تقارير

سوريا... تحقيقات أممية في جرائم حرب

ستيفاني نيبهاي
جنيف


أكد محققو الأمم المتحدة في الأسبوع الماضي ضرورة عرض القادة السوريين الذين يشتبه في ارتكابهم جرائم الحرب أمام محكمة الجنايات الدولية، فقد حث المحققون مجلس الأمن الدولي على «التحرك الفوري لضمان مساءلة « هؤلاء القادة على الانتهاكات التي ارتكبوا ربما فيها القتل والتعذيب، سواء تعلق الأمر بالمسؤولين الحكوميين، أو بالثوار، في الصراع الدائر بينهم منذ أكثر من عامين والذي خلف حتى الآن أكثر من 70 ألف قتيل، وعن هذا الموضوع قالت كارلا ديل بونتي، المدعية العامة السابقة لدى محكمة الجنايات الدولية والمشاركة حالياً في فريق المحققين الأمميين»لقد حان الوقت لعرض هؤلاء المشتبه فيهم على محكمة الجنايات بعدما أصبحت المحكمة مستعدة لتولي القضية».
ويذكر أن التحقيق الذي أجرته الأمم المتحدة بقيادة البرازيلي، باولو بنيرو، يسعى إلى تعقب سلسلة القيادة لرصد المسؤولية وبناء قضية متكاملة لإقامة الادعاء، وهو ما تشرحه المدعية العامة السابقة، بونتي قائلة: «بعد التحقيق تمكنا من التعرف إلى مرتكبي الجرائم في المستويات الرفيعة من القيادة»، مضيفة أن هؤلاء «كانوا مشرفين على القيادة إما من حيث اتخاذ القرار، أو التنظيم، أو التخطيط والمساعدة في ارتكاب الجرائم».
وقالت إنه من واجب المحكمة الآن تبني قضية المسؤولين الكبار في القيادة السورية دون أن تحدد على وجه الدقة من يكونون تماشياً مع سرية التحقيق وقواعده، مشيرة إلى وجود جرائم ارتكبت في حق الأطفال، وأخرى مرتبطة بجرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي، وهو أمر، تقول المدعية العامة السابقة، يحتم على المحكمة سرعة التحرك وتقديم لائحة الاتهام، وأضافت «ديل بونتي» التي كانت وراء مثول الرئيس اليوغسلافي الراحل، سلوبودان ميلوسوفتش، أمام محكمة الجنايات الدولية بلاهاي بتهم ارتكاب جرائم حرب، أنه يتعين على المدعي العام الحالي تعميق البحث حول سوريا قبل توجيه الاتهام.
ومن ناحيته قال رئيس فريق المحققين الأممي، بينيرو، إنه فقط مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة مخول بإحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية، قائلا: «نحن في حوار وثيق مع الأعضاء الخمسة الدائمين لمجلس الأمن ومع باقي الأعضاء أيضاً، لكننا لا نتوافر على المفتاح الذي سيفتح الباب أمام التعاون داخل المجلس».
وأكدت «كارين أبوزيد»، العضو الأميركي في فريق المحققين الأممي، لوكالة الأنباء «رويترز» أن لديها معلومات تسمي «الأشخاص الذين أعطوا تعليمات لارتكاب الجرائم والمسؤولين عن السياسة الحكومية، وهم أشخاص في قيادة الجيش»، ومع ذلك تظل اللائحة الثالثة من المتهمين التي صاغها فريق المحققين والمعتمدة على لوائح أخرى تم وضعها في السنة الماضية سرية، بحيث سترفع إلى المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، «نافي بيلاي»، بعد أن تنقضي مهمة التحقيق في شهر مارس المقبل، هذه الأخيرة التي كانت قاضية في محكمة الجنايات الدولية، أشارت في الأسبوع الماضي إلى أنه على نظام الأسد الخضوع لتحقيق في جرائم الحرب، مطالبة بتحرك خارجي لمعالجة الملف السوري بما في ذلك احتمال العمل العسكري، ونفى «بينيرو» إمكانية الحديث علناً عن الأشخاص والقيادات السورية الواردة أسمائهم في لوائح الاتهام، مضيفاً أنه من المهم مساءلة هؤلاء على الجرائم المقترفة «للتصدي لشعور الإفلات من العقاب المتفشي في سوريا».
ويعتمد التحقيق الأخير الذي قامت به الأمم المتحدة ويغطي ستة أشهر حتى يناير الماضي على مقابلات أجريت مع أكثر من 445 ضحية في الخارج، بالإضافة إلى شهود عيان وذلك بسبب عدم السماح للمحققين بدخول سوريا. وفي هذا السياق قالت «ديل بونتي»: رصدنا سبع مجازر خلال تلك الفترة وأن خمساً منها ارتكبتها القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها، واثنتين ارتكبتا على يد المسلحين، لكن علينا دخول المواقع لتأكيد بعض الحقائق التي نتوافر عليها».
ويؤكد تقرير الأمم المتحدة أن محكمة الجنايات الدولية هي المؤسسة المناسبة لمحاربة الإفلات من العقاب في سوريا باعتبارها «مؤسسة قائمة وتحظى بدعم دولي واسع، ويمكنها مباشرة تحقيقات على نحو فوري للتحقق من الجرائم الخطيرة التي ارتبكت في سوريا خلال الفترة السابقة».
وأضاف التقرير أن القوات الحكومية نفذت عمليات قصف مكثفة بالمدفعية والطائرات على مختلف المناطق السورية وشملت العديد من المدن منها حلب ودمشق ودرعا وحمص وإدلب، مشيراً إلى أن ذلك تؤكده صور الأقمار الصناعية، ويتابع التقرير أنه «في بعض الحالات مثل الهجوم على «حراك» أعقب القصف العشوائي عمليات برية ارتكبت خلالها مجازر على يد القوات الحكومية»، وفي جزء آخر من التقرير الأممي تم الإشارة إلى أن «القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها قامت بإعدامات خارج نطاق القانون، منتهكة بذلك القانون الدولي، وهو سلوك يندرج أيضاً في إطار جرائم الحرب، وفي حالة ارتكاب تلك الجريمة كجزء من هجوم واسع ومنظم يستهدف المدنيين مع معرفة به فإنها تتحول إلى جريمة ضد الإنسانية»، وهو ما يبدو أنه حصل بالفعل بعد استهداف طوابير المدنيين أمام المخابز والجنازات بهدف إرهاب المدنيين ونشر الرعب في صفوفهم، لكن التقرير لا يقتصر في توثيقه للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على الجانب الحكومي، بل يشير أيضاً إلى الانتهاكات الأخرى على جانب الثوار، حيث جاء في التقرير أن الثوار الذين يقاتلون الأسد ارتكبوا بدورهم جرائم حرب بما فيها القتل والتعذيب واحتجاز الرهائن واستخدام الأطفال أقل من 15 سنة في الصراع.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»