دنيا

«المواطنة الصالحة في العهد النبوي» يدعو للتآخي ويكرس أهمية التفاعل المجتمعي

جانب من المعرض الذي احتوى على جزء مهم من التاريخ الإسلامي (تصوير عبد العظيم شوكت)

جانب من المعرض الذي احتوى على جزء مهم من التاريخ الإسلامي (تصوير عبد العظيم شوكت)

نسمات من السيرة النبوية العطرة انتشرت في أرجاء أبوظبي، بفعل معرض المواطنة الصالحة في العهد النبوي الذي استقر في الإمارات، بعد أن طاف معظم بلدان العالم مسلطاً الضوء على أبرز المحطات والأحداث التاريخية في حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. المعرض أقيم بالتنسيق مع مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، واستمر عشرة أيام من 15 إلى 25 فبراير الجاري داخل مركز المارينا في أبوظبي مستقطباً جماهيراً غفيرة جاءت من أنحاء الدولة لمعايشة أجواء سيرة الرسول الكريم وصحابته الأوُّل، مستلهمين منه دروس وعظات رسمت طريقاً للأمة الإسلامية على مدار أربعة عشر قرناً ونيف.


(أبوظبي) - يستقبل متطوعون من شباب الإمارات الزائرين لمعرض المواطنة الصالحة في العهد النبوي، وتعلو وجوههم ابتسامة ترحيب، أثناء تقديم الخدمات الإرشادية والتعريفية للأعداد الكبيرة من الوافدين على المعرض، الذين تحلقوا حول مجسمات وصوراً عكست مدى حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على غرس قيم المواطنة الصالحة وإضفاء روح التفاعل على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
كانت بداية الرحلة الإيمانية مع ماجد بن ناصر المشرف على المعرض، وأحد أعضاء برنامج وطني التطوعي، الذي أشار إلى أن البرنامج استضاف المعرض وقام بشراء محتوياته بالكامل لتبقى معلماً إسلامياً دائماً على أرض الإمارات، وتأتي هذه المبادرة ضمن الهدف الذي يسعى البرنامج إلى تحقيقه عبر جهود المتطوعين من أبناء الامارات، ويتمثل في الإسهام في التنمية المجتمعية بالتأكيد على أهمية الهوية الوطنية وتعميق مفاهيم المواطنة الصالحة، خاصة في ظل العولمة التي أذابت الفوارق بين الهويات، ومن ثم كان هذا الاحتفاء بالمعرض كأحد أساليب ترسيخ الهوية الإسلامية الأصيلة لدولة الإمارات.
الهجرة النبوية
وفي جولة استعرضت الصور الموجودة في مدخل المعرض، قال ماجد بن ناصر إن هذه الصور تناولت مدينة يثرب في زمن الهجرة النبوية ونقلت الواقع الجغرافي والاجتماعي والسياسي للمدينة آنذاك، ثم لوحة أخرى كبيرة تضم صوراً متنوعة لمراحل غزوة أحد بوصفها أحد أهم المعارك الحربية في تاريخ المسلمين، التي أخذوا منها دروساً وعبراً لازلنا نتعلم منها إلى الآن، وفي مقدمتها التزام الطاعة للقادة وأولي الأمر لما فيه خير للفرد والمجتمع.
وتستعرض الصور وقائع الغزوة بأسلوب مثير وكيف التف خالد بن الوليد، على جيوش المسلمين، واستطاع تغيير المسار، بعد اندفاع بعض المسلمين إلى الغنائم والأسلاب بعد انتهاء الجولة الأولى من المعركة بانتصارهم.
وانتقل بن ناصر إلى لوحة أخرى مماثلة استعرضت غزوة الأحزاب (الخندق) ومراحلها، وشرح كيف دارت رحاها، إلى ان انتهت بانتصار المسلمين بفضل التفكير واستخدام أسلوب وتكتيك جديد في المعارك الحربية ممثلاً في حفر الخندق، الذي أشار بفكرته الصحابي سلمان الفارسي.
تالياً توجه ماجد إلى لوحة تجسد مقام سيدنا إبراهيم (عليه السلام) وشاهدنا هناك صوراً لحجرين من الجنة الأول هو الذي به أثر قدمي سيدنا إبراهيم قدميه حين كان يبني الكعبة المشرفة، وقد تغير أثر قدميه في ذلك الحجر عن هيئته وصفته الأصلية، وذلك بمسح الناس له بأيديهم خلال هذه القرون الطويلة، قبل وضع المقام في مقصورة مغلقة، أما الحجر الثاني هو الحجر الأسود. وانتهى هذا القسم بلوحة عن المسجد الحرام عكست المشاهد الأولية التي كان عليها المسجد منذ ظهوره على الأرض حتى أيامنا هذه.
تطوع
وفي موضع آخر من المعرض يرشد عامر الكثيري وهو من متطوعي برنامج وطني، أحد الزوار إلى لوحة كبرى مصحوبة بكتابات توضيحية تشتمل على شجرة عائلية تضم زوجات الرسول الكريم وأولاده، وتبين الفترة الزمنية التي قضاها مع كل واحدة منهم، وكانت السيدة خديجة رضي الله عنها أكثر الزوجات حياة معه.
