تقارير

أطفال غزة... وصدمة ما بعد الحرب

أبجيل هوسلوهنر
غزة

ما زالت فاطمة تحلم بأحمد. فأحياناً، يلعب الأخوان بألعابهما مثلما كانا يفعلان دائماً. ولكن في أحلام أخرى، تنظر فاطمة من الشرفة إلى جثة أخيها المدهوسة والمضرجة بالدماء ودماغه الوردي يندلق من جمجمته، بينما يصرخ والدها باكياً.
كان أحمد في السابعة عندما قُتل في ضربة جوية إسرائيلية خلال الغزو الإسرائيلي لغزة في عام 2008. وكانت فاطمة في الثامنة وقتها- ولكنها سن «كبيرة بما يكفي حتى تتذكر»، يقول والدها أسامة محمد قرطان. وبعد أربع سنوات على ذلك، خضعت فاطمة للعلاج وأخذت ما يقول والدها إنها أدوية «قوية» للتعاطي مع الذكريات المؤلمة. ومع أن الشقة الجديدة أكثر ظلاماً وضيقاً من الشقة القديمة، ولكن عائلة قرطان في حاجة إلى الابتعاد عن موقع الصدمة النفسية، يقول الأطباء.
ويقول قرطان إن فتور فاطمة وعدائيتها العفوية بدأت تتحسن -إلى أن عادت أجواء الحرب من جديد في نوفمبر الماضي.
وهذه المرة، بدت الانفجارات شخصية تماماً على غرار آخر مرة، وإمكانية الموت واردةً تماماً مثل آخر مرة كذلك. وعندما هزت الضربات الإسرائيلية البنايات لمدة أسبوع خلال أحدث مواجهة لإسرائيل مع حركة «حماس»، اختبأ أطفال عائلة قرطان الناجون في سلم البناية، مثلما علَّمت مدارس غزة الأطفال أن يفعلوا.
والواقع أن الغزيين كثيراً ما يتحدثون عن حتمية الحرب ومظاهر معاناتهم حيث يصفون غزة باعتبارها سجناً مادياً ونفسياً يتعرضون فيه للقصف الإسرائيلي في أحيان كثيرة، وليس ثمة ما يمكن القيام به غير تحمله. وبالفعل فإنه لا تكاد توجد أماكن في العالم العربي حيث يتم الحديث عن التأثيرات والصدمات النفسية بشكل صريح مثلما يحدث هنا في غزة. ولكن العاملين في قطاع الصحة يجادلون بأن ثمة أماكن قليلة جداً في المنطقة لاستقبال سكان يعانون كثيراً من الصدمة وشباب مهووسين جداً بالحرب.
وفي كل يوم لدى عودته إلى البيت من المدرسة، يرى ابن عم أحمد قرطان وأعز أصدقائه، زهير، لافتة تحمل صورة له وهو مضرج بالدماء وعليه ضمادات. وإلى جانبها، على جدار في الطريق إلى البناية التي تقطنها العائلة صورة مماثلة لأحمد ملفوفاً في كفنه الجنائزي. ويقول الوالد علاء محمد قرطان إن زهير كان أكثر ذكاءً ونشاطاً قبل أن يصاب في رأسه في الضربة الجوية نفسها، مضيفاً «إنه ليس عادياً الآن».
ويقول الأطباء النفسيون إن قلة قليلة في غزة يمكن أن يوصفوا بأنهم «عاديون». فالقطاع الضيق يعيش تحت حصار إسرائيلي حد من تدفق السلع والناس منذ نجاح حركة «حماس» في الانتخابات هنا في عام 2006. وقد عانى سكان القطاع البالغ عددهم 1,7 مليون نسمة من حربين في ظرف أربع سنوات. والجميع في غزة تقريباً يعرف شخصاً مات نتيجة العنف.
ولكن التأثيرات طويلة المدى هي أكثر ما يثير قلق بعض الخبراء. وفي هذا السياق، يقول عصام يونس، مدير مركز «الميزان» لحقوق الإنسان في غزة، الذي يوثق تأثير الحرب والحصار على سكان القطاع: «إن غزة في الوقت الراهن لديها كل الأسباب لجنوح الناس نحو التطرف»، مضيفاً «من خلال وضع أفراد شعب بأكمله تحت الحصار، فإنك تقضي على مستقبلهم. ثم ماذا يمكنك أن تتوقع؟ سيكون هناك مزيد من الكراهية، ومزيد من العداوة، ومزيد من المقاومة ضد الإسرائيليين».
ويرى بعض المثقفين الفلسطينيين والإسرائيليين أنه إذا كان المجتمع الإسرائيلي قد أصبح محافظاً ومنطوياً على نفسه أكثر خلال السنوات الأخيرة، فإن غزة تعرضت لذلك أيضاً في المقابل. إذ بينما ترك وقع الحرب تأثيره من خلال الصدمة النفسية، فإن عزلة القطاع كان لها تأثيرها الخاص على عقلية جيل بأكمله. والواقع أن الهوية الفلسطينية لطالما تركزت حول مقاومة عدو إسرائيلي، ولكن جيل والدي فاطمة تمكن مع ذلك من التعامل مع أعدائه خلال الاحتلال وانتفاضتي الثمانينيات والتسعينيات، عندما كان الجنود الإسرائيليون يجوبون شوارع غزة وكان العديد من الفلسطينيين يدخلون إسرائيل من أجل العمل.
