تقارير

«إنقاذ اليونان»: رهانات النجاح ومخاطر الفشل

رُوج لخطة الإنقاذ التي صودق عليها يوم الثلاثاء الماضي على أنها فرصة لانتشال اليونان من براثن الإفلاس المحدق بها، لكن هل تنجح هذه الجهود المبذولة في إخراج اليونان من أزمتها نهائياً؟ مهما وصلت حدة الخفض في الإنقاق التي بلغت أصلاً مدى كبيراً، فإن اليونان لا تزال في بداية طريق طويل وقاس من برنامج إصلاحي يتعين عليها سلوكه، وسيكبد الشعب اليوناني آلاماً إضافيةً بعدما انحدر مستواهم المعيشي خلال الفترة الأخيرة.
والسؤال الذي يطرحه المحللون هو ما إذا كانت اليونان ستقطع المسافة الفاصلة بين الأزمة والحل دون تهديد ديمقراطيتها واقتصادها ومجتمعها؟ فمن التدخل غير المسبوق في السيادة الوطنية، إلى المراجعة الجذرية للاقتصاد، لن يترك مبلغ 170 مليار دولار الذي أُقر لإنقاذ اليونان من قبل وزراء مالية منطقة اليورو، باعتباره الحزمة الثانية ضمن سلسلة المساعدات الأوروبية، لن يترك منحى من مناحي الحياة في اليونان دون تأثير.
والمشكلة أنه حتى مؤيدي خطة الدعم لا يستطيعون تأكيد قدرتها الفعلية على إنقاذ اليونان، وسط المخاوف الكبيرة للأسواق والضغوط السياسية والشعبية المعارضة. وقد عبرت عن هذه المخاوف مديرة صندوق النقد الدولي، "كريستين لاجارد"، قائلة: "هناك بعض المخاطر المستمرة، فبرنامج الإصلاح المطروح ليس سهلاً". وكانت لاجارد من المفاوضين الذين شاركوا في المباحثات الطويلة التي دامت 13 ساعة قبل أن تخرج لتعلن إقرار بروكسل خطة الدعم الأوروبية لليونان.
وفي نفس السياق، يرى "صوني كابور"، مدير أحد مراكز البحث في لندن، أنه "حتى بعد إقرار الخطة، ما زالت مشاكل اليونان أمامها وليس خلفها. فالبرنامج اليوناني يظل هشاً وقابلاً للفشل". وفي مقابل مليارات الدولارات من القروض المستعجلة التي حصلت عليها اليونان، وشطب أكثر من مائة مليار دولار من القروض المملوكة للقطاع الخاص، التزمت أثينا بسنوات طويلة من تقليص قاس للنفقات، يشمل الرواتب والمعاشات وتسريح عشرات الآلاف من الموظفين والعمال.
وتعهدت أيضاً بإجراءات إضافية تشمل خصخصة ممتلكات الدولة وتحرير سوق العمل وتحديث النظام الضريبي... وهي أمور كلها يفترض أن تجعل اليونان أكثر إنتاجية ومنافسة. لكن المشكلة مع خطة الإنقاذ التي أقرها الأوروبيون، وعلى رأسهم ألمانيا المهتمة بالانضباط المالي، أنها تهتم أكثر بالإجراءات التقشفية للحد من العجز وتوفير ما يمكن لسداد الديون المتراكمة، دون الاهتمام بتحفيز النمو الاقتصادي على المدى القريب. فالعديد من اليونانيين، والمراقبين الخارجيين، يعتقدون أن البلاد حُكم عليها بفترة طويلة من النمو السلبي بسبب تراجع حجم الاقتصاد الذي بدوره يضاعف حجم الديون. ويبدو أن اليونان أُخضعت للعلاج بالصدمة، لكن مع التركيز على الصدمة دون العلاج، وهو ما يفسر الفتور الذي قوبلت به خطة الإنقاذ في أثينا حتى في الوقت الذي سعى فيه وزير المالية اليوناني إلى تسويق الاتفاق إلى مواطنيه باعتباره "فرصة جديدة" للبلاد لإعادة إطلاق الاقتصاد.
