رأي الناس

البار الأصيل

تحرك صباحاً كعادته، صبّح على والدته، خرج إلى الشارع متفقداً أهل حيّه وجيرانه، انطلق إلى السوق لجلب متطلبات البيت اليومية، ولم ينس أثناء جولته هذي أن يسلم على هذا ويمازح ذاك، مداعباً صغيراً مبتسماً لآخرين، ذهب لفني السيارات لفحص سيارته وجلس جانباً منتظراً يطالع الصحف اليومية.
شعر بالتثاؤب، لكن بلا إخطار ولا سابق إنذار لم يكمل تثاؤبه أحس بأنه غير قادر على الكلام بل هناك أيضاً حركة غير طبيعية داخل رأسه، حاول أن يلفت نظر من يقوم بفحص سيارته، لكنه لم ينجح، لم يستطع تفسير ما يحدث له خلال هذه الثواني أو الدقائق. انطلق راكضاً بأقصى ما يستطيع من سرعة تجاه منزله القريب دفع الباب داخلاً ونطق باسم أخته التي رآها أمامه.
سرت في البيت حالة من الرعب والقلق والتوهان وعدم التصديق لما يحدث أمامهم، تغيرت ملامحه وبدأت حركة أطرافه تضعف كانت هناك محاولات إسعافية سريعة قبل التحرك به إلى طوارئ المستشفى، في الطريق وقبل الوصول إلى المستشفى بدأ استعادة بعض الوعي وكان كافياً لعودة قليل من الاطمئنان إلى مَن معه. بدأت رحلة التشخيص بكل معاناتها عبر عدد من المختصين، اتفقت كل التقارير على سبب المعاناة لكنهم لا يستطيعون تقديم العلاج.
خلال هذه الأيام القليلة كان المتفقدون بالمئات والسائلون مثلهم وأكثر، أما المشاركون عبر الوسائط فقد زاد عددهم على مجموع كل ما ذكر ناهيك عن عدد المكالمات الهاتفية. بعد البحث والمشورة تم التواصل مع الطبيب المعالج في الخارج عبر طبيب إنسان في الداخل له منّا كل الامتنان، وبدأت الرحلة، تيسرت الأمور تقابل المرافقون من الداخل والخارج في البلد المقصود للعلاج في زمن واحد بتدبير من الله قبل كل شيء.
رُفعت آلاف الأكف بالدعوات الصادقات له في أكثر من مسجد في أول جمعة غادر فيها لتلقي العلاج، ناهيك عن الدعاء له بالشفاء دبر كل صلاة، تكرر تخصيص الدعاء له في الجمعة الثانية في جميع مساجد الحي صبيحة العملية التي كللت بالنجاح، الدعاء له والكتابة عبر وسائط التواصل لم تتوقف وأصبحت لا تعد ولا تحصى، المكالمات الهاتفية قاربت الألف، الرسائل ألوف مؤلفة، هناك من أبدوا مواقف إيجابية تثير الدهشة وهم خارج الوطن، هناك من اهتزوا لما سمعوا فتواصلوا عقب عقدين أو أكثر من السنوات لم يلتقوا به خلالها، هناك من غيَّر مساره متوجهاً نحوه لملاقاته ومؤازرته. الوقفة هنا لماذا كل هذا؟ ومن هو ذا؟
هو مَن يؤدي جميع فروضه بالمسجد (حتى أنه ذكر أكثر من مرة معلقاً أنه أصبح لا يستطيع الصلاة دون جماعة)، هو البار بوالدته الباذل لإخوته، هو مَن أعطى دون مَنٍّ أو محاسبة، هو من يساعد بطلب أو من دون، هو من يعود المريض قريباً كان أم بعيداً، هو من يتبع الجنازة في جميع الأوقات والظروف، هو المرافق في الشدائد، هو المقصود في عمل الخير، هو المتتبع لأحوال من حوله صغيراً كان أم كبيراً، هو مَن يفرح الأطفال بهداياه، هو مَن يُجمع زملاؤه على أصالته، هو المكمل لما نقص والكمال لله وحده. إذن فهذي بتلك.. حفظك الله يا أخي.

نوال بشير محمد بشير - أبوظبي