الملحق الثقافي

«ميديا» الحضارات القديمة

أصدر الباحث العراقي الدكتور بُرهان شاوي قبل أيام الجزء الأول من العمل الموسوعي “الدعاية والاتصال الجماهيري عبر التاريخ”، والذي يحمل عنوان “حضارات الشرق القديم”، حيث يبحث المؤلف عبر فصوله مفهوم الاتصال الجماهيري، وعناصره ومستوياته، كما يتوقف عند مفهوم الدعاية، وجذور المصطلح، ونموذج الدعاية عند تشومسكي، وأنواع الدعاية من حيث المصدر والوظيفة، وشروط الدعاية، ومبادئ الدعاية.
ويفرد المؤلف فصلا للحرب النفسية وأساليبها، والشائعات، وافتعال الأزمات، وإثارة الرعب وغسيل الدماغ، ثم يتوغل في حضارات الشرق الأدنى والأوسط حيث يتوقف عند حضارة وادي الرافدين، والحضارة الفرعونية، والحضارة الإيرانية القديمة والحضارة الهندية، ثم الصينية، وكذلك حضارة الإغريق والرومان، وصولا إلى مفهوم الاتصال في الثقافة العربية الإسلامية، وبالتحديد في العصر الجاهلي.
وفي توضيح المؤلف عن دوافع تأليف كتابه الضخم، يكتب ما يلي “راودتني فكرة تأليف هذا الكتاب حينما كنتُ أطالع كتاب “قصف العقول، الدعاية للحرب منذ العالم القديم حتى العصر النووي” من ترجمة سامي خشبة، وهو من إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت ومن سلسلة عالم المعرفة ويحمل العدد 256 في نيسان 2000 لمؤلفه فيليب تايلور، أستاذ التاريخ الدولي الحديث في جامعة ليدز البريطانية منذ العام 1978، حيث يتألف الكتاب من خمسة أقسام هي على التوالي: الدعاية للحرب في العالم القديم، والدعاية للحرب في العصور الوسطى، والدعاية للحرب في عصر البارود والمطبعة، والدعاية في عصر الأعمال الحربية الثورية، والدعاية في عصر الحرب الشاملة.
وأضاف: “رغم أن الكتاب يتألف من 406 صفحات فإنه يكرس لحضارة وادي الرافدين ست صفحات فقط، وفيما يخص الحضارة الفرعونية، والحضارات الإيرانية والهندية والصينية، والحضارة العربية الإسلامية فلا كلمة تذكر وكأنها خارج التاريخ الحضاري للبشرية، وربما ، لولا ان اكتشاف الكتابة تم في بلاد وادي الرافدين، ولا يمكن تجاهل ذلك، لما تفضل بالتوقف عند الدعاية في بلاد الرافدين من خلال ست صفحات، وعلى الرغم من أنه يتوقف عند الدعاية اليونانية والرومانية خلال حروبهما مع الفرس، إلا انه لم يتوقف عند الطرف المقابل الذي كان يقود دعاية مضادة بالتأكيد”.
وقال الباحث “هذا الانحياز الواضح للحضارة الغربية، أثار حفيظتي الأكاديمية بالبحث في تاريخ الدعاية والاتصال الجماهيري عبر تاريخنا الشرقي، متوقفا بشيء من التفصيل عند حضارات الشرق الأوسط والأدنى، وقد أردتُ في هذا الجزء من الكتاب دراسة حضارات الشرق حتى ظهور الإسلام، حيث سيضم هذا الكتاب مباحث حول حضارة وادي الرافدين، منذ فجر التاريخ حتى ظهور الإسلام، وحضارة الفراعنة حتى مجيء الرومان، والحضارة الايرانية القديمة حتى سقوط الدولة الساسانية، وكذلك عند الحضارة الهندية والصينية، وكذا الأمر في الجزيرة العربية منذ الجاهلية وحتى ظهور الدعوة الإسلامية”.
