتلفزيونية من أجل تسليط الضوء على ما تسميه بمارس غايت mars gate وهو عبارة عن مؤامرة ضد الإنسانية. تؤكد لورا أنه تم استدعاؤها سنة 2006 و2007 للالتحاق بمستعمرة سرية أقامتها أمريكا فوق المريخ، وأنه في حالة تعرض الكرة الأرضية لخطر ما فإنه سيكون بإمكان نخبة العالم أن تنجو بنفسها هناك. هذا سر كبير قد لا يصدقه عاقل، ولكن ماذا لو كان صحيحاً فكما يقال: كلما كانت الفضيحة كبيرة كلما مرت بهدوء. تذكر لورا أيزنهاور بما حذر منه جدها الرئيس دوايت أيزنهاور من خطورة تصاعد (المركب المالي العسكري -le complexe militaro (industriel. إضافة إلى الحكومة السرية التي تتحكم في العالم بشكل خفي. وهو في نظرها ما أصبحنا نعيشه حاليا، الدليل على ذلك مجمل هذه الأخطار التي نلاحظها بدأ من التلاعب بالمناخ عبر رش للمواد الكيميائية فيه، إلى التحكم بوسائل الإعلام والتأثير على العقول، ثم انتهاء بمشروع (هارب Haarp) الذي يهدف إلى الإبادة الجماعية للبشر، لذلك فهي تدافع عن ضرورة الاهتمام بالكوكب الأرضي من الناحية البيئية والاجتماعية بدل صرف الملايين من الدولارات على حضارة جديدة فوق المريخ. علينا في نظرها أن نهتم بتطورنا الروحي وبأشكال التضامن الإنسانية. هذا هو السبيل الوحيد للتغلب على المستقبل المظلم الذي ينتظرنا.

المستقبل بين أتالي وموران
كتب المفكر الفرنسي جاك أتالي، مستشار للرئيس الفرنسي السابق متيران، كتابا يحمل عنوان: هل يمكن أن نتنبأ بالمستقبل؟ وكان جوابه: نعم. مؤكداً فيه أن الإنسان منذ قديم الزمان وهو يحاول تبصر المستقبل في حجر الودع، أو قراءة النجوم، وفي كرة الكريستال متسائلاً عما ينتظره شخصياً: هل سأكون سعيداً في حياتي هل سأعيش غنياً، أم معدماً كيف سألاقي حتفي إلى غيرها من الأمور الذاتية، غير أن التطور التكنولوجي الذي نعرفه اليوم جعل بإمكاننا أن نعرف بدقة ما يمكن أن ينتظرنا وهو يقصد بذلك أن العلم بإمكانه اليوم أن يتنبأ عما إذا كان هذا الشخص سيصاب بمرض السرطان أم لا. كما بإمكانه أن يتنبأ بالمستقبل التنموي لمجتمع ما إلى غير ذلك.
ضد هذا التصور يرى إدغار موران بأن هذا بات من المستحيل. إن أكبر خطر نعيشه اليوم هو أننا لم نعد قادرين على توقع ما يمكن أن يخفيه المستقبل وكما قال: «إننا نتوقع اللامتوقع». من كان بإمكانه أن يتنبأ بكارثة فوكوشيما، أو تسونامي، أو انهيار البورصة في وول ستريت... صحيح أن هناك بعض الأمور التي يمكن للعلم أن يساعدنا في توقعها، أن نحسب مثلًا معدل التزايد السكاني لبلد ما. لكن في المقابل هناك العديد من الأشياء التي تفاجئنا متحدية كل توقعاتنا. لقد انتهى ذلك الزمان الذي كنا نعتقد فيه أننا نمتلك وضوحاً تماماً بالعالم الذي نعيش فيه، وأننا متحكمون في مصيرنا. كل شيء يتغير اليوم بشكل غير متوقع: المناخ، السياسة، الاقتصاد، الحراك الاجتماعي.. يركز جاك أتالي أكثر على الشخصية بينما يركز إدغار موران على التغيرات الحضارية. بطريقة أخرى ما يهم إدغار موران هو كيف يمكنني أن أكون متيقناً من مستقبلي في عالم شديد التغير؟. إننا مضطرون للتكيف مع هذه الوضعيات الجديدة وإلى ابتكار فن تدبير الأزمات والمخاطر، ما دام أنه لا سبيل لمعالجتها معالجة جذرية. نحن في حاجة إلى أخلاقية جديدة تأخذ بعين الاعتبار ما سماه الفيلسوف الإسباني ميغيل دي أونا مونو: «الشعور المأساوي بالحياة» وهذا لا يعني تقبل المعطى والاستسلام للواقع، بل الفعل والحركة، تجريب طرائق متعددة وليس الاعتماد على منهجية واحدة كما هو الأمر مع ديكارت. باختصار بدل أن نركن للطمأنينة التي يمكن أن تمنحها لنا أوهام تنبؤاتنا بما يمكن أن يحدث في المستقبل، لنعمل - يقول موران دائما - على التكيف مع ما هو غير قابل للتوقع.

