دنيا

الفريسة والصياد

نورا محمد (القاهرة) - لأن أخي تزوج أخته وصارت علاقة مصاهرة بين الأسرتين، وحدث ارتياح وتوافق بين الجميع، فقد تقدم لخطبتي، ولم يكن لي موقف محدد، فالزيجة عادية لا عيوب فيها ولا مميزات ولم يأخذوا رأيي وأنا صاحبة الشأن، لكن ليس لي ملاحظات أو اعتراض على شيء، ووافقت بالصمت ولم تكن لي شروط أو أحلام مثل الفتيات، فأنا منذ تركت الدراسة في المرحلة الإعدادية، ولم أحصل على أي شهادة تعليمية وأنا قابعة في البيت أساعد أمي في شؤون الأسرة ومن الطبيعي أن أكون في انتظار عريس، وها هو يأتي لكنني أشعر فقط بأنه بلا مشاعر وربما لم أكن أنا المقصودة بالاختيار لأن الشاب لم يكن هو الذي اختارني وإنما أسرته.
وتم الزواج وانتقلت أخته إلى بيتنا وانتقلت أنا إلى بيت أسرته نعيش «جماعة» في منزل ريفي لم يكن غريباً عليَّ، فقد كنت أعيش في مثله وعلى غير المتوقع أحببت زوجي وأحبني إلى حد الجنون، لكن هذا الحب لم ترض عنه حماتي لأنها ترى أنني أخذت ابنها منها مع أننا نقيم معها في بيتها، ولم يكن هناك داع، لذلك وتحملنا تصرفاتها المتعسفة على مدى عامين كانت بعدهما النهاية المؤسفة، فقد وقعت خلافات بين أخي وزوجته أي شقيقة زوجي وغضبت وعادت إلى بيت أبيها، لكن حماتي لم تتحمل أن نكون على وئام وقررت أن تطردني رداً على الخلافات بين ابنتها وأخي كنوع من الرد والانتقام أو الضغط.
بعد جهود مضنية لم يتم التوصل إلى اتفاق بأي شكل وقرر أخي تطليق زوجته، فقررت حماتي أن يكون طلاقي أيضاً في نفس المجلس وأعلنتها صريحة أنها لن تقبل ولن تتحمل أن تراني في بيتها وابنتها قد عادت إليها مطلقة وفشل «حماي» في إقناعها بأنني وزوجي لا ذنب لنا فيما حدث ولا يجوز أن نؤخذ بذنب غيرنا وكان للرجل شهادة حق في جانبي، لكنه لم يستطع التأثير عليها، بينما لاذ زوجي بالبكاء ولأول مرة أجد رجلاً يبكي بهذا الشكل لم يكن له حول ولا قوة كسير الجناح ليس بيده ما يمكن أن يفعله، واستسلم للأمر الواقع وتم طلاقنا نحن الأربعة في لحظة وعدت إلى بيت أبي وطليقي لم يكف عن البكاء، ووعدني بأنه سيحاول مع أسرته ليردني مرة أخرى، لكن رغم مرور ثلاثة أعوام لم يستطع أن يثني أمه عن موقفها المتصلب، بل وحتى يقطعوا خط الرجعة تماماً قاموا بتزويجه رغم أنفه.
هنا فقدت الأمل في العودة إليه وقررت أن أخرج من قوقعتي وأعيش الحياة بشكل طبيعي ولم أجد إلا العمل لأنشغل به عن هذه الهموم ووجدت فرصة في مصنع صغير للمواد الغذائية يديره صاحبه بنفسه رجل تخطى الخمسين من عمره عرفت بعدما اقتربت منه أنه تزوج ثلاث مرات الأولى أنجب منها طفلين، لكنهما لم يكونا على وفاق وكانت بينهما خلافات كبيرة وانتهت بالطلاق، والثانية شابة كانت لا تهتم إلا بنفسها وحياتها ولا يشغلها إلا السفر والترحال وطلب المال، فلم يعجبه ذلك وتم الطلاق، أما الثالثة فكانت سكرتيرته والتي - على حد قوله - كانت مثالاً ونموذجاً للطمع، وكانت تخطط للاستيلاء على الشركة وتحاول أن تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياته وحياة طفليه وتريد أن تستولي على كل ثروته وربما تهدف إلى حرمان الصغيرين منها، وكذلك إبعاده عن الإدارة وأيضاً تم الطلاق.
