الملحق الثقافي

صقر الصحراء المبسوط الكف

كان لافتا أن تخصص مجلة “وهج” السعودية عددا خاصا لشهر فبراير 2012 للحديث عن مسيرة وإنجازات وحياة فقيد الوطن الكبير المغفور له بإذن الله تعالى الأب والقائد الأعلى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه”. المجلة شهرية شاملة تصدر من لندن ويرأس تحريرها ومجلس إدارتها فلاح العتيبي، أما العدد الذي نحن بصدده فيقع في 120 صفحة من القطع الكبير وحمل غلافه صورة رئيسية للشيخ زايد مؤسس دولة الإمارات العربية الحديثة، وصورة أخرى له تجمعه بالملك الراحل فيصل بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية للفترة ما بين 2 نوفمبر 1962 إلى 25 مارس 1975. كما يلفت الانتباه في هذا العدد الخاص أنه يشكل بمحتواه الذي شارك في صياغته العديد من الكتاب السعوديين والعرب كتابا موثقا يجعل منه وثيقة مهمة للدارسين والباحثين، كما يعكس اهتمام المجلة بالتطور السريع الذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة على كافة المستويات.
استهل عدد “وهج” بافتتاحية أسرة التحرير بعنوان “صقر الصحراء.. زايد الخير” نقتطف منها: “وفي هذا العدد تستعرض “وهج” أطرافا يسيرة من سيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ مؤسس دولة الإمارات العربية الحديثة “صقر الصحراء” كما اسماه كلود موريس، والذي ألف كتابا عنه بحمل هذا الاسم “صقر الصحراء”، و”زايد الخير” كما أطلق عليه شعب الإمارات الوفي، بل وشعوب الأمة العربية وكل من عرفوه، فهو رجل منحه الله فلم يبخل على أحد، وأعطى شعبه أكثر مما أعطى نفسه، نعم هو زايد الخير حقاً، وذلك لكرمه ونبله وإنسانيته التي شهد بها كل من كانوا على صلة به، فقد نشأ نشأة إسلامية بدوية، حيث نشأ في بيت عريق في أصله وفروعه.. في بيت أسس على الدين والتقوى والاعتصام بالله، لذل كان رجلا بسيطا في تعامله مع كل من حوله”.

نهضة وطن
بدأ الكتاب بموضوع شامل بعنوان “باني نهضة دولة الإمارات الحديثة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان”، وهو مقتطع من كتاب “صقر الصحراء” لكلود موريس، الذي يصف فقيد الوطن الكبير بقوله: “كنت أدهش للجموع التي تحتشد حول الشيخ زايد بشكل دائم، وتحيطه باحترام واهتمام، لقد شقّ الينابيع لزيادة المياه لري البساتين، وكان يجسّد القوة مع مواطنيه من عرب البادية، الذين كان يشاركهم حفر الآبار، وإنشاء المباني، وتحسين مياه الأفلاج، ويجلس معهم ليشاركهم مشاركة كاملة في معيشتهم، وفي بساطتهم، كرجل ديمقراطي، لا يعرف الغطرسة أو التكبر، لقد صنع خلال سنوات حكمه في العين شخصية القائد الوطني، إضافة إلى شخصية شيخ القبيلة المؤهل فعلا لتحمل مسؤوليات القيادة الضرورية”.
