دنيا

عودة المتزوجات إلى الدراسة على مقاعد مراكز تعليم الكبار

عدد من السيدات على مقاعد الدراسة بمراكز تعليم الكبار

عدد من السيدات على مقاعد الدراسة بمراكز تعليم الكبار

لم تسمح الإمكانات قديماً، بتوفير التعليم للذكور أو الإناث، حيث كان الجميع منهمكاً في توفير لقمة العيش، لكن مع قيام اتحاد دولة الإمارات، حرصت القيادة الرشيدة على توفير التعليم وحثت عليه ووفرت كل السبل التي تسهل عملية التحاق الجميع بالمدارس.لكن تبقت هناك ظروف ليس لها علاقة بالسياسة التعليمية التي تصر على محو الأمية، وعلى إكمال أبناء الدول لتعليمهم الجامعي، منها الفتيات اللاتي توقفن عن الدراسة بسبب الزواج، حيث يكتفي بعضهن بما حققنه من مستوى تعليمي، وينشغلن بالحياة الزوجية، أما بالنسبة للرجال، فإنهم تركوا التعليم لأسباب متعددة، منها التسرب والإهمال. واليوم نجد أن الكثير من النساء يستغل الفرص المتوافرة ويعود إلى الدراسة في مراكز تعليم الكبار.

