ثقافة

«مسا الخير» ترصد الأبعاد النفسية التي تخلفها الحروب

محمود أبوالعباس (وسط) خلال بروفات الخشبة  (تصوير أفضل شام)

محمود أبوالعباس (وسط) خلال بروفات الخشبة (تصوير أفضل شام)

جهاد هديب (دبي)- تبدو تلك العائلة العربية العادية، التي اضطرتها الظروف الراهنة في بعض البلدان العربية إلى هجرة البيت الأول أو تعرّضه للتدمير، محظوظة إذ يُتاح لها أن تأوي إلى سجن مهجور على رأس جبل في منطقة ليست بنائية بل تتناهى إليها أصوات العبور المروّع للطائرات وسقوط القذائف على المنازل والبنايات والرشقات المنفعلة للرشاشات ودوّي القنابل؛ لكن ليس هذا بكل شيء في مسرحية “مسا الخير” لمسرح دبي الأهلي، إخراج وتأليف العراقي محمود أبو العباس.
هذه المسرحية، التي يشارك فيها بلال عبد الله وحسن يوسف وبدور وآخرون، في التمثيل سوف تنافس على جوائز أيام الشارقة التي تنطلق فعالياتها منتصف الشهر المقبل في الشارقة.
فكرة العمل
وقال المخرج أبو العباس لـ “الاتحاد” “لقد ولدت فكرة العمل خلال حوار دار مع المخرج والممثل ابراهيم سالم عن الآثار النفسية التي تركتها الأحداث الراهنة في البلاد العربية على شخصية الإنسان العربي ونفسيته”. وأضاف “كان السؤال الذي قمنا بطرحه هو: كيف من الممكن أن نجسد هذا التاريخ طبيعيا؟ وما هي تفاصيل العلاقة بين أب وابنه وابنتيه أثناء ظروف الحرب؟ وما المكان الذي ستدور فيه الأحداث وعلى أي نحو سيؤثر في البُعد النفسي لأي شخصية من الشخصيات؟ وبالتالي، أي تاريخ هذا الذي من الممكن أن يتجسد على نحو طبيعي من خلال الشخصيات؟ وكيف سيكون أثره على الفرد لاحقا؟”.
وأضاف “من هنا جاء اختيار السجن المهجور بوصفه مكانا افتراضيا، ولدى أي فرد عربي تصوّر مسبق عنه، ليتخذ بذلك بعده الرمزي من ناحية درامية وتراجيدية، فتجري فيه مناقشة ما آلت إليه أمور الناس بالمعنى الانساني العميق والمؤثر في الشخصية العربية بسبب هذه التغيّرات التي أحدثت تحولات وانعطافات نفسية واجتماعية في الحياة العربية عموما”.
أما الممثل بلال عبد الله فأوضح قائلا “إنها التجربة الأولى بالنسبة لي التي أشارك فيها في عمل مسرحي باللغة العربية الفصحى، وأشعر معها –أي هذه التجربة– أنني وصلت إلى مرحلة أخرى أكثر تقدما ليس على هذا الصعيد فحسب بل على صعيد آخر، إذ أن الدور هو شخصية أب يخوض صراعا داخليا قاسيا يودي به إلى العزلة فالجنون”.
وردا على سؤال إن كان إشكاليات من نوع ما في التدريبات التي يخوضها مع فريق العمل خاصة أنهم في مجملهم من الممثلين الشبان، قال عبد الله “من الطبيعي أن تكون هناك إشكاليات وأخطاء ولها تفاصيل أيضا، لكن عليّ أنْ أكون قويّا لصالح العمل أولا ثم لصالح الجيل الشاب من الممثلين الذين أعمل معهم وأخيرا لصالحي أنا”.
الممثلون والشخصيات
وبصدد الأداء ومستوياته وتطوره من مرحلة إلى أخرى، قال الممثل بلال عبد الله “ثمة مخرج، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحدّ، إذ أنت تعمل مع ممثل ومخرج في الوقت نفسه، وهذا أكثر خطورة من العمل مع مخرج فحسب، ما يعني أنّ التحدي هنا على مستوى الأداء أكثر صعوبة، فكيف سيكون الأمر إنْ كان هو أيضا كاتب النص. أعتقد أن هذا العمل اختبار حقيقي بالنسبة لي”.
أما الممثل حسن يوسف، فيقول عن فكرة الدور الذي يقدمه “أولا، أن الشخصيات التي في المسرحية هي شخصيات تخرج من مخيلة الأب، أي أنه يستحضرنا فحسب” وأوضح “إنني أقوم بدور الابن الذي يمتلك شخصية قوية ويتواصل مع العالم المحيط به ومع ما يحدث فيه عبر تقنيات حديثة، مع ذلك لا يعجبه الوضع الذي يخصّ العائلة، فالأب جبان من وجهة نظره وليس بإمكانه الاستناد إليه لذلك فهو عدائي تجاهه، وفي الوقت نفسه يسعى إلى أن يظهر الأب رجلا متماسكا لحاجته إلى ذلك”.
وأضاف “وسط هذا التناقض في المشاعر، أحبّ أن أجسّد شخصية الشاب العربي الذي يدرك ما يدور حوله ولا يعجبه شيء من هذا الواقع العربي بشكل عام، إلا أن المسرحية تحمل ملامح إنسانية عميقة بشكل عام”.
ووصف تجربته في “مسا الخير” بالحلم الذي كان يصبو إليه وقال “لأننا نعمل هنا بروح الاحتراف وهذا ما كان ينبغي علينا القيام به من زمان، وعلى الأقل بالنسبة لي، كان ينبغي عليّ أن أذهب إلى هذا النوع من التفكير في الكيفية التي ينبغي أن يكون عليها التمثيل في عمل مسرحي وأن أستمر فيه”.
وطالب حسن يوسف بأن “نجلب محترفين كبار من المسرح العربي كي نكتسب منهم خبرات أخرى، ولا أقصد من ذلك أن أقلل من أهمية أيٍّ من مخرجينا الكبار بل هي حاجتنا إلى المزيد من التجربة التي تُخاض بروح جديدة لم نعهدها من الاحتراف”.
الرؤية الإخراجية
أما لجهة الرؤية الإخراجية، فأوضح المخرج محمود أبو العباس أن هناك “تحولات في الصراع الدرامي وتطوره تستدعي تحولات في المشهد البصري بحيث تختفي الجدران كلها فيتكشف في آخر الأمر أن المسرحية هي حلم رجل في واقع مضطرب، أجهض - هذا الواقع - أحلامه جميعا. إنها رحلة في ذاكرة رجل مستلب”.
وأخيرا، يتشكل فرق عمل “مسا الخير” فضلا عن المخرج والممثلين الذين سبق ذكرهم من: ماجد الصوري وعبد الله الحريبي وريم زهير من لبنان، التي تظهر لأول مرة، في التمثيل، ومروان عبد الله صالح في تصميم الديكور، وابراهيم حيدر في الإضاءة، وميرزا المازم في التأليف الموسيقي، ويوسف بن غريب آل محمود مشرفا عاما.