والحال أنه من غير المرجح أن يصغي إليه العديد من المواطنين، ولا الجزم بقدرة المجتمع اليوناني على تحمل خطة التقشف القاسية قبل حدوث الانهيار، فالاحتجاجات تنتشر في كل مكان وأحياناً تتطور إلى أعمال عنف ومواجهات مع الشرطة، كما تصاعدت أعداد المشردين والعاطلين عن العمل، وتزايدت نسب الانتحار، فيما يدخل البلد سنته الخامسة من الأزمة.
وفي هذا الإطار يقول "خوسي مانويل باروسو"، رئيس الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي: "أنا واعٍ تماماً بالعبء الثقيل الذي يتحمله الشعب اليوناني، لكن لا بديل عن تعزيز الوضع المالي والقيام بإصلاحات هيكلية إذا ما أريد لليونان استعادة تنافسيتها لخلق الوظائف".
ومع ذلك كشف تقرير سري مسرب شكوكَ المسؤولين في الاتحاد الأوروبي إزاء قدرة الوصفة الحالية على إنقاذ اليونان. فقد أقر تحليل سري أُعد للمفاوضين الأوروبيين بأن هناك "نوعاً من التوتر القائم بين أهداف الخطة المتمثلة في خفض العجز المالي وبين دعم التنافسية في اليونان"، ذلك أن الخطة حسب التقرير ستضعف الاقتصاد أكثر، فيما نسبة الدين العام ستتصاعد في المدى القصير.
وعشية المصادقة على خطة الإنقاذ، تنادى الأوروبيون إلى تدارس الوضع اليوناني يوم الاثنين الماضي، وإيجاد طرق تخفض الدين اليوناني، ليصلوا في النهاية إلى إقناع الدائنين الخواص بتحمل ما نسبته 53 في المئة من الديون المعدومة، وحث البنك المركزي الأوروبي على التخلي عن أرباحه على السندات اليونانية. وقد حذّر التقرير السري من أن الاستياء الشعبي العام في اليونان بالإضافة إلى المقاومة الإدارية للإصلاح، قد تقف في وجه التزام اليونان بتعهداتها مثلما حصل في المرة الأولى التي حصلت فيها أثينا على قروض للإنقاذ في 2010.
وللحؤول دون الوقوع في العراقيل السابقة المعيقة للإصلاح، فرض المسؤولون الأوروبيون وسائل للمراقبة على اليونان، يرى المنتقدون أنها قد تخنق الديمقراطية في بلد يعد مهدها الأول. فبموجب الخطة وآليات المراقبة المصاحبة لها، سيقيم مسؤولون من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك المركز الأوروبي بصفة دائمة في أثينا، لمراقبة سير الإصلاحات والتأكد من أن الحكومة تعطي الأولوية لسداد الديون على أية نفقات أخرى. بل إن رؤساء الأحزاب السياسية الرئيسية في البلاد، أُجبروا من قبل قادة منطقة اليورو على الالتزام كتابة بتطبيق الإصلاحات مهما كانت نتيجة الانتخابات المقررة في شهر أبريل المقبل.
والحقيقة أن اليونان يتم التعامل معها اليوم كأنها طفل عاق تُفرض عليها شتى صنوف التدخلات الماسة بسيادتها التي من المستحيل أن تقبلها باقي الدول الأوروبية، مثل فرنسا وألمانيا. ويرى بعض المحللين أن الإجراءات القاسية المفروضة على اليونان ما هي إلا حملة مركزة تسعى من خلالها دول منطقة اليورو إلى عزل أثينا ما أمكن تمهيداً لإعلان الإفلاس وخروجها نهائياً من منطقة اليورو، وذلك في محاولة على ما يبدو لإظهار اليونان كحالة خاصة ومنع انتقال العدوى المالية إلى دول أخرى مثل إسبانيا وإيطاليا.


هنري تشو
لندن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»