انتهزت الفتيات فرصة توفير الدولة لمراكز تعليم الكبار التي أصبحت تحقق أحلامهن وطموحاتهن وتتجاوز بهن بحور الظروف التي تعترض طريقهن كأزواج وأمهات إلى مرافئ ملونة كقوس قزح، تشبعهم روحياً وفكرياً ووجدانياً من العلم، وفق نظام صباحي ومسائي يناسب ظروفهم.
إلى ذلك، قالت عائشة زمزم مديرة المركز بالإنابة، إن إشاعة العلم تساعد على بلوغ الأهداف، وعبر هذا المركز الذي يعتمد على التعليم الصباحي بالنسبة للسيدات، تم تسهيل الطريق ولم تترك فرصة للظروف كي تقف عائقاً لمن يرغبن في إكمال تعليمهن، بل إن صفوف محو الأمية تلاقي إقبالاً مطرداً في كل عام، نتيجة التوعية بأهمية التعليم للفتيات والسيدات، فأتاحت الفرصة لمن كن تواقات لخوض تجربة محو أميتها من النساء اللاتي عاصرن عهد المطوع أو المطوعة، وهو ما يعرف بالكتاتيب، وبعضهن أصبحن جدات لجيل حفدة أبنائهن، ورغم ذلك أقبلن على التعليم رغم ظروفهن الخاصة.
جوهرة الثانوية العامة
كان من بين خريجات الثانوية سيدة صغيرة وهي الدارسة في مركز تعليم الكبار، لولوة أحمد محمد التي استحقت لقب جوهرة الثانوية العامة لأنها حصلت على نسبة 97% على القسم الأدبي في عام 2004، وقد قدمت جزءاً من الامتحانات وهي داخل المستشفى بعد أن فاجأها المخاض، ثم أكملت بقية الامتحانات في مركز مدرسة الرفاع الثانوية للبنات، ورغم كل تلك الظروف الحرجة والمؤلمة استطاعت أن تحصل على ذلك المعدل المشرف، وهي مستعدة لإكمال تعليمها الجامعي ولكن ليس من أجل الحصول على وظيفة، وإنما لصنع جيل متعلم واع ومن أجل النجاح في حياتها الزوجية، حيث قررت لولوه التفرغ لبيت الزوجية، وأن تنجح في تعليمها وتتفوق من أجله.
شيخة عبدالله جمعة تبلغ من العمر 19 عاماً، وهي في منتخب الإمارات لألعاب القوى وفي الصف الأول الثانوي، وقد تركت التعليم في الصباح مع رفيقاتها من عمرها نفسه لأنها تزوجت، لكن زوجها شجعها على عدم الانقطاع عن التعليم، وهي تقول إن المرأة أينما كانت هي عنصر بناء ونماء، وهناك نساء يبنين داخل الأسرة ويبنين جانباً من جوانب حياة الوطن خارج بيوتهن من خلال الوظيفة، وهناك أمهات وزوجات يفضلن أن يبنين فقط من داخل البيت، وفي ذلك تحقيق لأحلامهن وطموحاتهن وأيضاً بناء للوطن، فالمرأة حين توفر لزوجها كل وسائل الراحة، وتعينه على العمل في راحة، فإنها بذلك تبني وطنها.
وتكمل: لأن زوجي عندما يجد مبتغاه من راحة نفسية وفكرية، ويجد أبناءه ينمون في جو صحي نفسي وجسدي، فإنه بلا شك سيقدم أقصى ما لديه في وظيفته أو من خلال عمله، وهذا جزء من بناء الوطن، وأيضاً حين أعمل على إنشاء جيل صالح، فأني أقدم لوطني عناصر تخاف الله في نفسها، بتقديم الخير والإخلاص والوفاء للوطن، فتبني هذه العناصر وطننا وهي بدورها ستصنع أجيالاً لا تعرف الأمية، وأتمنى أن لا يكون هناك مراكز تعليم كبار في المستقبل بدولتنا، حيث ينهي الجميع دراستهم خلال المرحلة العمرية الخاصة بالتعليم.
أميرة التفوق
الطالبة أميرة حسن مال الله في الحادي عشر أو الثاني الثانوي، وقد خرجت من المدرسة بعد أن أنهت الأول الثانوي، حيث اختار لها الأهل الزواج، وكانت متفوقة وقد انقطعت فقط فترة الصيف واليوم تأتي من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً.
وتقول: لم أتوقف عن التفكير في العلم ولا يوم، وكنت انتظر اللحظة المناسبة، لذلك حمدت الله على نعمة توافر مراكز مسائية وصباحية، تمكننا من إكمال تعليمنا ولكن الصباحي أنسب للمرأة و خصوصاً الأم، والمسائي مناسب للرجال المرتبطين بوظائفهم.
أما آمنة عتيق الظاهري فهي من الملتحقات منذ ثلاث سنوات، وقد تركت التعليم أيضاً بسبب الزواج وعادت بعد أن كبر أبنائها.
وتقول: اليوم أراجع دروسي مع أبنائي وقد اخترت مركز جمعية الاتحاد النسائية لأنه يناسب ظروفي كأم، ودوري كزوجة بحاجة أيضاً لوقت، ورغم تعرضي لإعاقة بصرية، إلا أني لدي طموح بالتفوق لأن أبنائي جميعهم متفوقون، ورغم صعوبة الطريقة التي أتعلم بها لأنها تعتمد على السمع ساعات ثم تلخيص ذلك إلا أني مؤمنة بقدراتي، ومؤمنة بأن التعليم في مراكز تعليم الكبار لا بد أن يستمر لأنه يحقق أهداف الدولة في محو الأمية، ويحقق للمواطن فرصة الحصول على شهادات تؤهله للحصول على مراكز وظيفية أفضل.
أم محمد عبيد قالت إن فرصتها لإكمال تعليمها سوف تصنع منها أم مثقفة تعي الأدوار التي عليها تجاه أبنائها، من حيث فهم المناهج ومراجعة الدروس لهم، وهي تعود يومياً من المركز إلى البيت، وبما أنها ليس لديها خادمة فهي تشرح طريقة حياتها :أرتب المنزل وأطبخ وأغسل الملابس وأنظف فناء المنزل، وعندما يعود أبنائي من مدارسهم أغير لهم ملابسهم وأنظفهم ثم أقدم لهم الغداء وأجلس معهم للاستذكار ومراجعة دروسهم، خاصة أن أكبر أبنائي في الصف الثاني الابتدائي، ولذلك هم في عمر يحتاج لكثير من المتابعة.
