تقارير

الحرب على الإرهاب ... الجولة الثالثة

في العقد الثاني مما يسميه البنتاجون "عصر الحروب المستمرة"، لم يعد الأميركيون يفهمون طبيعة وماهية حرب غدت تبدو على نحو متزايد مجزأة وواسعة الانتشار. فمن جهة، انسحب الجيش الأميركي من العراق من دون أن يحقق نصراً، ويحاول اليوم مغادرة أفغانستان حيث يبدو من المستبعد أيضاً أن تفضي الأحداث إلى نهاية سعيدة.
ولكن من جهة أخرى في باكستان وليبيا واليمن والصومال وبلدان أخرى، تبدو القوات الأميركية منهمكة في فتح جبهات جديدة. وفي هذا الإطار، تحدث مقال نشر بصحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً عن مخططات تروم "تكثيف" وجود قوات العمليات الخاصة الأميركية عبر العالم. كما أن مخططات سلاح البحرية القاضية بتحويل سفينة حربية متقادمة إلى "قاعدة عائمة متقدمة"، وبعبارة أخرى، منصة إطلاق متحركة لغارات فرق العمليات الخاصة ، تعزز هذه الفكرة، وكذلك تفعل "مجموعة القواعد السرية لطائرات من دون طيار" التي يقال إنها توجد قيد الإنشاء في منطقة القرن الأفريقي وفي شبه الجزيرة العربية.
غير أنه حتى في الوقت الذي يواصل فيه الجنود الانتشار هنا وهناك، أصبح من الصعب على نحو متزايد فهم واستيعاب قصة الحرب. ذلك أن الحرب على الإرهاب اليوم تبدو مختلفة تماماً عما كانت تبدو عليه في الجولة الأولى. ففي تلك الفترة، اعتمد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، الذي يعتبر المهندس الرئيسي للحرب، على السرعة والتكنولوجيا من أجل الفوز حيث كان يشتغل وفق فكرة أن القوة الحربية الأميركية، خفيفة الحركة والمعتمدة على التكنولوجيا، تجعل من النصر نتيجة شبه مؤكدة ومضمونة. والحال أنه في كل من العراق وأفغانستان، انتهت الجولة الأولى بخيبة أمل.
وبالمثل، فإن حرب اليوم لا تحمل أوجه شبه مع الجولة الثانية، حين روج الجنرال ديفيد بترايوس لاستراتيجية محاربة حركات التمرد باعتبارها الطريقة المثلى لفرض الاستقرار والنظام والخروج من حالة الفوضى التي تركها رامسفيلد. وكان الأمل هو أن تعيد "الزيادات" المتتالية في العراق وأفغانستان ما يشبه الاستقرار والنظام، مما يسمح للولايات المتحدة بإعلان نوع من الانتصار. غير أن بترايوس، كزعيم للجولة الثانية، رحل الآن، ومعه رحل أيضاً ما تبقى من تحمس لتكتيكه المفضل.
الجولة الثالثة تمثل بداية مقاربة أخرى وتحمل معها شخصية رمزية أخرى،هذه المرة الأمر يتعلق بمايكل فيكرز. فخلافاً لرامسفيلد أو بترايوس، لم يصل فيكرز، الذي يشغل منصب وكيل وزارة الدفاع المكلف بالاستخبارات، إلى وضع النجومية، ومن غير المرجح أن يصله. والحال أن "فيكرز" وأكثر من أي شخص آخر، مدنياً كان أو عسكرياً، هو الذي يجسد أحدث مرحلة من الحرب على الإرهاب.
فمع رحيل وزير الدفاع السابق روبرت جيتس، بات "فيكرز" اليوم المسؤول الرفيع الوحيد المتبقي من "بنتاجون" عهد بوش الإبن. وخلفيته تشير إلى أسلوب انتقائي وبراجماتي أكثر من أي شيء آخر، وقد سبق له أن عمل في القوات الخاصة التابعة للجيش وكعميل لوكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه". وفي الثمانينيات، لعب دوراً قيادياً في دعم المجاهدين الأفغان في حربهم ضد المحتل السوفييتي. وبعد ذلك، عمل في مركز أبحاث ودراسات في واشنطن وحصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الاستراتيجية من جامعة جون هوبكينز.
وحتى خلال عهد بوش، لم يكن "فيكرز" ممن يؤمنون بأن الولايات المتحدة تستطيع تحرير أو تهدئة العالم الإسلامي. مقاربته المفضلة لمحاربة الإرهاب هي البساطة عينها إذ عُرف عنه قوله: "أرغب فقط في قتل أولئك الأشخاص"، والمقصود بـ"أولئك الأشخاص" أعضاء القاعدة. اقتل الأشخاص الذين يريدون قتل الأميركيين ولا تتوقف حتى يموتوا جميعهم: هذا هو ما يميز استراتيجية فيكرز، التي أضحت اليوم استراتيجية الولايات المتحدة.
الجولة الثالثة تتعلق عموماً بلي وكسر وإعادة وضع القواعد على نحو يُعتقد أنه يمنح الامتياز للولايات المتحدة. ومثلما حلت استراتيجية محاربة حركات التمرد محل "الصدمة والرعب"، فإن برنامج الاغتيالات أخذ مكان محاربة التمرد باعتباره التعبير الطاغي على طريقة الحرب الأميركية. فالولايات المتحدة توقفت عن أسلوب إرسال جيوش جرارة لغزو بلدان واحتلالها، وأخذت تستعمل بدلاً من ذلك طائرات من دون طيار قادرة على إطلاق الصواريخ، إلى جانب هجمات خاطفة للقضاء على أي شخص يقرر رئيس الولايات المتحدة القضاء عليه (ومن ذلك المواطن الأميركي أحياناً).
هذه هي طريقة الاشتغال الجديدة التي تبنتها أميركا. وفي معرض تحليلها لتهديد ورد على لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، لخص مقال لصحيفة "واشنطن بوست" بإيجاز ما يعنيه هذا ضمنياً كالتالي: "إن الولايات المتحدة تحتفظ بحق مهاجمة أي شخص ترى أنه يشكل تهديداً مباشراً لأمن الولايات المتحدة القومي، في أي مكان في العالم".
ثم إن الرئيس يمارس هذا الحق المفترض بدون تحذير، وبدون مراعاة لمسألة السيادة الوطنية للبلدان، وبدون ترخيص من الكونجرس، وبدون التشاور مع أحد عدا "فيكرز" وبعض الأعضاء الآخرين في جهاز الأمن القومي.
أما الدور الموكول للشعب الأميركي، فهو التصفيق، إذا ومتى بلِّغ بأن عملية اغتيال ناجحة قد نفذت. والتصفيق هو نقوم به في الواقع، مثلاً، عندما دخل أعضاء "كوماندوز" باكستان سراً من أجل تصفية بن لادن برصاصتين قاتلتين. والرغبة العارمة في الانتقام الذي لطالما أُجِّل تجعل من التفكير في التداعيات السياسية التي قد تترتب عن ذلك شيئاً غير ضروري.
كيف ستنتهي الجولة الثالثة أمر من الصعب توقعه. ولعل أفضل ما يمكن أن نقوله هنا هو إنها من غير المرجح أن تنتهي قريباً أو على نحو جيد. فمثلما اكتشفت إسرائيل، فبمجرد ما تصبح عمليات الاغتيال هي أسلوب بلد ما، فإن قائمة الأهداف تصبح أطول وأطول.

أندرو باسفيتش
أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة بوسطن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"