عربي ودولي

«آيريش تايمز»: نشر صور «تميم» في الدوحة لن يقلل مـن تأثير المقاطعـة

دينا محمود (لندن)

بالسعي لتنظيم حملات إعلامية محمومة تُكرس الهوس بشخصية حاكم البلاد، وعبر حشد المشاعر الوطنية بشكل غوغائي يصل إلى حد استغلال براءة الأطفال، يواجه النظام القطري عزلته الآخذة في التفاقم يوماً بعد يوم بعدما دخلت بالفعل شهرها الثامن، خلاصةٌ لا يصعب على المرء الخروج بها من مقالٍ للكاتب الآيرلندي مايكل فولي، تناول فيه مشاهداته في هذا البلد المعزول خليجياً وعربياً، بفعل تشبث حكامه بسياساتهم المُزعزعة للاستقرار والراعية للإرهاب والتطرف.
فـ«فولي» يستهل المقال الذي نشرته صحيفة «آيريش تايمز» الآيرلندية بتفسير أسباب اهتمام السلطات القطرية اللافت بنشر صور ورسوم لوجه أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد في مختلف أنحاء قطر، منذ أن فرضت الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب «السعودية والإمارات ومصر والبحرين» إجراءاتها الصارمة ضد نظامه في مطلع يونيو الماضي.
ويقول الكاتب الآيرلندي في هذا الشأن، إنه إذا كان نشر ثقافة «الهوس بالشخصية هو أمرٌ ضروري للحكام المستبدين للاحتفاظ بالسلطة، فليس للشيخ تميم.. ما يخشاه»، في إشارة واضحة إلى اتباع النظام القطري لكل أساليب الدعاية المفضوحة لإظهار تحلي حاكمه بشعبية زائفة بين مواطنيه، الذين أرهقتهم سياساته التي يتبعها.
ولتجسيد ملامح حملة الدعاية الهيستيرية التي تنظمها السلطات القطرية في هذا الصدد، يقول فولي: «من المستحيل أن تفوتك صورته (تميم) في الدوحة. فهو ينظر إليك من علٍ، وأنت في الصف الخاص بفحص جوازات السفر في صالة الوصول بالمطار، و(تلاحقك) كذلك في ساحة انتظار السيارات، حيث تُنقش ملامح وجهه المرسوم بالوضع الجانبي (بروفيل) على الجزء الخلفي من سيارات الدفع الرباعي بيضاء اللون، التي تشكل وسيلة التنقل المفضلة في قطر».
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالمقال يرسم صورةً لعاصمةٍ باتت أشبه بمعرضٍ مفتوحٍ لنسخٍ لا نهاية لها من رسمٍ يُظهر وجه أمير قطر باللونين الأبيض والأسود في كل مكان. ومن بين هذه الأماكن - كما يقول الكاتب - جدران «الفنادق من فئة النجوم الخمس، (كما) تُعلق هذه الرسوم على ارتفاع 100 متر على جدران المجمعات السكنية وفي مراكز التسوق، وعلى القمصان قصيرة الأكمام (تي شيرت)، وعلى الرايات والأكواب».
ولا تسلم أسواق الدوحة بدورها من هيستيريا الرسوم هذه، إذ يشير فولي إلى أنه لا يوجد في السوق شيءٌ «لا يحمل صورة الأمير مهما تواضع حاله»، وهي الصورة - أو بالأحرى الرسم - الذي يروي المقال، الذي نشرته «آيريش تايمز»، حكايته منذ رسمه رسامٌ ومنفذ إعلانات قطري مغمور يُدعى أحمد المعاضيد، واستغله النظام الحاكم في الدوحة في حملته الدعائية الغوغائية التي أطلقها منذ فرض التدابير الصارمة بحقه من قبل «الرباعي العربي»، لينشر تلك الصورة في كل مكان.
وفضح الكاتب الآيرلندي استغلال السلطات القطرية لبراءة الأطفال في محاولاتها لرسم صورة زائفة لشعبية مزعومة يحظى بها الشيخ تميم، موضحاً أن الأطفال في مدارس هذا البلد يُشجعون على كتابة تعليقات داعمة أو ذات طابع وطني على نسخٍ من هذا الرسم، مُثبتة على جدران مدارسهم.
