عربي ودولي

الإمارات تتصدر جهود تأهيل الصومال ومكافحة القرصنة

هنري بيلينجهام الوزير البريطاني للشؤون الأفريقية خلال الحوار مع «الاتحاد»

هنري بيلينجهام الوزير البريطاني للشؤون الأفريقية خلال الحوار مع «الاتحاد»

أكد هنري بيلينجهام الوزير البريطاني للشؤون الأفريقية، أهمية الدور الكبير الذي تضطلع به دولة الإمارات العربية المتحدة في الجهود الرامية لبسط الأمن والاستقرار في الصومال وإعادة بنائه وتأهيل مؤسساته، مشيراً إلى المساعدات الإنسانية واللوجستية الضخمة التي تقدمها الدولة ميدانياً بهذه البلاد المضطربة. وشدد في حديث خاص لـ”الاتحاد” على أهمية الجهود الإماراتية المتعاظمة في مكافحة القرصنة البحرية، مبيناً أن الإمارات في صدارة الدول المتصدية لهذه الأنشطة الهدَّامة، ولافتاً إلى تنظيمها مؤتمراً ناجحاً العام الماضي، ساهم في حشد الجهود الإقليمية والدولية لمكافحة القرصنة، ومنوهاً بمؤتمر مماثل في يونيو المقبل.
وكشف الوزير البريطاني، خلال زيارة للدولة مؤخراً، للتشاور بشأن مؤتمر لندن الخاص بأزمة الصومال المقرر عقده غداً الخميس، أن اللقاء يهدف لصياغة مقاربة دولية جديدة، تعنى ببلورة حل جذري للأزمة الصومالية المستفحلة بأبعادها كافة، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بعد أن أثبتت السنوات الـ 20 الماضية فشل المبادرات الإقليمية والدولية في انتشال هذه البلاد من عثرتها. وأفاد بأن المؤتمر سينعقد بمشاركة مسؤولين يمثلون 40 حكومة، إضافة إلى منظمات متعددة الأطراف ومؤسسات المجتمع المدني. وأشار إلى اختلاف نوعي يميز مؤتمر لندن عمّا سبقه من مؤتمرات، كونه يركز على بحث الكيفية الملائمة لمعالجة جذور الأزمة الصومالية والتداعيات المترتبة عنها من فوضى وغياب للأمن وانهيار للمؤسسات، في ظل أزمة إنسانية طاحنة وفرت بيئة ملائمة لصعود حركات التطرف وتنامي أنشطة القرصنة البحرية.
وشدَّد بيلينجهام على أن مهمة إعادة بناء الصومال وبث الروح في مؤسساته السياسية والاقتصادية والأمنية، باتت من القضايا الأكثر إلحاحاً على الصعد كافة، المحلية والإقليمية والدولية، مؤكداً قناعة لندن أن الوقت الراهن أكثر ملاءمة لإنجاز هذه المهمة، في ضوء ما يتوافر حالياً من استقرار نسبي في عدد من الأقاليم الصومالية. وقال إنَّ المسألة الأمنية في الصومال تتصدّر جدول أعمال المؤتمر الذي سيدرس صياغة برنامج تمويل مستدام لتعزيز دور البعثة الأفريقية “أميصوم” ويعينها على التحرك بشكل أكثر فعالية لبسط الأمن والاستقرار والتصدي لبؤر التوتر، فضلاً عن إحياء القطاعات القضائية ودعمها بجهات منضبطة لإنفاذ القانون. كما يُعنى المؤتمر ببلورة اتفاق على الآلية السياسية التي ستحل محل المؤسسات الانتقالية الحالية في الصومال، والتي ستنتهي ولايتها بحلول أغسطس المقبل.
