تقارير

«وردي»... رائد الأغنية السياسية

رحل عن دنيانا الفانية يوم السبت الماضي الفنان السوداني المبدع محمد عثمان وردي. وشيعت الخرطوم جثمانه إلى مثواه الأخير، وسار في جنازته آلاف من السودانيين قال عنهم مذيع التلفزيون السوداني: (إنهم جاءوا من كل حدب وصوب)، وأنا أضيف: جاءوا من كل أطياف الاتجاهـات السياسيـة السودانيـة وزعمائهـا ورؤسائهـا الكبـار.. وصلـى عليه صلاة الجنازة رئيس الجمهورية، ونعاه قادة الأحزاب السياسيـة، وفي مقدمتهم الصادق المهدي رئيس "حزب الأمة" وإمـام طائفـة الأنصـار.
وبكى عليه أناس كُثر من عامة السودانيين ليس بينهم وبينه صلة مباشرة أو معرفة مباشرة، سوى أنه كان في نظرهم فنان الشعب الذي عبر بكلمة وبلحن موسيقي عن تطلعاتهم الوطنية وآلامهم الإنسانية، فقد كان "وردي"، كما يناديه الناس في السودان بحق وجدارة "فنان الشعب السوداني".
مسيرة ورحلة "وردي" الفنية قصة تستحق أن تُسجل، وأن يكتبَ ويروي عنها الكُتاب، فإن ذلك الشاب النحيل طويل القامة الذي جاء في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي من قرية صغيرة من قرى المديرية الشمالية إلى الخرطوم، سيروي التاريخ أنه في مسيرته الفنية أحدث انقلاباً خطيراً في دنيا الفن الغنائي السوداني، وأسس مدرسة جديدة في الحياة الفنية لا يزال أثرها مصاحباً لحياتنا الفنية الغنائية.
وسيروي عنه التاريخ أنه رائد الأغنية السياسية والوطنية الجديدة... فالأغنية السياسية - الوطنية قبل "وردي" مثل الشعارات والهتافات التي ترددها الجماهير في التظاهرات والمواكب السياسية.
لكن "وردي" الفنان المبدع والخلوق منح تلك الشعارات ثقافته وحسه الفني الجميل والشجاع طعماً ولوناً جديدين، فأصبحت الأغنية السياسية والوطنية التي تعبر عن حب الوطن والإيمان بالشعب وأحلامه السياسية بالكلمة والموسيقى مثل الأغنية العاطفية، التي تتغنى بحب الإنسان بمحبوبته والتغني بجمالها وصفاتها الحميدة، والتي بجميل لحنها وكلماتها يغنيها الناس كل الناس السودانيين ويردونها من دون مصاحبة فريق العازفين.
وهو في نظري إنجاز وعبقرية ودور الفنان محمد وردي وأثره في عالم الغناء السوداني الذي أنتج للسودان جيلاً من الفنانين المبدعين ساروا على خطاه الرائدة.
كذلك فإن هذا الفنـان المبدع قد انتقل بالأغنية السودانية من المحلية السودانية إلى القارية الأفريقية، فقد كانت أغاني "وردي" تُغنى وتُردًّد في بلدان الجوار الأفريقي، وأصبحت لها وله معجبون وتلاميذ كُثر في بلدان أفريقيا والعالم العربي، وأكد لي ذلك ما روته الأخبار بالأمس أن موجة الحزن على رحيله التي ظللت سحابتها السودان قد امتدت إلى عواصم أفريقية مجاورة وبكاه أهلها مثل ما بكاه أهل وطنه داخل السودان.
ومن عجائب السودانيين الذين يختلفون خلافاً شديداً في حياتهم السياسية وعقائدهم، فإن الأمر الوحيد الذي اتفقوا حوله هو حبهم وإعجابهم وافتخارهم بفنان الشعب المبدع محمد وردي.
وقد كان رحمه الله - إلى جانب صفات وميزات كثيرة - ناشطاً سياسياً ملتزماً مخلصاً لمبادئ الوحدة الوطنية والديمقراطية والعدالة والمساواة، وكان شديد الارتباط بجذوره الراسخة وناشطاً عاملاً ومضحياً ومؤمناً بإحياء وبعث الحضارة النوبية والثقافة النوبية، لابعنصرية، بل بوعي ثقافـي أدرك خلالـه أن احترام نمـاذج الثقافـات السودانيـة وتعددهـا هـو الطريق القويم إلى تحقيق الوحـدة الوطنيـة والسـودان الجديد. لذلك فقد كسب احترام وتقدير حتى خصومه في الحياة السياسية السودانية.
وبعد فإن اختياري للكتابة عن الراحل العزيز في مقال هذا الأسبوع، يعود إلى أنه هو واحد من المبدعين السودانيين، بل هو درة وجوهرة جبينهم الثمينة، حيث جملوا وزينوا حياتنا الثقافية والفنية المجدية بروائع الفنون -كل الفنون- وخلفوا وراءهم أثراً وتراثاً يتوجب علينا الوفاء والتقدير منا لهم... رحم الله الفنان -فنان الشعب السوداني- المبدع محمد عثمان وردي.


عبدالله عبيد حسن
كاتب سوداني مقيم في كندا