وفي سياق استنكاره الضمني لمظاهر الوطنية المصنوعة والزائفة هذه، أشار فولي إلى ما حدث في اليوم الوطني لقطر الذي حل الشهر الماضي من إمعانٍ في انتهاك حقوق الصغار وتجييشهم بشكل حرفي، لإبداء تأييدهم لنظامٍ معزول، دون أن يكون لهم في ذلك ناقة أو جمل، إذ قال إنه «على مدار هذا اليوم سار الأطفال في زي موحد عسكري الطابع مع أولياء أمورهم، وخلفهم سارت مربياتهم الفلبينيات، وعليهن شارات تظهر صورة الأمير» كذلك.
وأضاف المقال أن اليوم الوطني لقطر شهد أيضاً عرضاً عسكرياً، كان الأكبر في تاريخ هذا البلد، بجانب عرضٍ هائل للألعاب النارية «كان يُمكن رؤيته من على كورنيش الدوحة».
لكن كل هذه المظاهر لا تحجب بطبيعة الحال الخسائر الفادحة التي يتكبدها النظام القطري، جراء استمرار المقاطعة المفروضة عليه لحمله على العودة إلى الصفين الخليجي والعربي. فـ«مايكل فولي» يقول في مقاله إن العزلة المضروبة على هذا النظام في الوقت الراهن تعني ارتفاع أسعار وارداته. ويستعرض في هذا الإطار الأضرار الاقتصادية الجسيمة، التي نجمت عن ذلك، مثل تلك التي حاقت بشركة الخطوط الجوية القطرية، التي يقول إنها «تعاني صعوبات، بعدما أصبحت رحلاتها إلى أفريقيا تستغرق وقتاً أطول لكونها تتجنب المجال الجوي السعودي». كما يشير إلى أن الشركة «فقدت 18 وجهة سفر مهمة».
ولتجسيد حجم المأزق الذي تعانيه قطر منذ منتصف العام الماضي، يبرز مايكل فولي حقيقة أنها كانت دولة تستورد غالبية السلع التي تحتاج إليها من السعودية، وهو ما أدى لاختفاء الكثير من هذه السلع من على أرفف المتاجر بعد بدء سريان التدابير الصارمة المُتخذة من جانب الرباعي. ولكنه يلفت الانتباه هنا بالطبع إلى الدور المشبوه الذي تلعبه تركيا في مد النظام القطري باحتياجاته منذ الأيام الأولى للمقاطعة.
ويتطرق مقال فولي إلى الأسباب التي حدت بـ«الرباعي العربي» إلى التحرك بشكل جاد ضد حكام الدوحة، قائلاً إن من بينها دعم هذا النظام للإرهاب، ولكنه يرى أن العامل الأهم يتمثل في العلاقات التي تربط بين النظام القطري ونظام الملالي الحاكم في إيران، والذي يشير إلى أنه «الخصم الإقليمي الأكبر للسعودية ومحور تركيز سياستها الخارجية».
ويستعرض الكاتب الآيرلندي بعض المطالب المُحقة التي طُرِحت على نظام تميم من أجل إنهاء المقاطعة المفروضة عليه، وهي المطالب التي زعمت وزارة الخارجية القطرية أنها شروط يعني قبولها التخلي عن سياسة البلاد.
ويركز المقال على الشرط الخاص بقناة «الجزيرة» القطرية، التي تشكل بوقاً لدعاة العنف والكراهية وقادة التنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط. ويقول في هذا الصدد، إن وجود هذه القناة «منح قطر صورة ليبرالية بشكل أكبر»، ولكنه يؤكد أن «الجزيرة» لم تهتم بأنباء «قطر نفسها، حيث توجد رقابة قمعية» على وسائل الإعلام.
ولا يكتفي المقال بذلك، بل يشير إلى أن هناك موضوعاتٍ يُحظر على وسائل الإعلام القطرية تناولها من الأصل، مثل تلك المتعلقة بـ«أنشطة الحكومة وعائلة الأمير»، وهو ما يثبت كذب المزاعم التي تروجها السلطات الحاكمة في الدوحة عن احترامها لحرية التعبير والإعلام.
وفي مؤشرٍ كاشف في هذا السياق، يبرز فولي أن قطر «ورغم وجود الجزيرة (على أراضيها) تحتل المركز المئة وثلاثة وعشرين على مؤشر حرية الصحافة في العالم»، متأخرةً عن دولة الإمارات مثلاً، دون أن تتقدم سوى على دولٍ أفريقية يشتد فيها الخناق كثيراً على حرية التعبير مثل أنجولا وزيمبابوي.