ويمضي الموضوع في استعراض حياة الشيخ زايد منذ مولده ونشأته وثقافته ومعارفه ومرشد لشركات النفط، وحاكما لمدينة العين، وقصة نجاحه في تحقيق الثورة الصناعية في أبوظبي ومن ثم تحقيقه للوحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971، حتى انتخابه رئيسا للاتحاد الذي أعلن رسمياً في 11 فبراير عام 1972، ونقتطف في هذا السياق: “ويقر الجميع بحقيقة جوهرية وهي أنه لولا جهود صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وحكمته وقيادته الرشيدة لظل موضوع الاتحاد مجرد حلم يراود مخيلة أبناء الإمارات، ويؤكد مكانة سموه ودوره الكبير اختيار أصحاب السمو حكام الإمارات أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد له لفترات حكم متعاقبة مرة تلو الأخرى”. ويستفيض الموضوع في الحديث عن الحياة الشخصية للشيخ زايد من حيث عائلته وأبناؤه وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة “حفظه الله”، كذلك بقية أبنائه ومناصبهم التي يتقلدونها في خدمة الوطن وشعب الإمارات. ويستهل الموضوع الثاني من العدد الذي جاء تحت عنوان “الشيخ زايد وإنجازات حققت المعجزات” بمقولة مهمة أطلقها الشيخ زايد بقوله: “إنني متفائل بمستقبل هذا البلد ومستقبل هذه الأمة، لقد بنى الأسلاف من أجل هذا الجيل، وعلى الشباب اليوم أن يبني للأجيال القادمة، إن كلا منّا حين يعمل من أجل وطنه إنما يعمل لتحقيق هدفين: الهدف الأول: هو أن يحظى برضاء ربه وخالقه قبل كل شيء، والثاني: هو أن يحظى بثمرة عمله، وإذا أخلص كل منّا في عمله فإن هذا العمل سوف يبقى مخلدا على مر السنين وللأجيال القادمة، وهذا لا يعادله أي ثروة، لأن الثروة زائلة ولا قيمة إلا إذا اقترنت بالعمل المخلص، والوطن يعرف أبناءه المخلصين ويفخر بهم، كما يعتز بهم الأهل والعشيرة”. ثم يتناول الموضوع إنجازات الفقيد الكبير في مجال السياسة الخارجية والتنمية الاقتصادية وتنمية الموارد البشرية، ويسجل الموضوع إعجاب الهيئات والمؤسسات الدولية وتكريمه بالعديد من الشهادات التقديرية والأوسمة، كما سجل العديد من كبار الشخصيات إعجابهم بفكر الشيخ زايد ونجاحه في بناء اقتصاد ناجح، وقد أجمعت التقارير الاقتصادية العالمية بأنه هو أبو الإمارات الحديثة ومؤسسها وباني نهضتها، حيث استطاع أن يحولها إلى مركز اقتصادي عالمي خاصة خلال السنوات الأخيرة من حكمه، وذلك بعد أن ساهمت الدولة في عضوية منظمة التجارة العالمية في عام 1996، وقيام الاتحاد الجمركي الخليجي عام 2003. ويختتم الموضوع الحديث عن إنجازات الشيخ زايد في مجال التنمية الاجتماعية وتحقيق العدالة بين كافة فئات الشعب بما يواكب الإنجازات الضخمة التي حققها في مجالات التنمية الاقتصادية للبلاد من خلال اهتمامه الرئيسي بالشباب وقطاع كبار السن. وجاء في الدراسة: “وتعتبر منشآت الترويح والترفيه جزءاً مهماً في بناء المجتمع الجديد، حيث أقيمت الحدائق والساحات في جميع المراكز السكانية، في الوقت الذي وفرت الدولة التسهيلات وقدمت الدعم المالي لسلسلة من الأنشطة الرياضية وبخاصة الرياضات التراثية مثل سباقات الهجن والخيول والقوارب، وغيرها مما يستقطب الشباب ويرفع من روحهم المعنوية”.