لنزرع حديقتنا ولكن بماذا؟
كتب فولتير روايته كانديد وهي الرواية التي تنتمي إلى مجال الديستوبيا أي الواقع المرير وغير المرغوب فيه « ضد اليوتوبيا» منهيا إياها بجملته الشهيرة: «يجب أن نزرع حديقتنا» ومعناه أنه علينا أن نهتم بما هو عملي بدل أن نخوض في الجدالات الفكرية الطويلة. أن نكون متفائلين من إمكانية تغيير الواقع. ولكن بماذا ينبغي أن نزرع هذه الحديقة؟ لا توجد اليوم أي دولة يمكن أن تقول عن نفسها أنها بمنأى عن هذه الأخطار فالفيروسات القاتلة أصبحت في كل مكان، ونظراً لضخامة شبكة المواصلات الجوية والبحرية والبرية يمكنها أن تصل في ظرف 24 ساعة إلى أقاصي الأرض. ظاهرة الإرهاب بدورها يمكن أن تضرب في كل بقاع المعمور، حتى بعض الدول القليلة التي لم تطلها هذه الظاهرة فهي على لائحة الإرهابيين مستقبلًا. أما مشاكل الاحتباس الحراري فهي لا تحتاج لتأشيرة حتى تعبر الحدود، نيويورك ولندن وطوكيو وغيرها من المناطق التي تنتمي للعالم المتقدم أصبحت مهددة بأن تصبح تحت الماء بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر. كل هذا كان بسبب زراعة ليست في محلها قمنا بها منذ القرن الثامن عشر.
لأول مرة يستشعر الجنس البشري بحدة «هشاشة الوجود» وقد بلغت درجتها القصوى. كل الأسباب المنذرة بانهيار الحضارة المعاصرة موجودة الآن بيننا، وهي حسب التحليل التي قدمها كل من جاريد دايموند وأزوالد شبينغلر وأولريش بيك التهديد البيئي والتوترات العسكرية والاضطرابات الاجتماعية إضافة إلى تغير العلاقات الدولية. مع ذلك يظل أهم عامل على عمق الأزمة التي نعيشها حالياًِ يكمن فيما سماه أولريش بيك ب « الإدراك الثقافي للمخاطر « بمعنى أن المثقفين حاليا يمارسون نوعاً من المعرفة الوديعة والأسئلة المهادنة في وصفهم لهذه الأزمة وفي تشخيصهم للمخاطر. إنهم لا يتحدثون سوى عن المخاطر القابلة للحساب والخاضعة للمنهج الإحصائي، مستبعدين تماماً التفكير في المخاطر الجذرية ذات الطابع القيامي. بالنسبة لمثل هذه التصورات لا توجد مخاطر سوى ما هو قابل للسيطرة والحسبان، وهذا هو ما يجعل المخاطر الفعلية تتجذر بعمق أمام أعين الجميع.
إننا نبحث اليوم سواء بشكل سري أو علني عن أفضل العوالم الممكنة، فوق المريخ أو في الكواكب الأخرى الشبيهة بالأرض Les EX planètes وهذا ليس عيبا في حد ذاته، ما عدا إذا ما تحول هكذا بحث إلى تدمير سري أو علني كذلك للعالم الفعلي الذي نعيش فيه، أي أمنا الأرض. لذلك وقبل أن نستصلح المريخ علينا أولا أن نستصلح طبيعتنا الحيوانية.
.................................
الهوامش
1 أوزفالد شبينغلر: تدهور الحضارة الغربية، ترجمة أحمد الشيباني، منشورات مكتبة الحياة، بيروت
2 Effondrement Comment les sociétés décident de leur disparition ou de.Jared Diamondleur survie: quelques leçons tirées de l’histoire ED Gllimard 2006
3 أولريش بيك: مجتمع المخاطر، بحثا عن الأمان المفقود. ترجمة علا عادل، هند إبراهيم، بسنت حسن. القاهرة، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2013
3 . ED Fayard 2015 Peut-on prévoir l›avenir؟.Jacques Attali