الملحق الثقافي

الكتّاب السريون لخطب الزعماء

“الانسان حيوان مدني” هكذا قال أرسطو، والمقصود ان الانسان حيوان سياسي، ومن ثم فإن اللغة تلعب دورا سياسيا مهما، هي أداة التواصل بين الحاكم والمحكوم، سواء في تقبل الحاكم والتفاهم معه أو الخروج عليه. ومن هنا لعبت الخطابة السياسية دورا وعرف بعض الخطباء واشتهر أمرهم، في الدولة العربية ـ الاسلامية ظهر ذلك في عصر الخلفاء الراشدين ثم في عهد الدولة الاموية والعباسية.
كان الخلفاء يلقون الخطب في المناسبات المهمة، وكان هناك من يعدون تلك الخطب وأيضا يكتبون الرسائل للخلفاء، وعرفت الخلافة “ديوان الانشاء” وعرفنا عبدالحميد الكاتب نموذجا لذلك، وله دراسات ورسائل في إعداد الكاتب وتكوينه، وبعد سقوط الدولة العباسية ضعفت الخطابة والخطاب السياسي لأن الحكام المماليك لم يكونوا يتكلمون العربية، ومن ثم لم تعرف لهم خطب ولم يعرف عن أحدهم خطبة بعينها، أين ذلك من معاوية بن ابي سفيان مثلا ومن قبله علي بن ابي طالب؟
وفي تاريخنا المعاصر لعبت الخطابة السياسية دورا مهما في كثير من الأحداث. كان الزعيم مصطفى كامل يعتمد على الخطابة في تهييج المشاعر العامة ضد الاحتلال البريطاني، وكانت خطب سعد زغلول تجتذب الآلاف ويرددون بعض عباراته ضد المحتل وضد استبداد الملك فؤاد.

الكاتب الخفي
الباحث د.عماد عبداللطيف اهتم بالخطاب السياسي ونال الدكتوراه بدراسة عنوانها “استراتيجيات الاقناع والتأثير في الخطاب السياسي/ خطب الرئيس السادات نموذجا”. وينطلق الباحث من ان الخطاب السياسي قبل 1952 كان متعددا ومتنوعا، كان هناك خطاب الملك فاروق، فقد كان يحرص على توجيه خطاب سنوي في افتتاح البرلمان “خطاب العرش” وفي المناسبات الدينية خاصة المولد النبوي الشريف كان يلقي خطابا، وكان هناك خطاب زعماء الاحزاب، خاصة الوفد، وكان للاخوان المسلمين خطابهم الديني الصرف الذي كان يوجهه الشيخ حسن البنا، وبعد ثورة 1952 صار هناك خطاب وصوت واحد، هو خطاب رئيس الدولة ممثلا في الرئيس جمال عبدالناصر، واختفت الأحزاب وصحيح ان بعض المسؤولين كانوا يلقون خطبا في مناسبات بعينها، لكنها لم تكن خطبا سياسية، كانت خطب مناسبات لا تخرج عن الخط العام لرئيس الدولة وهكذا جاء السادات بعد عبدالناصر.
تثير خطب الرئيس ـ اي رئيس ـ قضية “الكاتب الخفي” ذلك ان هناك من يكتب للرئيس خطبه، وفي بلادنا لا يتم الإعلان عنه لأن الرأي العام يتصور ان الرئيس يجب ان يكون متحدثا لبقا وخطيبا مفوها، وفي بعض الدول المتقدمة مثل فرنسا والولايات المتحدة هناك هيئة معروفة تتولى صياغة خطب الرئيس ويعلن أسماء من يكتبونها، لكن لم يكن الامر كذلك في البداية، الرئيس الاميركي جورج واشنطن كان هناك من يكتب له خطبه، لكنه كان كاتبا سريا، لم يعلن عنه، وهكذا الحال بالنسبة للرؤساء العرب، وفي مصر نعرف ان محمد حسنين هيكل كان يكتب خطب الرئيس عبدالناصر، وهو من تولى كتابة خطب السادات خاصة في بداية حكمه، وبعد ذلك كان هناك موسى صبري وأحمد بهاء الدين ولم يشر الباحث الى آخرين مثل د. بطرس غالي وأسامة الباز.
تحدث موسى صبري عن انه كان يجيد التعبير عما يريده السادات، وتحدث احمد بهاء الدين عن انه اختلف مع السادات في كتابة خطاب ما بعد 18 و19 يناير 1977، كان السادات يرى المظاهرات مجرد “انتفاضة حرامية” بينما رآها بهاء انتفاضة اجتماعية لأسباب اقتصادية وانها نتيجة مباشرة لسياسة الانفتاح الاقتصادي، الذي أطلق عليه بهاء “انفتاح السداح مداح” والمعنى ان لابد ان يكون هناك توافق كامل بين الرئيس وكاتب الخطاب.
حتى حرب اكتوبر كان السادات يلتزم بنص الخطاب المكتوب، وكان قليل الخروج عليه، لذا كان يتحدث بالفصحى وفي هذه الفترة كانت شرعيته مرتبطة بشرعية عبدالناصر، ولكن بعد الحرب اكتسب شرعية جديدة، ولذا تحرر من الخطاب الرسمي، المعد له، وبدأ يرتجل في الخطاب ويخرج على النص، وفي السنوات الاخيرة، خاصة بعد عام 1976 كانت بعض خطبه ارتجالا كلها ولم يكن يلتزم بالنص.
ويلاحظ الباحث ان السادات كان يكثر من استعمال الآيات القرآنية والكلمات الدينية في خطبه لضمان تأثير الدين على الناس والمستمعين، كما انه كان دائم الاشارة الى السيرة النبوية ليواجه معارضيه من اليساريين الذين كان يتهمهم بالكفر وبالإلحاد وانهم متأثرون بالشيوعية، وفعل ذلك ايضا مع عدد من الزعماء العرب الذين كان يهاجمهم مثل العقيد القذافي.

