دنيا

هروب الامبراطور

أحمد محمد (القاهرة) - رغم أن اسمه «سيد» فإن أحداً لا يعرفه إلا بما اشتهر به منذ صغره والجميع ينادونه «شحتوت» بمن فيهم أسرته وطغت كنيته على اسمه الحقيقي حتى هو نفسه لم يعد يتعامل به إلا في المعاملات الرسمية.
طموحه أكبر من إمكاناته، لذا تعثر في دراسته للقانون بالجامعة لعدم اقتناعه بجدوى الوظيفة الحكومية فهو يُريد أن يخرج من الفقر إلى مستوى هؤلاء الذين يغسل لهم السيارات وينظف زجاجها كل صباح وهم خارجون إلى أعمالهم.
لا يخلو الأمر داخله من الحقد عليهم يتمنى دائماً أن يكون مكانهم والسؤال الذي يلح على تفكيره لماذا هو فقير وهم أغنياء يسكنون شققاً فاخرة فسيحة، ولكل فرد غرفته الخاصة، بينما يقيم هو وأسرته المكونة من ستة أشخاص في غرفة واحدة مظلمة تحت السلم بحكم مهنة والده منذ سنوات طويلة الذي يعمل حارسا للبناية؟
إلى هنا جاء العجوز في شبابه وتزوج وأنجب أبناءه ومنهم «شحتوت» حياتهم لم تتقدم قيد أنملة كما هي منذ أن خرج الابن للدنيا وحتى التحق بالمدرسة ثم الجامعة يعتمدون على ما يمن به السكان عليهم وما يحصلون عليه من أجر قليل وأحياناً الملابس القديمة التي تمرد عليها مؤخراً ورفض أن يرتديها ورفض أيضاً نصائح أبيه وأمه الكثيرة بأن يعيش حسب ظروفهم ولا ينظر إلى ما في أيدي من حوله وان كان من حقه أن يحلم بغد أفضل بأن يتعلم ويعمل ولكل مجتهد نصيب وأن يتوقف عن اللعنات التي يصبها كل يوم على الأحوال.
قرأ كثيراً عن قصص الذين تحولوا من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش لم يستبعد أن يكون مثلهم وواحداً منهم كان مغرماً بتلك الشخصيات التي بدأت من تحت الصفر وأصبحت من الأثرياء وسكان القصور وملاك الطائرات وهو يصدق النظريات التي تمهد الطريق لتكوين المليونيرات، لكنه في الواقع لا يرى وسيلة لتحقيق ذلك ولا يعرف من أين يبدأ فالمال لا يأتي إلا بالمال وهو لا يجد منه شيئاً ولا يملك فلساً إلا أنه أصر على دخول هذا العالم من خلال تجارة كروت شحن الموبايل بعدما اقترض مبلغاً صغيراً من أحد التجار الذي كان يمارس تجارة مشبوهة في القطع الأثرية وقام شحتوت بمشاركته في نقل إحدى القطع وخشي أن يفتضح أمره فأقرضه المبلغ ليتقي شره.
أصيب شحتوت بالسعار بعد أن ذاق الأرباح وجرت الأموال بين يديه لكنها لا ترضي غروره وأطماعه فاتجه إلى تجارة الملابس والأدوات الكهربائية، لكن بشكل محدود فقرر أن يلجأ إلى سبل أخرى مضمونة ومجربة من قبل وهي توظيف الأموال وعزف على أوتار الطماعين الذين يلهثون وراء الثراء السريع ومن أيسر وأقرب الطرق واستغل جشعهم والجري المستمر وراء المال وراحوا يهرولون إليه أملاً في عائد كبير ووعدهم بأنه سوف يفوق كل البنوك.
عملاؤه من كل الفئات والثقافات من الرجال والنساء من الجهلاء والمتعلمين وفي نهاية كل شهر يحصلون على أرباح مجزية تكاد تضاعف رؤوس أموالهم بعد عدة أشهر فانساقوا وراء أطماعهم وباعت السيدات مصوغاتهن وأخرج الرجال كل ما في جعبهم ليقدموه له وقلوبهم مطمئنة لأنه يقدم لهم شيكات بالمبالغ كضمان لدفع أي مخاوف أو شكوك وأن لم يكن لذلك وجود لأن الشاب يعطيهم حقوقهم في موعدها دون تسويف أو تأخير.
أصبح «شحتوت» الفقير المعدم شخصية عامة يشار إليها بالبنان تحول من فقير لا يجد قوت يومه إلى مليونير وتغيرت حياته كلها وأصبح خلال عشر سنوات من رجال الأعمال والمستثمرين المشاهير.
علاقاته تشعبت وتوغلت ولابد من إكمال الصورة فاستأجر واحداً من ذوي البنية الجسدية القوية ليكون حارساً شخصياً له يطلق عليه «البودي جارد»، وفي مكتبه سكرتيرة خاصة وعدد من الموظفين الذين ينجزون المهام الموكلة إليهم وظهرت القوة الخفية لشحتوت عندما مات أخوه اللص وسقط من فوق سطح بناية عالية أثناء ضبطه وهو يقوم بسرقة إحدى الشقق فاستطاع أن يوهم الجميع بأن أخاه مات في حادث سيارة وجاء المعزون لتقديم العزاء له بشكل مهيب يوحي بأهمية وحيثية المتوفى ومن يقدم له العزاء فقد استفاد شحتوت من هذا الحدث بعدما تبادل المعزون أنفسهم الحديث عن الشخصيات الكبيرة التي جاءت لتقديم العزاء ولا يكاد السرادق الضخم يخلو منهم، وقد كان ذكياً فأقامه في منطقة بعيدة عن محل سكنه القديم الذي يعرف فيه الجميع حقيقته وأصوله وبخاصة أبوه وأسرته التي ما زالت تقيم هناك.
