دنيا

تراجع اللغة العربية

احتفلت مجموعة من المدارس بيوم اللغة العربية في الإمارات الذي يصادف 21 فبراير من كل سنة، وبالمناسبة تم إلقاء قصائد بهذه اللغة، وقدمت مسرحيات، وقدمت خطابات تتحدث عن لغتنا لغة القرآن، وحتى لا ينحصر الحفل في هذا اليوم فقط، ويكون حبيس الذكرى، تم توزيع قصص لإشراك الطلبة الصغار وتدريبهم على العملية القرائية، لتمكينهم من التهجية وامتلاك مفردات جميلة تغني رصيدهم المعرفي، وتكسبهم الأسلوب الجميل، كل ذلك يحسب لهذه المدارس، إذ اعتبر أولياء الأمور أنها خطوة مهمة لتحبيب الكتاب وجعله صديقاً للصغار، لكن الغريب في الأمر أن القصص التي وزعت على الأطفال أسلوبها ركيك جداً، الكثير منها لا يحمل أي رسائل للأطفال، بالإضافة لذلك فإن بعضها يحمل كلمات تنتمي للهجة العامية، وأظن أن هذا لن يقدم للصغير أي إفادة أو إضافة بقدر ما يفسد ذائقته الفنية.
كتبت عبارات صادمة في هذه القصص فمثلاً: كانت البقرة في الحقل، حتى ملأت “كرشها فبركت” على العشب، وفي قصة أخرى، قال كاتب في مطلع قصة لا تتجاوز كلماتها المئات، “شافت” القطة الفأر، وكلمات أخرى يصعب حصرها، نظراً لكثرتها وانتشارها على بقية القصص، ولا أعرف كيف تمر مثل هذه الكتابات ليد الطفل، رغم ما تحمله من فراغ في المعنى.
ـ اشتكت سيدة مسنة من عدم تداول اللغة العربية في كثير من الأماكن الحيوية، وتعذر تواصلها مع كثير من الجهات، فحين اتصلت بمستشفى لتحجز موعداً لزيارة الطبيب ردوا عليها باللغة الإنجليزية، وحين ذهبت للعيادة بعد استحالة الحديث، لم تجد أمامها إلا متحدثين باللغة نفسها، أما من يقصد متجراً كبيراً أو محال تعرض سلعاً من الماركات العالمية، فمن يسهر على سير البيع هم أجانب يؤثثون المكان، وكأنهم جزء من الوجاهة والفخامة، أما المعاملات فأغلبها بلغة غير العربية، تذاكر السفر باللغة الإنجليزية كشف البنك باللغة نفسها، الكشوفات والتقارير الطبية أيضاً، وغيرها كثير. وكأن اللغة العربية باتت عصية على التداول وتقف حاجزاً أمام التواصل.
ومازالت عقدة الغربي واحترامه ومحاولة التواصل معه تجعل البعض يطاول على لغة الآخر، يرددها في دقائق لينطقها إرضاء لمن يقف أمامه، يتدرج وجهه حمرة نتيجة تلعثمه في نطق بعض الكلمات العصية على لسانه، وكأن المسافة الفاصلة بين لغته وتلك مساحات ضائعة لم يستطع تطويعها، بينما الآخر يتحدث بلغته رغم كونه في بلد عربي، هذا التنازل عن اللغة العربية يعتبر تنازلاً عن الهوية العربية وتراجعاً عن القيم، وستظل هي الحامي الوحيد من الضياع في مجتمع يعرف تداخل الكثير من اللهجات التي تؤثر على السلامة الفكرية للصغار على الأخص، إذ تجد طفلاً يتحدث لغة مكسرة، مقتطفة من الخدم الذين تعاقبوا على رعايته، فالسبيل الوحيد الأقدر على تخطي تعدد اللهجات هو الاهتمام باللغة العربية، فهي المكون الرئيسي للهوية العربية.

lakbira.tounsi@admedia.ae