توظيف الكلمات
كان السادات يكثر كذلك من استعمال الجمل والعبارات الريفية في خطبه، ليجتذب عامة الشعب المصري، خصوصا الفلاحين، فقد تحدث عن أخلاق القرية وكبير العائلة وغيرها من المفردات، وكان يحرص على الظهور بالجلباب الريفي ليؤكد هذا المعنى، كما كان يحرص على ان يقوم التليفزيون بتصويره وهو يؤدي الصلاة في خشوع، بما يحمل رسالة معينة الى عموم الرأي العام بالتدين.
اتسمت خطب السادات بالتأتأة، وكانت مصدر جذب للرأي العام، ويرى الباحث انها كانت متعمدة، اذ تتيح له الارتجال والتفكير فيما يريد ان يقوله والرد على خصومه، فضلا عن الخروج على النص والدخول في موضوع آخر طرأ لديه بعد إعداد الخطاب.
كان الخطاب عند السادات “فعلا سياسيا” أحيانا، يجر الاحداث والرأي العام في اتجاه يريده، حدث ذلك حينما كان يهاجم الاتحاد السوفيتي ليفتح خطا لعلاقاته بالولايات المتحدة ونجحت هذه الخطب، وكان الخطاب أحيانا تمهيدا وجس نبض لفعل معين يعتزم القيام به، مثل خطابه في 4 نوفمبر 1977 بالبرلمان المصري الذي اعلن فيه استعداده للذهاب الى آخر مكان في العالم من أجل السلام، وكان تمهيدا لزيارة القدس التي قام بها في 19 نوفمبر 1977 وهي التي عرفت باسم “مبادرة القدس” أو “مبادرة السلام”، والقى خطابا امام الكنيست التزم فيه بالنص المكتوب ولم يخرج عليه.
لم يتم الاعلان عن اسماء من كتبوا خطاب السادات إلا بعد اغتياله، والذين يكتبون لا يحبون الاعلان عن أنفسهم في حينه، باعتبار ان الخطاب في النهاية يحمل اسم الرئيس أو الحاكم، ولا يجوز ان يقول احد انه يكتب له خطبه، وبعضهم لا يعلن خوفا من ردود الفعل المعارضة للخطاب أو للحاكم، لكن المفترض ان الكاتب لا يعبر عن افكاره هو، بل عن افكار من يلقي الخطاب ويتحدث به، وبمجرد اذاعة الخطاب وإلقائه تنتفي تماما مسؤولية الكاتب، فهو ينسب الى قائله.
كان الرئيس السادات مرهقا لمن يكتبون خطبه لانه كان كاتبا محترفا من قبل وعمل صحافيا لفترة، كان رئيس تحرير جريدة “الجمهورية” ولذا كان يتدخل في كل جملة وعبارة.