ويتداول المسؤولون خلال المؤتمر سبل توطيد الاستقرار وسط الجماعات المحلية التي تمزقها الصراعات القبلية والجهوية، والعمل على رفدها بحزم دعم دولية منسقة بما يعيد تأهيل الإدارات الإقليمية. كما يتناول المؤتمر سبل مكافحة الإرهاب من خلال تجديد الالتزام الدولي بخطط عمل مشتركة لمحاربة بؤر التطرف ومنعها من إعادة إنتاج الظروف الملائمة لتناميها في الصومال. ويسعى المؤتمر إلى الاتفاق على خطط لتفكيك البنية التحتية للقراصنة من خلال إيجاد بدائل اقتصادية ملائمة وجاذبة لتحطيم الهالة التي اكتسبها القراصنة، باعتبار أن نشاطهم أصبح “مهنة” مدّرة للكسب السريع. كما يفرد المؤتمر حيزاً مهماً للأزمة الإنسانية في الصومال، مع التركيز على التوافق على آلية دولية معززة لمعالجة التحديات كافة الناجمة عن الأزمة الطاحنة.
ولفت بيلينجهام إلى أن مؤتمر لندن يرمي لإعطاء زخم جديد للمساعي الجارية حالياً، وأن يشكل عاملاً محفزاً لها، بما يطور ويعزز آليات التنسيق من أجل الخروج بأفضل النتائج. وربط بين توقيت انعقاد المؤتمر وظهور تحولات إيجابية مهمة على الساحة الصومالية، مشيراً إلى رصد حالة من الاستقرار النسبي في أرض الصومال وبنط لاند ومنطقة جالمودوج التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، وتشهد نوعاً من الهدوء النسبي. وأشار أيضاً إلى تحالف ميليشيا “أهل السنة والجماعة” مع حكومة شيخ شريف أحمد لمكافحة جماعة “الشباب” المرتبطة بـ”القاعدة”.
واعتبر أن من المؤشرات الإيجابية، انسحاب معظم ميليشيات الشباب من منطقة مقديشو، وتراجع المسلحين من مناطق في الجنوب والغرب بعد فقدانهم السيطرة. وأكد بيلينجهام ضرورة استغلال هذا الظرف السانح لتعزيز الاستقرار بهذه المناطق من خلال تأمين فرص التنمية وضمان مشاركتها في العملية السياسية التي تقتضي تشكيل جمعية تأسيسية جديدة بحلول أغسطس المقبل. وذكر أن مؤتمر لندن معني بالبحث في كيفية التوصل إلى اتفاق مع الأطراف الصومالية بشأن الجمعية التأسيسية المرتقبة والتي لا بد أن تكون ذات تمثيل شامل يضم المناطق والجماعات كافة. وشدّد على أن مكافحة حركة الشباب، لا تعني أبداً إغلاق الباب أمام من يثوب إلى رشده ويبدي استعداداً للاندماج في عملية إعادة البناء. ونوَّه بالدور الكبير لدولة الإمارات في هذا المجال، كونها موجودة في الميدان من خلال مساعداتها الضخمة التي تقدمها في أجزاء مهمة من الصومال.
وقال بيلينجهام إنَّ تجربة الإمارات في الصومال حيوية وقوية أتاحت للفرق العاملة هُناك إلماماً واسعاً بطبيعة الأشياء، مبيناً أن بريطانيا التي ترتبط بشراكة قوية مع الإمارات، تتطلع للإفادة من تلك التجربة، لا سيما أنها ترصد برامج مساعدات كبيرة للصومال وهي بحاجة للمساعدة في توصيلها. واعتبر أن الإمارات من أميز شركاء بريطانيا في عدد كبير من المجالات، الأمر الذي يمكن توظيفه على نحو أمثل لمساعدة شعب الصومال لإنقاذه من براثن الفوضى ويعيد له الأمل في مستقبل مشرق بعيداً عن الحروب والاقتتال.