ونوه الى ان تاريخ الدعاية هو تاريخ الحرب، بل أن التاريخ البشري نفسه يكاد يكون هو تاريخا للدعاية والدعاية المضادة، وان البناء الحضاري للبشرية هو تاريخ للاتصال الجماهيري، وكل تاريخ الأديان، والسماوية والوضعية، هو تاريخ للدعاية والاتصال الجماهيري، وكل تاريخ الإمبراطوريات البشرية، وتاريخ التطور الاجتماعي والتقني، والفكري للإنسانية لم يتم إلا من خلال الاتصال الجماهيري.
وقال: “لا يمكن تطبيق القوانين بدون وسائل اتصال، ولا يمكن نشر الثقافة، أو الآيديولوجيات القومية أو السياسية، ولا الترويج للبضائع والتجارة، ولا إقامة العلاقات الدولية، ولا نشر الآداب والفنون إلا عبر وسائل للاتصال الجماهيري”.
واشار الى ان الكتاب لا ينحصر في تطبيقات جافة بربط الوقائع والأحداث التاريخية والمدونات والوثائق بالنظريات الإعلامية وإنما هو كتاب تاريخي ومعرفي تأويلي يحاول أن يستعرض تطور آداب وقوانين وديانات ولغات الشعوب والحضارات القديمة ليجد فيها ملامح الدعاية والاتصال الجماهيري للبشر في تلك العصور الغابرة، وليؤكد بأن الصراع الحضاري بين الشعوب، أو حتى الصراع داخل الحضارة الواحدة لم يكن تصوره بدون ارتباطه بآليات الدعاية ووسائل الاتصال لنقل رسائل القوى المتصارعة.
وقال: “إن التوقف عند تطور الكتابة واللغات عند الشعوب القديمة، وتفصيل بعض الديانات القديمة، هو في الجوهر توقف عند أهم مكونات العملية الإعلامية من رسالة ومرسل ووسيلة ومتلق، كما أن التوقف عند تطور القوانين والشرائع والسلالات الحاكمة والصراع على الحكم أو الحروب بين الشعوب وتوسع الإمبراطوريات هو في الجوهر توقف عند الدعاية بكل أشكالها إلى جانب كونه تلمس لأشكال الإعلام الدولي، مثلما يعني التوقف عند الدبلوماسية وأشكال المراسيم والرسائل بين الملوك والقادة وعلاقة الملوك بشعوبهم هو توقف عن آليات العلاقات العامة، لذلك سيلاحظ القارئ استطرادا في تاريخ الشعوب وقوانينها ودياناتها وسلالاتها وآدابها وذلك لتحقيق غرضنا أعلاه”.
ويختتم شاوي: “أتمنى أن أكون قد أسديت خدمة للعلم في هذا الجهد المتواضع، وأن أكون قد فتحت بابا أمام الآخرين كي يتوسعوا فيه. وان أكون قد قدمت شيئا من دين الحضارة الشرقية، والإنسانية عليّ”.
والشاعر والباحث برهان شاوي بدأ كتابة الشعر منذ العام 1969 ونشر أول نص شعري له عام 1971، كما نشر في “الآداب” البيروتية منذ العام 1973، ثم في “الموقف الأدبي” السورية، و”فكر ونقد” المصرية، و”آفاق عربية” و”الطليعة الأدبية” وغيرها من المجلات الأدبية العربية، وأصدر كتبا الشعرية منها “مراثي الطوطم” في العام 1983، و”رماد المجوسي” في العام 1987، و”ضوء أسود” في العام 1997، و”تراب الشمس” في العام 1998، و”رماد القمر” في العام 1999، و”شموع للسيدة السومرية”.
كما أصدر في الترجمة: “أوسيب ماندلشتام” مختارات شعرية ونثرية عن الروسية، دار الجمل ألمانيا 1993، و”يوسف برودسكي” مختارات شعرية ونثرية عن الروسية، دار المدى ـ سورية 1998، و”لغة الفـن التشكيلي” عن الروسية 1997 عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، و”تمارين لياقة الممثل جسديا” ترجمة وعداد عن الألمانية 1996 دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، و”هل نحن وحدنا في الكون؟” عن الألمانية 1999، وسبق ان نشر هذا الكتاب مسلسلا في جريدة “الاتحاد” في أبوظبي.