دنيا

ضحية أم مجرمة؟

أحمد محمد (القاهرة) - تدخل الجيران كثيراً لحل الخلافات التي أصبحت شبه يومية بين وفاء وزوجها، ولم ينجحوا في تقريب وجهات النظر أو التوصل إلى أي اتفاق لأن الشقاق كبير والهوة واسعة، ولا أحد منهما يريد أن يتنازل أو يتقدم خطوة نحو التصالح، وكل منهما يرى أنه على حق وأن الآخر هو المقصر ويتحمل المسؤولية كاملة، ومع الإصرار والتصلب في الرأي تركوهما لشأنهما يتوليان أمرهما بنفسهما وقد أصبح الشجار حدثاً يومياً بينهما ولا يقع إلا في الهزيع الأخير من الليل أو قبيل الفجر بقليل، عندما يعود الزوج من عمله وصوتهما يشق سكون الليل وكان في البداية مزعجاً، لكنه أصبح معتاداً ولا يلتفت إليه أحد.
الليلة عاد متأخراً كعادته لم يبق على أذان الفجر إلا ساعة تقريباً تكرر المشهد ولا أحد يتدخل، بل الجميع يغطون في نوم عميق عاتبته على تأخره وإهماله لبيته ولها وللطفلتين اللتين لا يراهما ولا تريانه بسبب سهره وقضاء كل وقته خارج البيت، لم يعرها اهتمامه فكررت على مسامعه ما قالته قبل قليل وما تقوله كل ليلة وعند كل خلاف فهذا هو سبب الشقاق بينهما وذكّرها بذلك، فهي تعيد نفس الكلمات ويرد عليها أيضاً بكلمات مكررة، طلب منها أن تصمت حتى الصباح ولا داعي للحديث الآن فلم تستجب ولم تكف عن الثرثرة، وهي تنفي عنه صفات النخوة والرجولة وتصفه بعدم المسؤولية واللامبالاة، وكل ذلك ليس جديداً منها، فقرر أن يتجاهله ويصم أذنيه ولم يزد على أن قال لها إنه اقترب من تنفيذ وعيده وتهديده بأنه سيتزوج امرأة أخرى ويتخلص من هذا الجحيم.
يبدو أنه كان متعباً من العمل والسهر فراح يغط في نوم عميق خلال لحظات معدودة عادت لتفكر في كلماته الأخيرة أكلتها نيران الغيرة، وهي لا تعرف إن كان صادقاً وجاداً في تهديده أم لا، لكن الشكوك تأكلها والنيران تشتعل في صدرها والهواجس تتلاعب بها وليست في حاجة إلى دليل أكثر من إحساسها الذي يؤكد لها أنه ماض في خطته للزواج من امرأة جميلة هادئة وديعة ليتخلص منها ومن نكدها.
إذا لن تتركه ينعم بما يريد ولن تقبل أن يجرح كرامتها أكثر من ذلك بعد الهوان الذي تعرضت له على يديه، وأين تذهب بالطفلتين وكيف تعيش بعد أن جعلها تترك عملها إنها خسائر لا يمكن لها أن تعوضها ولابد أن تتخلص من هذا كله وتجهض مخططه قبل أن يدخل حيز التنفيذ وحينها لا ينفع الندم وليس أمامها فعل أي شيء وستجد نفسها أمام الأمر الواقع ويذهب إلى أحضان امرأة أخرى، وهي مع هذا غير راغبة فيه لكنها لا تقبل أن يتزوج عليها.
اتخذت قرارها النهائي نهضت واقفة وأمسكت بقطعة خشبية وهوت بها على رأسه بضربات ثلاث كانت كافية لإزهاق روحه في الحال وسالت دماؤه على فراشه وأصبح جثة هامدة، ووجدت نفسها قاتلة في لحظة جنون فقدت فيها عقلها والتفت حولها كل المخاوف وحبل المشنقة يتدلى أمام رقبتها وخوفها على مستقبل ابنتيها وضياعهما وندمت وتمنت لو عاد كل شيء إلى ما كان عليه وليفعل ما يريد، لكن قضي الأمر بدأت تبحث عن مخرج فاتصلت بشقيقها الذي استيقظ فزعاً على رنين الهاتف في هذا الوقت المتأخر وأخبرته بما حدث وطلبت منه مساعدتها في التخلص من الجثة قبل أن يطلع الصبح ويكتشف الأمر، لكنه أغلق الخط في وجهها بعد أن وبخها وأكد أن عليها أن تتحمل نتيجة فعلتها قامت بالاتصال بالمحامي الذي كانت تعمل عنده سكرتيرة قبل أن تتزوج وأخبرته بالجريمة وطلبت منه المساعدة أيضاً، لكنه كرجل قانون أكد لها أن عليها أن تسلم نفسها للعدالة وهذا هو أفضل سبيل لها ولا يمكنه أن يقف بجوارها إلا بالقانون وسيدافع عنها فيما بعد إن وجد سبيلاً لذلك.
كل الطرق أصبحت مسدودة أمامها وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من القيود الجديدة والنهاية الدرامية، لكنها لم تستسلم وضعت الجثة فوق البطانية التي كان يتدثر بها وقامت بجره على السلم من الطابق الثالث وألقت به وعادت لتغسل وتمحو كل آثار الدماء حتى لا تترك دليلاً يدينها ويثبت أنها وراء الجريمة خلدت إلى فراشها واعتقدت أنها ستنام إلى أن يتم اكتشاف الجثة ويخبرها الجيران بها ويكونون شهداء على أنهم هم الذين اكتشفوا الجثة، لكن لم يغمض لها جفن، وهي تتخيل ما سيحدث لها ولا تعرف إن كانت خطتها ستنجح أم لا وماذا تقول في التحقيق وكيف تهرب وتراوغ، ولم يمض كثير من الوقت حتى بدأ السيناريو الذي وضعته يتحقق فها هو أحد الجيران يدق جرس الباب ويخبرها بالعثور على زوجها مقتولاً صرخت من هول المفاجأة كأنها لا تعرف شيئاً خرجت مهرولة وهي تواصل الصرخات حتى أيقظت الجميع وحضرت جاراتها تشاركنها الأحزان والصراخ أيضاً.
