تقارير

بداية الإصلاح

أصدرت لجنة التحقيقات المستقلة في البحرين، وهي هيئة مستقلة تأسست بهدف توثيق العنف ضد المتظاهرين الذين نادوا بالإصلاحات خلال الربيع الماضي، وتقديم توصيات للسياسات الحكومية المستقبلية، أصدرت تقريرها قبل شهرين. ويُظهِر التقرير أن الحكومة استخدمت ممارسات زائدة لكبح جماح المتظاهرين، بما فيها انتهاكات مؤلمة وقاتلة أحياناً.
وقد اعترف الملك حمد بن عيسى آل خليفة بهذه المأساة، وبدأت عملية تحديد القائمين بها ومقاضاتهم، كما نادى الملك بإصلاحات تشكّل خطوات ضرورية.
وقد ملأتني المواجهات المأساوية بين المتظاهرين وقوات الأمن خلال السنة الماضية، ومعي مواطني البحرين، بالحزن والأسى. وتركت حملات فرض الأمن والنظام عشرات المتظاهرين قتلى، وأعداداً من الجرحى، بينما خضعت أعداد أخرى للتحقيق أثناء وجودها في السجن.
كبحريني قضى حياته بكاملها في بلده، أؤمن بأن أفضل أسلوب لتذكّر هذه المأساة وإصلاحها هو أن يشكل السكان والحكومة معاً إستراتيجية جديدة للتعاون، وتحقيق إصلاحات سياسية واجتماعية ذات معنى، تقوّي الدولة من خلال تمكين كافة مواطنيها.
وقد تسببت العديد من العوامل بهذه الاحتجاجات. نشأ بعضها من خارج الدولة، ونشأ بعضها من الداخل. فبعض المتظاهرين أطلقوا دعوات على نسق الدعوات المصرية والتونسية، بينما أعرب البعض الآخر عن شكاوى وتظلمات محددة يمكن إصلاحها بشكل اعتيادي دون ثورة، كما كان الحال في كل من الأردن والمغرب.
وتماثل هذه الاهتمامات القلقة تلك التي يتشارك فيها السكان في معظم أنحاء المنطقة: الفساد في أوساط النخب، وانعدام المساواة في الفرص الاقتصادية، وغياب الضوابط والموازين بين السلطات التنفيذية والقضائية و"التشريعية".
ويوجد في بلدنا الصغير الذي يبلغ عدد سكانه نحو مليون ومئتي ألف نسمة، سكان أصليون يزيد عدد المسلمين الشيعة بينهم على عدد المسلمين السنة. إلا أن ذلك وحده لا يفسر عدم رضا الشعب، فهناك شيعة يتمتعون بالثروة والسلطة، كما يوجد سنة يعانون من الفقر والاستثناء.
وحتى يتسنى إصلاح هذه الأخطاء بأسلوب عادل، تحتاج كل من المؤسسات الحكومية وهذه القوى التي تسعى لتحقيق التغيير لأن يتخذوا خطوات إلى الأمام. وربما يتعين أن تشجع الملكية بدورها، قيام نظام من الضوابط والموازين يحقق البرلمان المنتخب القائم من خلالها سلطةً أعظم، ويكتسب القضاء استقلاله الضروري عن كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية. ومن الحكمة كذلك أن ترعى الملكية إنشاء هيئة تكافح الفساد وتملك سلطات مستقلة للتحقيق والتقصي.
وحتى يتسنى لهذه الإجراءات أن تسير وتتقدم بنجاح، يحتاج الجمهور لأن يلعب دوره كذلك. ويتوجب على المواطنين إشراك ممثليهم المنتخبين بنشاط، وتطوير حملاتهم الخاصة للدفع باتجاه إدراج شكاواهم ضمن إطار النظام القانوني. كما أن محاكمنا لم تتم تجربتها بشكل كافٍ من قبل الجمهور كوسيلة للإصلاح. ومن الأساسي أن يبـدأ الأفراد بالاستفـادة من نظام المحاكم.
وإذا ما أخذنا بالاعتبار بنية جديدة، تشجع فيها الملكية مساواة أعظم من خلال المؤسسات الحكومية القائمة، ويسعى إليها البحرينيون المهمّشون، ينبغي أن تعزز جميع النخب في البلاد مصداقية هذه المؤسسات والأنظمة من خلال إجراءات خاصة بها.
ومن المتفق عليه بشكل واسع أنه يتوجب إنهاء أشكال العنف والاعتقالات غير القضائية التي حدثت أثناء المواجهات. وفي الوقت نفسه ينبغي وقف أشكال العنف الجماعي المحفّز سياسياً الذي تبع المواجهات.
ويتعرض النظام القانوني للإفشال عندما ينجو المجرمون من الإجراءات القضائية، وكذلك يفشل عندما يُحرم الأفراد الأبرياء من فرص محاكمات عادلة. وفي الوقت الذي يتحول فيه السكان بشكل جماعي إلى مشرّعين ومحاكم للمطالبة بحقوق متساوية، بغض النظر عن توجهاتهم الدينية أو انتماءاتهم الطائفية، يتوجب على أعضاء نخب الأعمال في البحرين تشجيع بعضهم بعضاً على الخضوع لسيادة القانون ومبدأ المساءلة المتساوية. نحن بحاجة لصحافة كاملة في النضال ضد الفساد والمحاباة.
وربما تكون مفاهيم الإصلاح هذه مجرد البداية في عملية طويلة ومعقدة لن تحصل بين ليلة وضحاها. وفي هذه الأثناء، ليبدأ الحوار، والخطوات الأولى.


د. عبدالله المدني
ينشر بترتيب مع خدمة «كومون جراوند» الإخبارية