تقارير

عندما يغيب القط الديمقراطية الأميركية.. و«ربيع الرجال الأقوياء»

عندما يغيب القط فإن الأمر المؤكد هو أن الفئران ستمرح. وما على المرء سوى النظر إلى القرار الذي اتخذه الحزب الشيوعي الصيني، الأحد الماضي، بإلغاء الحد الأعلى لفترة الولاية الرئاسية في البلاد، وهو ما سيمكن الرئيس «شي جين بينج» من البقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى، كي يدرك بجلاء أن الوقت الراهن، هو ربيع الرجال الأقوياء، وأن لا أحد بات يعنيه ما تعتقده الولايات المتحدة حيال ذلك.
فأن يكون الرجل القوي «رئيساً» أو «رئيس وزراء» بات شيئاً بالياً يعود إلى عهود سابقة. فالآن نجد أن فلاديمير بوتين يريد أن يكون قيصراً لروسيا، وليس رئيساً. ورجب طيب أردوغان يريد أن يكون خليفة، وليس رئيساً. وفيكتور أوربان في المجر يريد أن يكون ملكاً وليس رئيساً للوزراء. وعلي خامنئي في إيران يملك بالفعل لقب المرشد الأعلى، ومصمم على التشبث به. فالوقت الراهن هو موسم ربيع الرجال الأقوياء.
ذات مرة قال مارتن لوثر كينج إن «قوس الكون الأخلاقي طويل، ولكنه يميل نحو العدالة». إذا ما كان الأمر كذلك حقاً، فإن ما نراه أمامنا الآن هو أن هذا القوس يبدو وكأنه يأخذ انعطافة في اتجاه آخر في بعض الدول الكبيرة المهمة حقاً. فالشاهد الآن هو أن قوس التاريخ «يبدو أقل ميلاً نحو العدالة والحرية، وأكثر ميلاً نحو ما كان سائداً في الثلاثينيات»، كما يقول مايكل ماندلباوم، مؤلف كتاب «فشل المهمة: أميركا والعالم في عصر ما بعد الحرب الباردة».
على الرغم من أن ذلك قد يبدو مغرياً، فإنني لا أستطيع أن ألقي باللائمة في هذا الاتجاه على دونالد ترامب وحده؛ وذلك على الرغم من حقيقة أنه ليس فقط يشعر بالراحة مع الرجال الأقوياء الأجانب، وإنما في حالة كل من بوتين و«شي» تحديداً، يشعر أمامهما بالرهبة، بل وربما الحسد أيضاً.
في الحقيقة، إنك إذا كنت سترسم خريطة، مثل تلك التي ترسمها صحيفة الـ«نيويوركر» للعالم من منظور ترامب، فإن هذه الخريطة سوف تُظهر برج ترامب، والبيت الأبيض ومنتجع «مار- آيه لارجو» الشهير متجمعين على جانب واحد من الجدار، وفيما وراء هذا الجدار، لن ترى فقط سوى ملاعب الجولف التي تحمل علامة ترامب، والبلدان التي فازت في مسابقة ملكة جمال الكون عندما كان ترامب يديرها، والأوليجاركيون الأجانب الذين قاموا بتمويل مؤسسة ترامب، وأعلام تدل على كوريا الشمالية، وسفارة الولايات المتحدة في القدس. أما كل شيء آخر، فسيكون عبارة عن بقع متناثرة، تتجمع فيها النفايات.
ولكن الحق يجب أن يُقال، مع ذلك: فترامب في واقع الأمر يعكس شعوراً واسع النطاق، بالإنهاك الذي تشعر به البلاد بشأن مواصلة الجهد الرامي لتعزيز الديمقراطية. حول هذه النقطة يقول ماندلباوم، مؤرخ السياسة الخارجية للولايات المتحدة، «بدأ هذا الشعور بعد 11 سبتمبر، عندما تورط بوش في العراق وأفغانستان، ثم جاءت الأزمة المالية الكبيرة في عام 2008 لتفاقم منه. فقد اعتقد أوباما أن أميركا والشرق الأوسط سيكونان أفضل حالاً إذا سحبنا قواتنا الموجودة هناك. ثم جاء بعد ذلك افتتان ترامب الذي لا معنى له، وميله للحكم على القادة الأجانب، ليس على أساس رعايتهم لحقوق الإنسان، أو دعمهم للديمقراطية، أو حتى دعمهم لأميركا، وإنما على مدى إشادتهم به».
فما على الزعماء الأجانب، سوى أن يفرشوا السجادة الحمراء لترامب وبعد ذلك يمكنهم القبض على العدد الذي يريدون من المتظاهرين المنادين بالديمقراطية.
في الوقت نفسه، دعوني أتساءل: من الذي ينظر إلى ديمقراطيتنا اليوم كنموذج يحتذى؟ فخوض السباق للبيت الأبيض لدينا بات يحتاج إلى مليار دولار، والكونغرس تحول إلى منتدى للرشوة المقننة، والرئيس تفوه بما يقرب من 2000 كذبة وتصريح مضلل منذ توليه منصبه - وحزبه لا يهتم بذلك – والجماعات المنحازة لحمل الأسلحة ترتهن الكونجرس لمصالحها، والتقسيم الجائر للدوائر الانتخابية باستخدام الكمبيوتر، يمكن المرشحين من اختيار الناخبين وليس العكس.
ليس هذا فحسب، بل أصبحت لدينا شبكة إخبارية تديرها الدولة هي «فوكس نيوز» التي تخاطب رئيسنا بعبارة «الزعيم العزيز» - بنفس الطريقة التي تفعل بها صحيفة «الشعب» الصينية اليومية ذلك مع الرئيس الصيني. هل هذا هو النموذج الديمقراطي الذي يدفع المتظاهرين للوقوف بأجسامهم أمام الدبابات من أجل استيراده؟
وهناك اتجاهات أخرى سائدة في مجال السياسة الخارجية الأميركية أيضا. الأول، هو السعي لتحقيق الاستقرار. ففي أماكن مثل روسيا وإيران ودول أخرى في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، يتأمل الناس ثوراتهم الديمقراطية الأخيرة الفاشلة؛ أو ينظرون إلى الفوضى «الهوبزية»، التي جاءت في أعقابها في سوريا وليبيا، ويتذكرون مثلا عربياً شائعاً يقول: «مئة عام من الطغيان أفضل من يوم واحد من الفوضى». وقد أصبح الرجال الأقوياء في جميع هذه الأماكن بارعين للغاية في اللعب على وتر المخاوف الشعبية، من تكرار حالة عدم الاستقرار أو الفوضى.
وبالإضافة إلى ذلك، أدى مزيج من التغير المناخي، وانهيار الحكم في مناطق من الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية، إلى زيادة عدد اللاجئين الهائمين على وجوهم في جميع أنحاء العالم اليوم، بمعدل أكبر بكثير من أي وقت سبق منذ الحرب العالمية الثانية. وهؤلاء اللاجئون جميعاً يحاولون الخروج من «عالم الاضطراب» إلى «عالم النظام».
وقد ثبت بالدليل القاطع، أن تدفقات اللاجئين هذه كانت مفيدة لجميع هؤلاء الرجال الأقوياء، الذين يجمعون في نهجهم بين نوع من القومية العدوانية ذات الحتمية التاريخية، التي لسان حالها يقول: (أنا فقط الذي أستطيع العودة ببلدنا إلى مكانها الصحيح في العالم)، مع دفاع شرس عن الحدود الوطنية. وهذا النهج يؤدي لتشديد قبضتهم على السلطة، وعلى حدودهم بلادهم، وحرف الانتباه عما يربحونه هم وأتباعهم المقربين من مكاسب.
وفي الوقت نفسه، جاءت التغيرات التي حدثت في أماكن العمل، وفي مجال الأعراف الاجتماعية، سريعة جداً، بالنسبة لبعض الناس، الذين يبحثون عن قادة قادرين على إقامة الجدار الذي يمكن أن يوقف رياح التغيير، وإعادة الأمور إلى وضع شبيه بما كان سائداً في خمسينيات القرن الماضي.
وأخيرا، هناك التكنولوجيا. فقد كانت التكنولوجيا رائعة حقاً عندما استخدمت في تعبئة المتظاهرين في الميادين، كما كانت رائعة للأوتوقراطيين الذين استخدموها في تقنيات التعرف على ملاح الوجه، والتجسس الإلكتروني، والتنقيب عن البيانات من أجل ملاحقة أكثر كفاءة، واعتقال وإسكات لكل من ينطق بشيء ضدهم.
في المدى الطويل، مازال الأمل يحدوني أن هذه المرحلة ستمر، وأن الاستقرار، وخطاب الخوف الذي يقدمه هؤلاء الرجال الأقوياء سيثبت زيفه في نهاية المطاف، وأن التدفق الحر للأفكار والناس، والتناوب المنتظم على السلطة، ستثبت جميعها أنها وسائل أكثر سمواً لتحقيق الخير الكبير. بيد أن ذلك لن يحدث، ما لم نؤكد من جديد صلاحية هذه الوسائل هنا في أميركا. ولكن المشكلة هي أن هذا ليس هو الحال اليوم. فالقط قد غاب لسبب.. وهو أنه فُقد.

*كاتب أميركي حاصل على جائزة بوليتزر
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»