أبلغوا الشرطة وبدأت التحقيقات، وقالت الزوجة إنها لا تعرف شيئاً عن الجريمة وأن الجيران أبلغوها بالعثور على جثة زوجها في المدخل وهم شهود على ذلك وطالبت بالقصاص لزوجها والد ابنتيها ولابد أن ينال المجرم عقابه الرادع، لكن المعاينة لمنزل الزوجية كشفت بسرعة أنها القاتلة وعثر على آثار دماء لم تفلح في التخلص منها تماماً وفي نفس الوقت حضر أخوها وأخبر بما حدث وأنها هي المجرمة ولم تجد مخرجاً ولا سبلاً للمراوغة وجلست تعترف بكافة التفاصيل.
قالت «وفاء» وقد تحجرت الدموع في عينيها عمري اثنتان وثلاثون سنة وقبل عشرة أعوام حصلت على مؤهل متوسط وعملت سكرتيرة في مكتب محام إلى أن جاء هذا الشاب ليخطبني ولم تكن بيننا معرفة سابقة وأعجبت به فهو يعمل مندوب مبيعات في شركة مياه غازية وطلب مني أن أترك عملي، ورغم أنني كنت متمسكة به فقد نزلت على رغبته طالما يقوم بواجباته نحو بيته وتم استئجار شقة في منطقة متواضعة حسب إمكانياته ولم تكن لنا أي مطالب وتحملت معه الظروف الصعبة التي ازدادت صعوبة بعد أن ترك العمل وأصبح عاطلاً، واضطررت لبيع مجوهراتي للإنفاق على الأسرة بعد أن رزقنا بطفلتين.
ومنذ عامين وجد زوجي فرصة عمل في فرقة موسيقية متواضعة كونها مجموعة من الأصدقاء لإحياء الأفراح والأعراس وبدأ يهتم بمظهره وملابسه ولا نعرف شيئاً عن دخله، لكن كانت تلك نقطة البداية للتغير والخلافات، ينام النهار ويسهر طوال الليل ويعود قبيل الفجر وأحياناً يكون مخموراً ولأنه كل ليلة في حفل جديد، فإنه يرى المزيد من النساء والفتيات اللاتي يحضرن الحفلات وهن في أبهى زينة فيعقد مقارنة بيني وبينهن ويقارنني بهن ويسمعني كل ليلة موشحات في التغزل فيهن وإظهار محاسنهن وأخرى في عيوبي وإهمالي لنفسي وله، وعبثاً حاولت أن أفهمه أن كل امرأة فيها مزايا وعيوب وأنه يريد أن يري في شخصيتي كل نساء الدنيا وهذا محال.
لم يقف الأمر عند ذلك، بل راح يسبني ويضربني ولا يتورع عن ذلك كل يوم حتى كاد يقتل ابنتنا عندما تدخلت لتدافع عني وهو يجثم على صدري ويحاول أن يقتلني فدفعها بقوة وارتطم رأسها بالحائط وفقدت الوعي، ومن يومها وهي لا تحب أن تراه وتخاف منه وتصاب بالرعب عند حضوره، ولا يريد أن ينفق علينا وكلما طالبته بحقوقنا عليه استنكر ذلك وادعى الفقر وأنه لا يملك شيئاً وأصبحت مشاجراتنا يومية معتادة تدخل الجيران فيها كثيراً، لكنهم عجزوا عن إقناعه ولم يسمع لنصائحهم ولم يستجب لهم.
وزاد الطين بلة عندما أفصح عن نيته الزواج لأنه لم يعد يستريح لي ولا يريدني ويود أن يتخلص مني ويتهمني بأنني سبب النكد ويعفي نفسه من المسؤولية، صحيح أنني كنت أطالبه بحقوقنا وأغار عليه مع أنني لا أحبه، فلا أقبل أن تأخذه مني امرأة أخرى، فهذا امتهان لكرامتي وجرح لكبريائي، فأنا في نفس الوقت لست دميمة، بل بشهادته هو أنني جميلة وكان كثيراً ما يتغزل في جمالي وعيني وشعري الأسود، لكن يبدو أن النساء المتزينات كل ليلة في الإفراح قد سلبنه عقله.
فجأة أصيبت وفاء بحالة من الهياج والعصبية والتشنج وصرخت لست مجرمة، بل هو المجرم إنه يستحق الموت ألف مرة فقد حوّل حياتي إلى جحيم وسلبني الأمان وأذاقني العذاب ألواناً، إنه لا يستحق أن يقال إنه رجل، فالرجولة ليست كلمة وإنما تصرفات وأفعال ومواقف وهو لا شيء فيه من هذا كله حولني إلى مجرمة وأنا الضحية بسبب عينيه الزائغتين وتقصيره.
نعم قتلته ولو عاد إلى الحياة ألف مرة لقتلته أيضاً، أنا لست نادمة عليه ولا على فراقه، وإنما نادمة على تنازلاتي وتضحياتي معه، نادمة على عمري الضائع ومستقبلي المفقود وعلى الطفلتين اللتين لا أدري ماذا سيحدث لهما.
كررت وفاء اعترافاتها في تحقيقات النيابة وقامت بتمثيل كيفية ارتكاب الجريمة بالتفصيل.