تقارير

مؤتمر «أصدقاء سوريا»... ورهان تكثيف الضغط

اتفق الزعماء الدوليون الذين اجتمعوا هنا في تونس يوم أول من أمس (الجمعة) على مخطط موحد للضغط على دمشق يأملون أن يضع حدّاً لحملة نظام الأسد الدموية ضد المدنيين السوريين، وحمله على التنحي والتسريع بإجراءات نقل السلطة، ولكنهم لم يذهبوا أيضاً إلى حد الاتفاق على تقديم مساعدة عسكرية للمعارضة السورية. وفي هذا السياق، اتفق المؤتمر الذي سمي بمؤتمر "أصدقاء سوريا" على تشديد العقوبات ضد الأسد وحكومته، ودعا الأمم المتحدة إلى تجهيز قوة لحفظ السلام في أفق إرسالها إلى هناك، إلى جانب ضرورة تأمين مساعدات دولية ضخمة لإعادة الإعمار حينما يتوقف العنف الحالي وربما يتنحى الأسد عن السلطة أيضاً.
وبعد مرور عام تقريباً على الانتفاضة الشعبية التي حصدت أرواح 6 آلاف سوري، عكس غياب الاتفاق على تدابير أشد تخوفاً بشأن عسكرة نزاع يخشى البعض أن يؤدي إلى اندلاع حرب أوسع في قلب الشرق الأوسط. وقد أتى الاجتماع في وقت قال فيه أوباما في واشنطن إن الولايات المتحدة وحلفاءها سيبحثون "كل الوسائل المتاحة" من أجل وقف أعمال القتل في سوريا، وهي واحدة من أقوى الكلمات التي استعملها خلال هذه الأزمة. ومن جانبها، قالت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون للمجتمعين: "إننا لا نستطيع الانتظار حتى تتحول هذه الأزمة إلى كارثة أكبر".
ولكن رغم دعواتهم إلى إنهاء "فوري" للقصف الحكومي لمدينة حمص ومعاقل أخرى للمعارضة من أجل السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى البلاد بشكل آمن، إلا أن جل المشاركين هنا كانوا مدركين لحقيقة أن تحركاتهم قد لا تتكشف عن نتائج فورية ملموسة. كما أن التنديد الموحد بالأسد حجب خلافاً في المؤتمر الذي جرى وراء أبواب مغلقة بشأن ما إن كان ينبغي تسليح قوات المعارضة السورية أم لا. فحين سُئل حول ما إن كان يفضل تزويد "الجيش السوري الحر" المؤلف بالأساس من منشقين عسكريين سوريين، أجاب وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل قائلاً: "أعتقد أنها فكرة ممتازة". وقد تحدث الفيصل إلى الصحفيين لدى دخوله إلى اجتماع خاص مع كلينتون. ولكن وزير الخارجية التونسي رفيق عبدالسلام، مستضيف المؤتمر، لفت إلى أن البيان الختامي للمؤتمر لا يتضمن أي إشارة إلى مساعدة عسكرية أو تدخل خارجي إذ قال: "من المهم أن تكون ثمة عملية آمنة لانتقال السلطة"، مشدداً على معارضة حكومته للمساعدة العسكرية حيث قال: "إننا لا نريدها أن تنزلق إلى حرب أهلية بأي شكل".
واللافت أن الوزيرة كلينتون استعملت لغة غير دبلوماسية قوية للتنديد بدعم روسيا لنظام الأسد واستعمالها هذا الشهر لـ"الفيتو" إلى جانب الصين ضد قرار لمجلس الأمن الدولي يدعوه إلى التنحي. وقالت كلينتون في هذا الصدد: "إنه أمر دنيء بكل بساطة"، مضيفة "وأتساءل، إلى أي صف يقفون؟ من الواضح أنهم لا يقفون إلى جانب الشعب السوري".
وفي هذه الأثناء، عرفت مواقف إدارة أوباما تحولاً في أعقاب التصلب الروسي ووسط استمرار ارتفاع حصيلة القتلى في صفوف المدنيين في سوريا بعد مرور نحو عام على بدء الانتفاضة الشعبية. فنظراً لمقاطع الفيديو والتقارير الصحفية حول المذبحة التي اكتسحت وسائل الإعلام الدولية، ووفاة صحفيين مشهورين أثناء محاولتهم نقل حقيقة ما يجري إلى العالم الخارجي، أصبحت سوريا أيضاً موضوعاً في حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية.
وهذا الأسبوع، انتقلت إدارة أوباما من التشديد على أن من شأن تقديم مساعدة عسكرية للمعارضة أن يشكل خطأ، إلى التحذير من "تدابير إضافية" في حال لم يذعن الأسد. وفي هذا الإطار، قالت كلينتون في لندن يوم الخميس الماضي إن العناصر المسلحة من المعارضة "ستصبح قادرة على نحو متزايد" على شن هجمات ضد القوات العسكرية الحكومية.
وقد حضر اجتماع تونس ممثلون عن 70 بلداً، وتحدث خلاله بعض المشاركين عن دروس تم تعلمها خلال الاحداث التي أكملت عامها الأول وتم فيها خلع أربعة زعماء عرب، حكموا بلدانهم مدداً طويلة، عن السلطة في ظروف مختلفة تماماً، من بينهم الزعيم التونسي السابق بن علي. وقال دبلوماسي إن المؤتمر شكل على الأقل خطوة كبيرة نحو وضع المجتمع الدولي في موقف يتيح له التوصل إلى اتفاق سريع حول مزيد من الخطوات في حال أصبح ذلك ضروريّاً.
وقالت كلينتون: "إن المرء لا يستطيع فقدان تصميمه أو صبره"، محذرةً من أنه "سيكون ثمة مزيد من أعمال القتل قبل أن يرحل (الأسد) أخيراً". وأضافت قائلة إن على "أصدقاء" السوريين أن "يحافظوا على تركيزهم... وعلى الأمور التي اتفقنا حولها" في المؤتمر، مثل زيادة الضغط الدولي على الأسد ومن يدعمونه.
وقد وصف مسؤولون من إدارة أوباما اللغة القوية التي استعملتها كلينتون خلال الأيام الأخيرة باعتبارها مفيدة من أجل زيادة الضغط على الأسد. ولكنهم أوضحوا في الوقت نفسه أن الخطوات نحو تسليح المعارضة من المرجح أن تتحول إلى واقع ملموس في حال لم يذعن الزعيم السوري.
وعلى رغم أنه لا يتم إرسال أي شحنات أسلحة رسمية إلى الثوار -ولا يُعرف عن أي حكومة تفضيلها لتدخل مباشر من قبل قوات عسكرية خارجية- إلا أنه من المعروف عن عدد من البلدان في المنطقة قيامها بتسهيل وصول الإمدادات وتخطيطها لتقديم مساعدة مباشرة ممكنة.
هذا وعقدت كلينتون اجتماعاً خاصاً مع برهان غليون، رئيس المجلس الوطني السوري المعارض، الذي مُنح مقعداً حول طاولة اجتماع تونس؛ غير أن مسؤولين أميركيين، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، لم يخفوا قلقهم لكون المجلس الوطني السوري الذي يقوده معارضون منفيون في الغالب فشل حتى الآن في كسب ثقة الأقليات التي تخاف على مصالحها في مرحلة ما بعد الأسد.

كارين دييانج - تونس

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس"