دنيا

معرض «الخريف 31» يزاوج بين بصمات الشرق وتقنيات الغرب

الرسام محمد سعد أمام لوحته «طاولة الحوار» (تصوير عزيز طاهر)

الرسام محمد سعد أمام لوحته «طاولة الحوار» (تصوير عزيز طاهر)

تظاهرة ثقافية فنية شهدتها العاصمة بيروت، كان محورها معرض الخريف الحادي والثلاثين، الذي أقيم في متحف «نقولا إبراهيم سرسق»، إذ احتفت المناسبة بمعروضات ولوحات بلغ عددها 465 عملاً، لـ229 فناناً، تم اختيار 120 عملاً لـ98 فناناً. وشكل معرض الخريف رمزاً وإبداعاً في اللوحات والأعمال والمنحوتات والصور المعروضة لناحية الوعي والذاكرة والصدق والموضوعية.

معرض الخريف، الذي أقيم مؤخرا في العاصمة بيروت، جمع بصمات فنية وتشكيلية لفنانين محترفين وهواة، ولخص أيضاً مراحل الهواية واليقظة والنهضة، حيث التقت هذه الوحدة في التيارات الجمالية، ضمن الانطباعات الكلاسيكية والرومانسية، وصولاً إلى الفن الاستشراقي. فالزائر يرى في اللوحات والأعمال المعروضة، وحدة ثقافية تخضع لأنماط متعددة يستطيع بسهولة قراءة التيارات الفنية في الحركة التشكيلية نفسها.
الواقع المعاش
تمثلت المناسبة بلوحات حملت في مكنوناتها، مفاهيم الذاكرة الإنسانية والوجدانية التي لا تحتاج إلى وسيط، لأن الأعمال المعروضة دخلت وجدان الحضور بامتياز لوحات صامتة، وأعمال فنية ولقطات فوتوغرافية تحدثت عن الواقع المعاش. إضافة إلى معروضات كانت بأفكارها بسيطة جداً، يقرأها الطفل في هذه الأيام، وتحرك العامل وتثير المثقف، فيها من البلاغة في الإبحار، وفيها من الجرأة والوضوح والبساطة والعمق، حتى يمكن القول إنها السهل الممتنع.
بعض الفنانين المشاركين في معرض الخريف الحادي والثلاثين قالوا إن بعض أحلامهم المتواضعة، تحققت، والأمل إقامة نشاطات أخرى، تضم إبداعات لجميع الفنانين، وما زال الأمل يكبر وينمو ويزداد توهجاً وعطاء. ولا عجب في أن بعض الأعمال التصقت بمفاهيم الأوصال الوجدانية والإنسانية، بشكل حملت تواقيع المشاركين جميعاً.
في هذا الإطار، تقول المشرفة على المعرض سيلفيا عجميان إن اللجنة التحكيمية لمعرض الخريف الـ31، اجتمعت في صالة «مركز بيروت للمعارض»، برئاسة النقيب عاصم سلام، وعضوية كل من مهى سلطان وسمصير الصايغ، وجوزيف طراب، وعادل قديح. وبعد أربع جولات على 465 عملاً لـ229 فناناً، تم اختيار 120 عملاً، من 98 فناناً، وبعد التداول، منحت اللجنة الجوائز لكل من:
1- جائزة متحف سرسق: لعمل الفنان رافي توكاتليان.
2- جائزة الفنانين الشباب المبدعين، لعمل الفنانة ريّا مازجي.
3- جائزة لجنة التحكيم بالتساوي، لعمل
بانوراما تشكيلية
الفنان جو كسرواني ولعمل الفنان محمد سعد.
تقول عجيمان «أسماء معروفة وأخرى قيمة، وأصحاب مواهب يشاركون للمرة الأولى في معارض تشكيلية، والبارز هنا ان الهواة الشباب تباينت الرؤى لديهم مثل اتجاهات الفنانين الكبار في مشاربهم ومدارسهم الفنية شكلاً ومضموناً، لنرى «بانوراما» تشكيلية أبدعتها أيادي جميع الفنانين المشاركين في أروقة المعرض، ولعله انتصار كبير لمعرض في أن ينضم إلى نتاج الفنانين العارضين صوراً ولقطات صحافية لبعض المصورين الإعلاميين، التي شدت الزائر في تعابيرها، فتواصل معها على صفحات الصحف والجرائد محملة بمعاني الإنسانية، ومشحونة بصدق وعدالة أي قضية.
داخل المعرض، ينتقل المشاهد إلى ظاهرة اللوحة ليقرأ الخصائص التراثية، في عدد من العناصر والصفات الفنية، وإذا كان ثمة قلق في هذه القراءة، فربما يعود إلى أنها المرة الأولى التي يجد فيها الزائر ما يرضي نهمه الفني والثقافي في عمق تراثي، يلتقي مع استخدام التقنيات والأساليب الغربية.