وجدت في الرجل كتلة حنان متفجرة، وبالمناسبة أنا لا أفتقد الحنان ولا أبحث عنه فأبي أحاطني بكل الرعاية والاهتمام في جميع مراحل حياتي وخاصة في محنتي وهو الذي ساعدني كي اجتازها، لذا فلست محرومة من العطف ولا الحنان ويحكي لي الرجل مأساته وهو يبكي وكلما تذكر شيئاً من التفاصيل أو المواقف أو يعيد لي الحكاية مرة أخرى، فإنه لا يكف عن البكاء ولا يستطيع أن يقاوم دموعه وتسيل غزيرة ويبدو تأثره الشديد وهو يحاول أن يفهمني أنه لا يستحق كل هذا الجفاء، كنت أستمع له للتخفيف عنه ولأتيح له فرصة الفضفضة، فأنا لا أملك له أكثر من ذلك وهو يعاملني مثل ابنته فعمره يزيد كثيراً على ضعف عمري، وكان من الطبيعي أن أخبره أنا الأخرى بما حدث لي وما وقع عليَّ من ظلم وأبدى تعاطفاً كبيراً معي وحسب قوله، فقد جمعنا أنا وهو الظلم تحت مظلته القاسية.
دموع الرجل لا تتوقف والآن هو يعاني الطفلين ومسؤولياتهما وغير قادر على التعامل مع احتياجاتهما ولا تلبيتها وما زال يشكو ويتألم من تجاربه الثلاث السابقة ووجد مني آذانا مصغية كانت تخفف عنه فيستريح للحديث معي وقربني منه وفتح قلبه، وقال وتحدث عن كل ما يعانيه وتقاربت المسافات التي كانت بيننا وضاقت الهوة وولدت لدينا مشاعر مشتركة هو يحتويني بحبه وحنانه وأبوته وأنا قررت أن أساعده - رغم ضعفي وقلة حيلتي - على أن يجتاز هذه المرحلة وأن يرتفع فوق آلامه وأحزانه ومعاناته وهو غير قادر كرجل على أن يلعب دور الأم ولم تكن أمواله الكثيرة قادرة على ذلك ووجدت أن من واجبي أن أقف بجواره.
فاتحني صراحة وعلى استحياء إن كنت أقبله زوجاً ولم لا وأنا امرأة مطلقة وقد لا يكون مرغوباً فيَّ بعد الطلاق وكل رجل يسأل نفسه ويسألني مليون مرّة لماذا تم الطلاق؟ ولا يمكن أن أجد بينهم من يضع يده على الجواب الصحيح بأنني مظلومة، وكل الرجال يخيل إليهم أن المطلقة طلقت لسوء سلوكها أو على الأقل لأنها مليئة بالعيوب أو لا تصلح لأن تكون زوجة ولم أنس أنه يكبرني بما يصل إلى ثلاثين عاماً، لكن بيننا أشياء مشتركة منها أن كلاً منا تعرض للمظالم في حياته ونحتاج إلى من يداوي جروحنا.