رب ضارة نافعة كان هذا ما خرج به من مقتل أخيه إذ انهال عليه الناس بأموالهم فاستعان بالمحاسبين لإدارتها والتصرف فيها ولزوم الوجاهة والمزيد من الإقناع اشترى سيارة فاخرة أحدث موديل واستأجر سائقاً خاصاً يرتدي الزي المميز لتكتمل الصورة التي رسمها من قبل وتمناها كثيراً ولم ينس الفقراء والمساكين فيأتي بالذبائح ويوزع اللحوم عليهم ليطلقوا عليه لقب رجل البر والتقوى.
وكي يتحدث عنه الناس أكثر استجاب لمريضة فقيرة عندما جاءه من يطلب منه مبلغاً كبيراً لإجراء جراحة لها في القلب إلا أنه لم يفته أن يستخدم ذلك في الدعاية، فقد التقطت له الصور الفوتوغرافية التي وزعها في الأحياء ليظهر ما يفعله من خير ويثق المواطنون به ويعطونه أموالهم بكل ثقة وإن لم يكن الآن بحاجة إلى ذلك فبعد كل مل فعل سحر الجميع وسلب عقولهم فانتفخت حساباته في البنوك وتورمت بملايين الدولارات ولم يصدق أن ما كان مجرد أحلام يقظة وخيالات وأمنيات تحول إلى حقائق.
بين يديه خدم وحشم وملابسه الأنيقة كلها مستوردة ومن الماركات العالمية المعروفة وتزين يديه ورقبته السلاسل الذهبية التي يتعمد أن يلوح بها حتى يراها من حوله وهو ما زال شاباً غراً لم يكمل السادسة والعشرين من عمره.
الغريب الذي تحار العقول فيه ولم تجد له تفسيراً أو أنها لم تلتفت إليه أصلاً وعميت عنه العيون والقلوب أن أسرة «شحتوت» ما زالت حتى الآن وبعد هذا الترف الذي يغرق فيه تعيش في فقرها القديم أبوه العجوز الذي بلع من العمر عتيا مستمر في عمله كحارس للبناية ويقيم في نفس الغرفة الضيقة يخدم السكان ويلبي احتياجاتهم ويحمل حقائبهم ويغسل سياراتهم ويعيش على صدقاتهم لأن راتبه بالطبع لا يكفي الخبز الجاف للأسرة وانقطع عن زيارتهم ولا يلتقي إلا بأخيه الأصغر الذي يساعده في أعماله، ولكنه لا يمثل حلقة وصل بينهم وإنما هو الآخر يعيش لنفسه.
بدأت الدفة تضيع من بين يدي شحتوت ويفقد السيطرة على الحركة المالية بعد أن بلغت الأموال التي جمعها أكثر من مئتي مليون دولار وأصحابها يمدون أيديهم في اليوم الأول من كل شهر يطالبون بالعائد الكبير الذي اعتادوا الحصول عليه واكتشف أنه وقع في خطأ بشع لأنه لم يستثمر هذه الأموال ولم ينشىء مشروعات لذلك يضطر لأن يصرف لهم من أصول رأس المال وهذا يهدد امبراطوريته بالانهيار السريع، ولم يكن على استعداد أبداً لأن يعود إلى الفقر مرة أخرى مهما كلفه الأمر بعدما تخلص منه ووصل إلى ما هو فيه.
وبلا سابق إنذار وجد العملاء مقار الشركات والمحلات الخاصة بشحتوت مغلقة والأهم أنهم لم يجدوا من يجيب عن تساؤلاتهم أين ذهب ولا ماذا يحدث لم يتسرب الشك اليهم أبداً إنما تعاملوا مع الموقف بحسن النية فقد سمعوا تكهنات بأنه ينتقل إلى مقر ضخم جديد يليق بسمعته وأعماله الكبيرة بالطبع أصابهم القلق لأنهم لم يعثروا له على أثر ولا على أحد من رجاله والعاملين معه غالبيتهم يخشون الجهر بالسؤال عنه لأنهم إما من ذوي الحيثية في المجتمع، فلا يريدون أن يظهروا بمظهر المخدوعين أو الضعفاء فتضيع هيبتهم أو أن بعضهم أعطوه أموالهم من وراء ظهور زوجاتهم فيخافون من العقاب القاسي والويل والثبور، لذلك استغرق البحث عنه طويلاً بشكل سري.
اختفى شحتوت وذاب في الدنيا، كما يذوب الملح في الماء وتردد أنه هرب بالأموال كلها إلى الخارج وتحول المئات من عملائه إلى ضحايا يبحثون عن أموالهم وحقوقهم ولا يجرؤ أحد منهم على أن يتوجه إلى أبيه ليسال عنه لأن الصلة بينهما مقطوعة منذ أن اتجه الابن إلى هذا الطريق وبعضهم أراد أن يقطع الشك باليقين واستغل علاقاته وأجرى اتصالات بالمطار فتأكد أن شحتوت طار بالفعل منذ يومين إلى دولة أوروبية، لكن بسبب قانون سرية الحسابات لم يستطع أحد أن يصل إلى ما إذ كانت أمواله ما زالت هنا أم أنه هربها وهذا هو الأقرب إلى الصحة.
توالت البلاغات بعد أن سرى الخبر مثل النار في الهشيم، لكنها بلا نتيجة لأن المتهم غير موجود فلا يلومون إلا أنفسهم ولا يملكون إلا الصبر لسنوات إلى أن تنتهي الإجراءات والتحقيقات والشيكات التي بين أيديهم مجرد حبر على ورق لا قيمة لها.