إضافة إلى عناصر وخصائص تعود إلى مبدأ الوحدة والتنوع، الذي يرسي مقياساً عاماً لقراءة الأثر التراثي في اللوحة العربية المعاصرة، وهذا ما يميز اللوحات عن غيرها، حتى وإن دخلت فيها التقنيات الغربية، ذلك أن ثمة روحية خاصة، نفس عربي ومنظر عربي متميز عن أي مشهد مشابه، ويمكن ملاحظة ذلك في اللوحات الطبيعية والتجريدية الصامتة.
إبراز الشيئية
في المشاهد الأولى لمعرض «الخريف»، لوحات لمي عبود ولوحتها «الشعب يريد» وهي من السيراميك ونالت تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم. كذلك الأمر بالنسبة لمنحوتة ليلى جريديني التي وقعت عليها تحت اسم بندق. ومنظر بيروت لجو كسرواني ذات التصوير الفوتوغرافي.
أما ريا مازاجي التي نالت جائزة الفنانين الشباب المبدعين فقدمت عملها من دون عنوان، لكنه حمل شغل الفحم على القماش. وبقيت منحوتات رافي توكتليان المشغولة من البرونز تحت اسم الكتل البركانية، محط إعجاب لجنة التحكيم، حيث إنها فازت بجائزة متحف سرسق. واتسمت المعروضات بإبراز شيئية الأشياء على نحو غير متوقع، كتصوير لعمل نحتي في «رجل الزهرة» لجومانا وجيسيكا بونجة، أو في نزعة توليفية بين التجريد والخيالية. وليس مصادفة أن يأتي الوعي الفني للزمن المعيش بكل عواصفه وأزماته، مترافقاً، في عصر الاتصالات، مع عودة التشخيصية المحملة بالنقد السياسي والرغبات المكبوتة، خصوصاً بالنسبة إلى جيل الشباب. فمن تعقيدات الواقع المحلي المحفوف بالأخطار، يأتي حلم محمد سعد في تحقيق طاولة حوار لبنانية. والسياسة تحاكيها رقعة شطرنج في عمل تجهيزي بعنوان «هذه ليست لعبة» لسمر مغربل.
عواصف لونية
ويأتي «الربيع العربي» عنواناً للأيقونية المعاصرة في تركيب لفيصل سلطان يندرج ضمن فن المفهوم، يسلط فيه الضوء على رجل يحتضن طفله الصريع وسط عصافير معلقة ترمز إلى اغتيال الطفولة، إضافة إلى رمز الخنجر اليمني والموتيفات الزخرفية المعلقة على إطار اللوحة والتي تدلّ إلى الدول الخمس التي ما زالت تشهد صراعاً دموياً من أجل الحرية. تضعنا تعبيرية لوحة محمد عزيزة أمام عواصف لونية متلاطمة كأنها لحظة الهلع عند انتشال رجل مصاب قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، في حين يقدم جوزف حرب عملاً من جزأين عن الإبادة الجماعية. وعلى مهل وبهدوء يفكر محمد الرواس في صوغ مزيج من الماضي والحاضر، ضمن مناخ الفن التجميعي، حيث يدمج في واجهاته المؤطرة بالزجاج بين هيئات العسكر لمعلّمين كبار في تاريخ الفن الأوروبي مع صورة معاصرة لجندي مسلح، ويضفي الدعابة على مشهديته، من خلال الدمى الجاهزة جنباً إلى جنب مع آلات حربية خيالية مصنوعة يدوياً، في عمل حمل اسم «سقوط النظام».
والفن هو فكرة مهما تفاوتت مستويات التنفيذ، على نحو ما ظهر في تركيب لندى صحناوي يظهر كومة «سجائر لم يتسن الوقت لماريو سابا أن يدخنها» كتحية لروح الفنان سابا الذي توفي قبل أشهر وكان آخر اشتراك له في معرض «الولادة من جديد» في مركز بيروت للمعارض. على هامش المعرض، كانت أسئلة وآراء لبعض الفنانين التشكيليين الذين أبدوا ملاحظات إعجاب لنتاجات أعمال الشباب المبدعين، مع طروحات تتعلق بمستقبل الحركة التشكيلية خصوصاً العربية، من ضمن منطلقات الحركة التشكيلية خصوصاً العربية، منطلقات الإحالة والمعاصرة، بل من ضمن المشكلة الأبرز، العودة إلى التراث الذي هو عودة إلى الهوية. ويقول سامر يازجي إن الأعمال المعروضة جمعت الحركة اللولبية والنظام الهندسي، وهذا ما جعل منها خصائص تراثية، إلى جانب نتاجات فيها بصمات الفن الشرقي واللوحات العربية المعاصرة التي تلتقي مع هذه الخصائص، بالرغم من استخدامها التقنيات والأساليب الغربية في بعض أعمالها. وفي قراءة لهذا الواقع، يرى اليازجي أن صراع الفنان بين الأخذ من جهة بالتقنية وعدم الابتعاد عن الهوية سيزداد ويستمر، لكن محاولات تأكيد الهوية هي التي ستصمد.