تم الزواج سريعاً في شقته الفسيحة، فلا يمكن أن أقيم في مسكن مستقل بسبب الصغيرين ولأتولى رعايتهما، كما اتفقنا من قبل وقبلت ذلك بكل رضا وصدر رحب وعاهدته مخلصة على أن أقوم بهذه المهمة، لكن اكتشفت من البداية ما لم أتوقعه ولم يكن في الحسبان فقد أصدر مجموعة من الأوامر أو الفرمانات وأولها قائمة من الممنوعات يتصدرها عدم فتح الباب لأي شخص غريب أو قريب وعدم الرد على الهاتف بأي حال من الأحوال وعدم الخروج من البيت بإذن أو بدون إذن ومحظور تماماً زيارة أسرتي أما زيارته في الشركة، فهذه ترقى إلى درجة التحريم، وأخذت هذا كله على محمل الحرص من جانبه والخوف عليّ وربما من قبيل الغيرة بسبب كبر سنه وصغر سني، بل واعتبرت ذلك نوعاً من الحب والمشاعر الملتهبة وكل مهمتي أن أتفرغ لرعاية ولديه وأن أقوم بأعمال النظافة وغسل الملابس والأواني والطهو ولم أجد ضيراً في هذا فسيدة البيت لا مهام لها إلا ذلك.
هذا كله لا يذكر أمام ما بدأت أكتشفه أيضاً عن الخفي في شخصيته فقد وجدت إنساناً آخر مختلفاً كل الاختلاف عن الرجل الذي عرفته، وكانت دموعه حاضرة لمجرد أن يسرح بخياله في أحداث الماضي هو في البيت وحش كاسر عصبي المزاج عالي الصوت لا يكف عن النقد بجانب إصدار الأوامر كأنه يريد أن يثبت لي ولنفسه ولولديه أنني لست زوجة، وإنما خادمة ولا يجوز لي أن أتخطى هذه الحدود، ولم يكن ذلك خافياً بل يعلنه ويكاد يصرح به ولا تفسير لتصرفاته إلا ذلك.
ورغم الحصار الذي ضربه حولي، فقد استطعت أن اكتشف أنه شخص كاذب ومراوغ، فقد تزوج من قبل خمس مرات، وليس ثلاثاً فقط كما أخبرني، بل إنه ما زال على اتصال بأم ولديه ويحاول أن يعيدها لعصمته، لكن هي التي ترفض وما كانت حالات الطلاق الخمس كلها إلا بسبب تصرفاته وقسوته معهن وانفصام شخصيته وسوء معاملته التي لم تطقها أي منهن وقد استطاع أن يوقع بي في شباكه بدموع التماسيح.
بعد عام جاء اليوم الأسود الذي كشف الحقيقة مثل الشمس في رابعة النهار، عندما تأكدت أنني حامل وقد اعتقدت واهمة أن هذا الخبر سيسعده وأنه سوف يغير من معاملته لي، بينما العكس هو الصحيح، فقد أثبت صحة ما كنت أحاول أن أتجاهله من أنني مجرد خادمة على هامش حياته لا زوجة تشاركه كل ما في الدنيا، وثار ثورة لم أر مثلها من قبل كان مثل الثور الهائج الجريح يضرب رأسه بالحائط حتى سال منه الدم وهو يؤنبني ويوبخني ويتساءل كيف يكون لأبنائه أخ من امرأة مثلي، هنا فقط أفقت على الحقيقة المرة التي كنت أهرب منها، وأكدها بنفسه بأنني لا بد أن أتخلص من هذا الجنين، وإلا فإن الطلاق سيكون في انتظاري ومع ذلك فإنه سينكر الطفل ولن يسمح بنسبه إليه وهنا أسقط في يدي وكنت في موقف لا أحسد عليه وعاجزة عن التصرف حتى جاءني بشاب قال عنه إنه طبيب وأجرى لي عملية إجهاض في المنزل رغم أنفي بعد أن قام بتخديري.
لم يعد أمامي ولم يترك لي خياراً غير أن أطلب الطلاق حتى وإن لم يكن يريده، فلا يمكن أن أقبل أن أكون خادمة أو مربية في شكل زوجة ولا أقبل العيش مع ثعلب مراوغ خلع برقع الحياء وثياب الرجولة ويتخفى وراء دموعه، ولن أخسر شيئاً جديداً بعد كل ذلك وكفى أن أكسب نفسي وحريتي ولا يهم أن أحمل لقب مطلقة للمرة الثانية.