ولا أحد في غزة يرغب في عودة الاحتلال. ولكن غياب التفاعل والاحتكاك بين الغزيين والإسرائيليين خلال السنوات الأخيرة، والمسافة المتزايدة التي تشن بها إسرائيل -من خلال طائرات مراقبة بدون طيار وطائرات حربية- جعلت الجيل الأصغر سناً يتبنى وجهة نظر مختلفة. وفي هذا الإطار، يقول يونس: «من خلال التعامل مع الآخر، فإنك تستكشف نفسك»، مشيراً إلى أنه وبعض زملائه مازال لديهم إلمام بثقافة الإسرائيليين مضيفاً: «ما زلنا نتحدث العبرية».
ويضيف يونس قائلا: «أما أولئك الشباب، فإنهم مختلفون قليلاً عن آبائهم. ولكن الإسرائيليين جعلوهم على ذلك النحو»، والسبب أن «التعامل الوحيد لأولئك الشباب -الأشخاص دون سن العشرين- مع الإسرائيليين هو من خلال مروحيات الأباتشي وطائرات إف 16».
ويقول مهنيو الصحة إن تجربة الحرب المتكررة مع عدو أجنبي جعلت شباب غزة منفعلين وعصبيين. ذلك أن القلق المفرط، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة... كلها أشياء أضحت شائعة ومتفشية بين شباب غزة. كما يتحدث المعلمون والآباء والأطباء النفسيون عن أطفال يعبِّرون عما يشعرون به في الفصل الدراسي، ويعانون من مشاكل وصعوبات في التركيز والكلام، ويقفزون لدى سماع الأصوات القوية، ويتبولون في السرير ليلا.
صلاح حاج يحيى، مدير عيادة متحركة في القطاع تابعة لمنظمة غير حكومية إسرائيلية تدعى «أطباء من أجل حقوق الإنسان»، قال إنه شارك في مبادرة صحية نفسية خلال السنوات الأخيرة عرضت رسوم أطفال غزة. ولكن العملية كانت مزعجة جداً إذ يقول: «إنك ترى رسوم غارات جوية، ودبابات تطلق النار، ومنازل تهدم»، مضيفاً «هذا هو ما يجول في أذهان ومخيلات أطفال غزة. ما يراه المرء في تلك الرسوم ليس حياة سعيدة».
وبعد أكثر من شهر على مفاوضات وقف إطلاق النار الذي رعته مصر بين إسرائيل و«حماس»، يأمل بعض الغزيين أن تكون أيام العزلة قد شارفت على نهايتها. فقد طالبت «حماس» بإنهاء حصار إسرائيل كواحد من شروطها للحفاظ على وقف إطلاق النار. وفي يوم الأحد الماضي، سمحت إسرائيل لشحنة من مواد البناء بدخول غزة لأول مرة منذ سنوات. غير أن آخرين كثيرين ما زالوا يعتقدون أن الحرب حتمية وأن أي مكاسب تحققت مؤخراً ضد الحصار الإسرائيلي إنما جاءت نتيجة لتحسن القوة الصاروخية. وبالنسبة للأطفال مثل فاطمة، الذين لم يسبق أن رأوا إسرائيلياً، فإن الأشخاص الذين قصفوا الأحياء السكنية المكتظة في 2008-2009 ثم في نوفمبر ما زالوا أشراراً بعيدين، وأسطوريين تقريباً.
وفي مدرسة المعتصم بالله في مدينة غزة، حيث تصور الجداريات في ساحة المدرسة دمية ودباً وبندقية وخريطة فلسطين، يحكي الأطفال قصصاً مخيفة من حرب نوفمبر مع إسرائيل، إلا أنه لم يسبق لأي منهم أن التقى إسرائيلياً من قبل. لقد هوجمت غزة، كما يقولون، للسبب نفسه الذي جعل إسرائيل تضربها في 2008: قتل الفلسطينيين والاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية.
ويقول محمود شكري، وهو طفل في الثانية عشرة من عمره: «في المسجد، يقول لنا الشيوخ دائماً إن علينا أن نصبح مقاومين عندما نكبر حتى نسترجع أرضنا».
وفي مساء أحد الأيام مؤخراً عندما أغرق انقطاع التيار الكهربائي شقة عائلة قرطان في ظلام دامس، عبَّرت فاطمة عن شعور مماثل حيث قالت: «أريد أن أصبح شرطية عندما أكبر»، مضيفة «أريد أن أسترجع حقوق الأطفال الأبرياء وأريد أن أثأر لأخي!».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»