التضامن العربي
أفرد العدد فصلا كاملا لدور الشيخ زايد في تحقيق التضامن العربي، فقد كان يؤمن به إيمانا عميقا على المستوى الفكري والسياسي باعتباره وسيلة للتغلب على عوامل التمزق، وسلاحا مهما لكسب القضايا المركزية وتحقيق الأماني العربية المشتركة، وكان رحمه الله يؤكد في كل موقف ومناسبة وحدث على وقوف دولة الإمارات بكل ثقلها وإمكانياتها إلى جانب الأشقاء العرب وتوحيد الصف العربي، وتحمل نصيبها من أجل استعادة الأرض العربية المحتلة، وفي مقدمتها استعادة الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني وعودة القدس الشريف. ويستفيض الموضوع في الحديث عن تفاصيل ما قام به الشيخ زايد لتحقيق تلك الغايات ومنها على سبيل المثال لا الحصر نجاحه في وقف نزيف الدم المراق في لبنان وكرّس طاقته في عملية إزالة الألغام في لبنان بعد أن وقعت الإمارات في 25 أكتوبر 2001 في بيروت على الاتفاقية الخاصة بتنفيذ مشروع التضامن الإماراتي لإزالة الألغام في جنوب لبنان بتكلفة قدرها خمسون مليون دولار. كما أنه لم يتردد في اتخاذ قراره التاريخي بدعم مصر في حرب أكتوبر والوقوف مع دول المواجهة بكل إمكانياته المادية وثقله السياسي، ويومها قال كلمته المشهورة: “ليس المال أغلى من الدم العربي، وليس النفط أغلى من الدماء العربية التي اختلطت على أرض جبهة القتال في مصر وسورية”، وكان كل ذلك ترجمة صادقة لما قاله حكيم العرب قبل حرب 73 “عندما تفتح أفواه المدافع سوف نغلق صنابير البترول، ولن نكون بعيدين عن المعركة”. لهذا وغيره من الأشياء التي جعلت من زايد صمام أمان المنطقة طوال فترة طويلة، يمكننا القول إن زايد كان نموذجا استثنائيا من القادة العظام، فكان حقا أول حاكم عربي يجسد القدوة ويعلن تبرعه للمعركة، ويحدد موقفه بوضوح، لقد كان عملاقا على مستوى معركة العمالقة.
في هذا السياق يستطرد الموضوع في شرح موقف الشيخ زايد من الأزمة، فيشير إلى أنه حينما سئل وقتها من أحد الصحفيين الأجانب: ألست خائفا من الدول الكبرى التي تساند إسرائيل؟ كان رده التاريخي: إن أكثر شيء يخاف عليه الإنسان هو روحه، وأنا لا أخاف على حياتي، وسأضحي بكل شيء في سبيل القضية العربية، إنني رجل مؤمن، والمؤمن لا يخاف. ويختتم الموضوع هذا الجانب بالتعرض إلى موقف الشيخ زايد من قضية البوسنة والهرسك، حيث اتخذت الإمارات مواقف مبدئية واضحة في مسندة ودعم شعب البوسنة ضد الجرائم والاعتداءات الصربية عليه، وقد دعا الشيخ زايد المواطنين والمقيمين على أرض الإمارات لمساعدة ونصرة شعب البوسنة وقال وقتها: “إنني على ثقة من أن أبناء شعب الإمارات بكل فئاته، وكذلك أبناء الدول العربية والإسلامية وكل من ينتصر للحق والعدل والإنسانية أن يقوموا بواجبهم ويتجاوبوا مع هذا النداء لجمع التبرعات النقدية والعينية وتقديم كل ما لديهم لتخفي فالمعاناة عن شعب البوسنة إحقاقا للحق وردعا للظلم”، ويختتم الموضوع ما تناوله من قضايا واهتمامات وانحازت حققها فقيد الوطن الكبير بالحديث عن علاقة الشيخ زايد بالبيئة حيث كانت له رؤية واضحة في هذا الجانب الحيوي لتحقيق التنمية المستدامة، ونجاحه في إنشاء برنامج متكامل لمشروع إكثار حيوان المها العربي الذي كان على حافة الانقراض، كذلك نجاحه في وضع الاستراتيجيات البيئية وتحديد أولويات العمل البيئي مثل مكافحة التصحر وتلوث الهواء والماء وترشيد الطاقة واستهلاك الموارد الطبيعية، ولهذا منح الشيخ زايد العديد من الشهادات التقديرية والتكريم من عدة مؤسسات ومنظمات دولية، ففي ديسمبر عام 1995 منح جائزة تقديرية وميدالية ذهبية من منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) تقديرا لجهوده في نشر التنمية الزراعية داخل الدولة، كما منح جائزة الباندا الذهبية التي قلّدها إياه الأمير فيليب دوق أدنبرة والرئيس السابق للصندوق العالمي للطبيعة wwf، وكان رحمه الله أول رئيس دولة يحوز هذا التكريم العالمي.