ثم يستعرض الكثيري لوحة تشرح أنواعاً خمسة من المعجزات النبوية، منها الكونية التي يثبتها العلم الحديث يوماً بعد يوم، والمعجزات عن إخبار الأمم والأحداث السالفة ومنها قصص الأنبياء وأهل الكهف وغيرها من الوقائع التي صارت معروفة الآن ، وثالث تلك الأنواع الإخبار عن المستقبليات، وهو ما أثبتته الآيات الكريمة. ثم ننتقل إلى أكثر محتويات المعرض دقة وتفصيلاً، متمثلاً في جدول تحليلي لجوانب السيرة النبوية، ويشمل على نسب تقديرية في حياة الرسول الكريم من النواحي الاقتصادية، السياسية، العسكرية.. والتي يتبين من خلال الرسم البياني الموضِح لتلك المسيرة، أن الغالب الأعم من فترات حياته صلى الله عليه وسلم، قضاها في إجراء معاهدات ومواثيق صلح ساعدت على ترسيخ أسس الأمن في الجزيرة العربية والمنطقة المحيطة بها خلال العهد النبوي، وهو ما يكرس أهمية المواطنة الصالحة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وينتقل الكثيري إلى مخططاً ضخماً للمدينة المنورة، لكن بعد أن ظهرت فيها أوجه العمران والنشاط الحضاري الذي أرساه الرسول الكريم فيها، ومن مخطط المدينة يأخذ الزائر طريقة إلى لوحة كبيرة تضم أسماء المبشرين بالجنة.
طريق الهجرة
أما الهجرة النبوية الكريمة ومسار رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة التي فتحت آفاقاً واسعة لانتشار الدين الاسلامي، قام بشرحها وتوضيح اماكن المعجزات التي حدثت بها فكان من نصيب المتطوع محمد عصام، الذي يذكر الزايرين بالمواقف التي أسلم فيها الكثيرون خلال تلك الرحلة الفريدة في تاريخ الإسلام ، وكان شرحه مصحوباً بلوحات تعبر عن طريق الهجرة وتكرس مشاهدها وأحداثها، عبر مجموعة من الصور الفوتوغرافية لأهم المراحل التي مر بها الرسول الكريم في الهجرة من جبل ثور إلى مسجد قباء، كأول مسجد بني في تاريخ الاسلام.
كما يشرح محمد عصام للزائرين على مخطط كبيرة يشمل كل غزوات الرسول الكريم، مثبت عليها أسماء أماكنها ، ووضع في المخطط جدولاً مهماً، ذكر فيه الترتيب الزمني للغزوات. ومن الغزوات ينتقل عصام إلى مجسم ضخم يوضح من خلاله مسجد الرسول الكريم مع حجرات أمهات المؤمنين، مبيناً الصورة التي كان عليها المسجد والمنطقة المحيط بها منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام. ثم يتحدث عن لوحة تتناول موقعة بدر وتوضح أهميتها في التاريخ الإسلامي، حيث كان أول نصر يحققه المسلمين وترك تبعات عظيمة على انتشار الإسلام في منطقة الجزيرة العربية ومنها إلى العالم، وكيف تحرك جيش المسلمين لمسافة تتجاوز المائة كيلو متر، وذلك عبر مجموعة من الصور لأماكن تحرك المسلمين وكيف سارت مجريات الغزوة، إلى أن انتهت بغلبة المسلمين على قريش وأتباعها.
وفي زاوية المعرض التي احتلها مجسم كبير للمدينة المنورة، تحلقت أعداد من الجماهير حول المتطوع عدنان الحوسني الذي أخذ يشرح باللغتين العربية تارة وبالانجليزية تارة أخرى حين يكون المشاهدين من الأجانب، يشرح طبيعة المدينة المنورة في العهد النبوي، وقال إن المجسم يعكس الحياة داخل المدينة في بداية دخول الرسول الكريم إليها من حرة قباء، مروراً بمنطقة قباء حيث بني أول مسجد في الإسلام، ومكوث الرسول الكريم هناك بضعة أيام، عقد فيها اتفاقيات مع 42 قبيلة، ثم أخذ الرسول الكريم بعدها في إنشاء معالم المدينة المنورة، ومنها قيامه بتأسيس مسجده بعد حادثة الناقة الشهيرة، وكيف كان الرسول يساعد بنفسه في عملية البناء، ليبين أهمية العمل الجماعي والتعاون في ترسيخ أسس المواطنة الصالحة.
أما المتطوع ناصر الكثيري، فقد أخذ على عاتقه مهمة شرح الصور المتعلقة بالروضة الشريفة الواقعة بين قبر الرسول ومنبره، وقال إن الروضة بلغت مساحتها نحو 300 متر مربع، ويوجد في الروضة معالم جليلة أهمها الحجرة الشريفة في الجهة الشرقية، ومحراب النبي صلى الله عليه وسلم، والمنبر الشريف في جهتها الغربية.
ومن المتطوعين إلى المتطوعات من فتيات الإمارات اللواتي قمن بجهد كبير في إنجاح هذا المعرض الذي يفيض بالروحانيات على كل من طالع محتوياته واستمتع بتأملها، حيث ذكرت نعيمة أحمد بن علي الطالبة في ثانوية التكنولوجيا في أبوظبي، أنها شاركت في فريق العمل التطوعي بالمعرض من أجل إبراز قدرة بنات الإمارات على المشاركة الايجابية في الأحداث والفعاليات التي يشهدها المجتمع.
مشاهد من السيرة
وقالت إن دورها تمثل في شرح بعض اللوحات المطروحة على الجمهور، وإلقاء الضوء على النقاط الأساسية في مشاهد السيرة النبوية الموجودة بالمعرض، بالإضافة إلى تقديم كتيبات تشمل معلومات وافية عن المعرض للجمهور، بما يجعل من زيارتهم للمعرض مصحوبة بسجل دائم يذكرهم بكل ما شاهدوه في المعرض ويبين الأهداف التي أقيم من أجلها.
أما زميلتها مريم الرميثي، فقالت إنها ساهمت مع المتطوعين في شرح اللوحات والصور والمجسمات الموجودة بالمعرض خلال أيامه العشرة، وأوضحت الرميثي أن هذه المشاركة كانت ثرية جداً بالنسبة لها، حيث زادت معلوماتها الدينية بشكل كبير، كما زادت ثقتها بنفسها وقدرة على التعامل مع الجمهور بمرونة عبر مخاطبتها لأعداد كبيرة من الزوار طيلة أيام المعرض، فضلاً عن اكتساب مهارة العمل الفريقي، من خلال هذا الكم من بنات وأبناء الإمارات الذين شاركوا في إنجاح هذا الحدث الفريد من نوعه على أرض الإمارات.