وتضيف: بعد صلاة المغرب أحضر لهم العشاء ثم يذهبون للنوم إلا طفلين صغيرين دون سن الروضة يبقيان معي، في الوقت الذي أحضر حقائب المدارس وملابس المدرسة، ثم ابدأ بمراجعة دروسي وأنتظر زوجي الذي ما أن يتعشى حتى نبدأ في تحضير دروسنا لأنه يدرس في مركز التعليم المسائي، ونتشارك في المراجعة مع بعضنا.
وتستدرك: ربما تكون دراسة زوجي في المساء أحد العوامل التي ساعدتني على التعليم، لأني لا أقلق لوجوده وواجباتي نحوه وأنا وسط خضم الأبناء ومتطلبات البيت والدراسة، وبما أن المراكز وفرت لنا هذه الفرصة الثمينة، فإني تركت لأحلامي الفرصة لأن تكبر، حيث أرغب في إكمال دراستي الجامعية، لكن ذلك لن يتحقق نظراً لظروفي حالياً، ولهذا سألتحق بوظيفة حتى يكبر الأبناء وأجد من يعاونني على قضاء متطلبات البيت من تنظيف وطهي، وأتمنى لو أجد وظيفة في المجال الإعلامي أو إدارة الأعمال.
أما عبير مسعد، فقد أنهت دراستها الثانوية قبل خمس سنوات، ووجدت صعوبة في الالتحاق بالتعليم بعد أن أنجبت، ولا زال لديها طفلان صغيران بحاجة لرعايتها، وهي تسكن مع أهل زوجها في مسكن خاص بها مع الزوج والأبناء، لذلك تجد بعد رعاية الأطفال وتقديم كل ماهو مطلوب منها كأم لهم ورعاية هذا الجزء من السكن، الكثير من الوقت الذي لا تعلم كيف يضيع هدراً.
العودة إلى الدراسة
وقالت: لا أحب أن أكون امرأة على هامش الحياة، بل أحب أن أنجح كزوجة وكأم وسيدة عاملة، وكل من تتزوج ولم تكمل تعليمها، فإن مراكز تعليم الكبار تتيح الفرصة للكبار، ولمن حرمتها ظروف الحياة من إكمال تعليمها في الصباح، ولذلك قررت أن أعود لمقاعد الدراسة، لكن لم أكمل دراستي مرغمة بعد أن رافقت زوجي للسفر ثلاث سنوات ليكمل تعليمه في بريطانيا، ثم أنجبت، وهكذا مرت خمس سنوات، ورغبت في إكمال تعليمي، لذا كان لزاماً علي أن أعيد الثانوية كي أحقق حلم التعليم الجامعي.
وأضافت: طبعاً لا أنكر أني أواجه صعوبة، ولكن وجود زوجي طوال الأسبوع في أبوظبي خفف قليلاً من المسؤولية، فكان من الممكن أن تكون الظروف أصعب لو كان يعود يومياً وأتركه وأتفرغ للمراجعة والاستذكار، ولذلك ما أن يأتي يوم الأربعاء حتى أنسى حقيبة المدرسة حتى يوم الجمعة، وأحمد الله أني من النوع الذي يعتمد على الفهم في الحصة، وأصبح برنامجي اليومي هو الاهتمام بالأطفال حتى السابعة والنصف أو الثامنة، حيث ينامون بعد تناول عشائهم وأتفرغ للعلم، وطبعاً زوجي غير مقتنع بالإكمال أو العمل لأنه يقول إنه يستطيع أن يوفر لي كل ما أريد، لكن أحب أن يكون لي دور مهم في حياته وفي حياة أبنائي وكذلك لتحقيق ذاتي وكياني.
إصرار على النجاح
علوية عمر، تعتبر حالة خاصة، وذلك لانقطاعها الطويل، حيث تصر على النجاح وتحقيق أحلامها من خلال تعليم الكبار، حيث توقفت علوية عن التعليم لمدة 20 سنة وأنجبت 7 أبناء، وقد واجهت تحدياً كبيراً خلال فترة دراستها بمراكز تعليم الكبار، خاصة في اليوم الأول من امتحانات الثانوية العامة، حيث احتفلت بيوم الحناء لابنتها العروس، وفي يوم الثاني كان حفل الزفاف.
وتشرح قصتها مع التعليم: درست حتى الصف الأول الثانوي عندما كنت خارج الدولة ثم عدت للإمارات وأكملت الثاني الثانوي في أبوظبي والآن أكمل الثانوية العامة في الشارقة، وسبب تأخري كل تلك السنوات هو أني كنت أنجب الطفل تلو الآخر، ولذلك تفرغت لتربيتهم، وكان زوجي يعمل ويكفيني وعيالي احتياجاتنا ولكن الظروف تغيرت.
وأشكر تلك الظروف التي دفعتني للإكمال، فزوجي يعاني تعطله عن العمل حالياً، ولذلك أريد أن التحق بوظيفة حتى أساعده، ثم أكمل تعليمي الجامعي، وسأستمر حتى أكمل الدراسات العليا، وبذلك سأحقق ما عجزت عنه وأنا في عمر التعلم للفتيات حين حالت ظروفي دون ذلك.
متابعة الأبناء
آمنة مبارك تبلغ من العمر 42 عاماً وقد تركت التعليم بسبب الزواج في عمر الرابعة عشرة، وانشغلت بالمنزل والإنجاب ومتابعة الأبناء، لكنها لم تنس أن في داخلها حلم إكمال تعليمها، ومنذ عام واحد توفي زوجها ووجدت أن الأبناء قد أصبحوا في عمر يستطيعون فيه الاعتماد على أنفسهم، فجاءت بكثير من الفرح إلى مركز تعليم الكبار، وأكملت وأصبحت تكمل عاماً بعد عام، وتطمح في دخول كليات التقنية العليا وأن تحصل على وظيفة.
وتقول، من الخاطر أشكر مراكز تعليم الكبار التي أتاحت فرصاً ربما لا تتوافر للكثير من البشر في أماكن أخرى، وربما يجد الزائر في المركز صغاراً في العمر منعتهم ظروفهم الدراسية في الصباح، لتأتي مراكز تعليم الكبار وتساعدهم على تحقيق حلم إكمال الدراسة.