عشاء لثلاثة آلاف شخص
تناول العدد أيضا المواقف الإنسانية للشيخ زايد، ومن عشرات المواقف الكثيرة واللفتات النادرة له توجيهاته بإقامة وجبة عشاء لنحو 3 آلاف شخص، وجاء في الموضوع: “عندما تفجرت المياه من باطن الأرض في حضن جبل حفيت بمدينة العين، يومها كان الشيخ زايد ـ رحمه الله ـ سعيداً بهذا الحدث في بلد يعاني من شحّ المياه، وما هي إلا سنوات قليلة حتى كان سفح هذا الجبل قد تحول إلى اللون الأخضر، حيث اتخذ له استراحة فوق قمة أحد تلاله، فكان يمر بين الناس بسيارته وبهدوء حتى لا يلتفت إليه أحد، يتفقد أحوالهم ويلاحظ البشر والسعادة على وجوههم، فكان يبادل من يكتشفون وجوده التحية بالتحية في بساطة وتواضع جمّ، وذات يوم عندما كان المتنزه مليئا بالزوار وبعد أن تجوّل بينهم كعادته وسعد لسعادتهم أمر مرافقيه أن يقدموا وجبة العشاء لكل زوار المكان، وعلى الفور تحركت سيارات الشرطة لتخبر الزوار: “إبقوا في أماكنكم العشاء الليلة عند الشيوخ”.
اشتمل هذا الموضوع على عناوين فرعية كثيرة تحمل تفصيلاته التي تبرز مواقف الشيخ زايد الإنسانية داخل وخارج الدولة ومن هذه العناوين: إطعام الطيور السائبة، الرأفة بخلق الله، يسعد بابتسامة الآخرين. ومن العناوين اللافتة ما جاء تحت عنوان “رسالة من يهودي”، ويسرد العنوان قصة رواها معالي علي الكعبي مدير مكتب الشيخ زايد للتلفزيون: فقد كان الشيخ زايد رحمه الله يقضي إجازاته في الدول الأوروبية يتلقى العديد من الرسائل التي لأصحابها مطالب شخصية ومادية، قال: كنت أعرض عليه تلك الرسائل فيأمر بحل المشاكل أو تقديم المساعدة، وفي إحدى المرات عندما كنت أعرض تلك الرسائل، وجدت رسالة دار في خلدي أنه يجب عدم عرضها عليه، فأخفيتها في جيبي وواصلت عرض الرسائل، ولما انتهيت سألني: هل انتهينا؟ قلت: نعم.. قال: وما بال الرسالة التي أخفيتها في جيبك؟ ذهلت من المفاجأة وأنه صبر عليّ كل ذلك الوقت، قلت له: إنها رسالة من شخص يهودي تحديدا ويطلب المساعدة، فقال: أعطه ما طلب، لكي يعلم أن الإسلام دين حنيف لا يفرق بين المعتقدات، وهو رسالة للإنسانية جمعاء.
في الواقع أن هذا الكتاب حافل بالمواضيع والدراسات والفصول التي يصعب شرحها في مقالة، فهو يتعرض بإسهاب لجائزة الشيخ زايد للكتاب وأهميتها على الصعيد الفكري والثقافي، كذلك الحديث عن التحفة المعمارية في عالم الهندسة ممثلة بجامع الشيخ زايد في أبوظبي، كما يتناول بالحديث السياحة في دبي ودعم الشيخ زايد للسياحة التراثية وبخاصة من خلال إنشاء جملة من المتاحف الموزعة في أرجاء الدولة، كذلك الحديث عن زايد وحقوق الإنسان والعلم والتعليم في عهده، ودعمه للإعلام وتعليم المرأة، ثم الاستشهاد بمقولات تشيد به من خلال عدد كبير من كبار الشخصيات في العالم، فيما يختتم العدد بكامله بمقالة بعنوان: “لروح الاتحاد قلوب تنبض” كتبها عبد الله المصعبي تحدث من خلالها عن القيمة الفكرية التي حققها الشيخ زايد من خلال روح الاتحاد وهي ليست مجرد شعار بمناسبة ذكرى الاتحاد، إنما روح الاتحاد التي زرعها زايد ستظل تنبض في قلوب الملايين من أبناء شعبه وأبناءه في كل مكان.