زوار المعرض: تعرفنا إلى جوانب مضيئة في التاريخ الإسلامي

أثنى عدد من زوار المعرض على ما تضمنه من صور ومجسمات عرفتهم على جوانب مضيئة في التاريخ الإسلام، إذ أشاد عبدالقادر الشحي، موظف حكومي، على فكرة معرض المواطنة الصالحة، وقال إن إقامة فعالية مهمة تسرد جوانب مهمة في حياة الرسول الكريم، بأسلوب سهل وميسر من خلال المجسمات واللوحات، يمنح الزائرين زخم من المعلومات الدينية والمعارف الإسلامية قد يغيب أغلبها عن الناس، ومن تلك المعلومات التي أدهشته أن إجمالي المعارك الفعلية التي دارت بين المسلمين والمشركين في عهد الرسول كانوا سبع فقط، بخلاف عشرين غزوة انتهت دون قتال، كما أن عدد قتلى المعارك والغزوات الإسلامية في عهد الرسول الكريم، لم يتجاوز 340 فرداً من الطرفين، وهذا عدد قليل جداً لو تمت مقارنته بأي حرب قامت في التاريخ القديم أو الحديث، و هذه الأرقام أعطت دلالة واضحة على جنوح الرسول صلى الله عليه وسلم، للسلم دائماً، ونفي قاطع على أن الاسلام انتشر بحد السيف كما يزعم بعض المستشرقين.
كما أشاد فيصل بن مسعود، موظف إداري، بمكان إقامة المعرض في واحد من أهم المراكز التجارية في أبوظبي، وهو ما أتاح للكثيرين الإطلاع على معالم ومعارف إسلامية فريدة، وكذلك فهم معنى كلمة المواطنة الصالحة بدقة عبر تتبع محطات مهمة في السيرة النبوية مثل الهجرة، ودخوله إلى المدينة وإقامته لمجتمع قائم على التآخي والسلام بين كل عناصره، حتى من أصحاب الديانات الأخرى، وهو ما أدى إلى انتشار الإسلام في كل بقاع العالم في سنوات قلائل استناداً على أسس المواطنة الصالحة التي أرساها الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم.
وذكر بن مسعود إنه لم يسبق أن زار مكة والمدينة) غير أن جولته بالمعرض، جعلته يستشعر الأجواء الروحانيه التي يعيشها من يذهبون إلى زيارة بيت الله الحرام والمسجد النبوي، ولذلك قدم عظيم الشكر للقائمين على هذا المعرض، الذين حرصوا على تقديم هذه المعالم الإسلامية إلى أهل الإمارات والمقيمين فيها، خاصة المتطوعين من أبناء وبنات الإمارات الذين كانوا يتعاملون مع الزائرين بمنتهى الحب والرقي، وأيضاً كانت المعلومات الكافية عن المعالم التي يشرحونها للزائرين
أما سهام السيوفي 35 عاماً وكانت تتجول في المعرض برفقة ولديها حازم 9 سنوات وأيمن 4 سنوات، ذكرت من جانبها أن المعرض يقدم معلومات إسلامية غزيرة، حيث يسرد من خلال المجسمات والصور الموجودة به وقائع مهمة في التاريخ الإسلامي.