ومن القضايا المهمة المطروحة للبحث في المؤتمر أيضاً، مسألة تعزيز التفويض الممنوح لمهمة الاتحاد الأفريقي في الصومال، حيث سيسعى اللقاء لتأمين مصادر تمويل مستدامة للبعثة بما يطور فاعليتها ويوسع نطاق نشاطها. ورأى بيلينجهام أنه كلما تم إحراز تقدم في الواقع الصومالي، كلما زادت الحاجة إلى المزيد من التنسيق وسط المانحين والحكومات والمنظمات التي تقدم الدعم، مبرزاً الحاجة القصوى لصياغة آليات تنسيق فعّالة بين الأطراف المختلفة، بما يتيح توجيه الجهود كافة للمهمة الأساسية ممثلة بإعادة بناء الصومال والنهوض به وإعادة إدماجه في المجتمع الدولي.
ورفض الوزير البريطاني مزاعم بأن مؤتمر لندن معني فقط بمكافحة القرصنة البحرية والتطرف، مستشهداً بأجندة اللقاء التي تصب كلها في مجرى مقاربة دولية لإرساء بنية سياسية اقتصادية أمنية اجتماعية للنهوض بالصومال. وقال إن المطروح على مؤتمر لندن هو التوصل إلى رؤية شاملة تعالج جذور الأزمة الصومالية التي فرّخت الفوضى والبيئة الملائمة لتنامي الأنشطة الخارجة عن القانون.
وأكد أن مؤتمر لندن معني بحفز وتفعيل عمليات ملاحقة القراصنة بواسطة الأساطيل الدولية المنتشرة في المنطقة، وإلقاء القبض عليهم وضمان إحالتهم على القضاء، مع توفير المؤسسات العقابية بإعادة تأهيلها في الصومال وبنط لاند وأرض الصومال، بالتعاون مع زعامات هذه المناطق. كما أكد أن إعادة تأسيس البنية التحتية للسلطات القضائية وتأهيل المؤسسات العقابية، إضافة إلى انخراط القيادات المحلية في الجهود الدولية، من شأنها القضاء على ظاهرة القرصنة البحرية وعمليات اختطاف الرهائن.
ونوَّه الوزير البريطاني بأوجه الشبه العديدة بين الإمارات وبريطانيا، خاصة في مجال التجارة والنقل البحري، كون البلدين يمتلكان عدداً كبيراً من السفن التجارية العابرة لمنطقة الخليج. وأكد أن الإمارات أصبحت في طليعة الدول المتصدية لأنشطة القرصنة، مشيراً إلى إنجازات باهرة حققها المؤتمر الذي نظمته الدولة في 2011 على صعيد جهود مكافحة هذه الآفة البحرية، فيما تستعد الإمارات لتنظيم مؤتمر آخر لهذا الغرض في يونيو المقبل، مؤكداً ثقته في أن المؤتمر سيوفر زخماً كبيراً لمتابعة تنفيذ ما يسفر عنه لقاء لندن غداً. كما نوَّه بيلينجهام بالعمليات الناجحة التي شنتها دولة الإمارات خلال الأشهر الماضية والتي أجهضت عدداً من هجمات القراصنة بالمنطقة. وأوضح أن عدداً متزايداً من شركات الشحن البحري لجأت لتزويد ناقلاتها بحراسة خاصة على متنها، الأمر الذي ساهم أيضاً في الحد من وتيرة الهجمات على النقل البحري. وقلل من المخاوف التي تبديها بعض الجهات إزاء شركات الأمن الخاص بالشحن البحري التي تصاعد نشاطها خلال السنوات القليلة الماضية، نظراً لتصاعد هجمات القراصنة، معتبراً أنه يمكن تنظيمها بما يتيح لها تقديم خدمات قيمة للتجارة البحرية.
وأكد بيلينجهام أن قرار بلاده تنظيم مؤتمر لندن الخاص بالصومال، جاء بعد تشجيع من دولة الإمارات وبلدان أخرى في المنطقة، إضافة إلى جيبوتي وإثيوبيا وأوغندا وكينيا، موضحاً أن التحرك الأفضل وسط البلدان المعنية بأمن واستقرار الصومال، لا بد أن يتم في إطار شراكة أوسع نظراً، لأن لكل دولة تجربة مختلفة ومفيدة، ما يشكل عنصر إثراء للعملية المستهدفة في الصومال.