الملحق الثقافي

عن الأحكام المسبقة والريبة المنهجية

أود أن أشير إلى أن محاضرتي التي جاءت بهذا العنوان “قراءة في الأدب الإماراتي واليمني”، لا تعني أننا سنقف عند كل تفاصيل الأدب الإماراتي واليمني، كأن نتتبع التسلسل الجيلي لتاريخ الأدب بأنواعه المختلفة في الإمارات واليمن.
أظن أن الحديث عن مثل هذه الأمور يبدو من الأمور المستهلكة في البحث الأدبي، ولأنه قد أخذ حقه من التأليف، بل إن اختياري لتلك الصيغة جاء من زاوية تنسيق طبيعة الفعالية، لأن العنوان بطبيعته المفتوحة تلك يمنحنا التجوال المتعدد في فضاءات الأدب اليمني والإماراتي والوقوف عند الظواهر المهمة كما يبدو لي.

لم آتٍ اليوم لأعرف بأدباء الإمارات واليمن، لأن التعريف بهم هنا سيكون من باب تحصيل حاصل. كفانا أن نقول إن أدباء الإمارات، سواء كانوا في مجال الشعر أو القصة أو الرواية أو المسرح، قد عرفت بهم المؤسسات الثقافية من خلال الفعاليات المستمرة، أو المجلات والدوريات الإماراتية التي تصدر بصورة منتظمة، وهي الحال عند أدباء اليمن، بمن فيهم الشعراء، فقد وصل صوت المقالح الشعري، ومن قبله البردوني إلى هنا في الإمارات، حين تسلما جائزة العويس. وإذا كان القارئ العربي يجهل الكثير من شعراء اليمن، فلا أظن أن يغيب عن ذهنه صوت البردوني حين صدح في أرض الرافدين بقصيدته التي خاطب بها الشاعر القديم بقوله:
حبيب وافيت من صنعاء يحملني
نسر وخلف ضلوعي يلهث العرب
ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي
مليحة عاشقاها السلُ والجربُ
ماتت بصندوقِ وضاح بلا ثمن
ولم يمت في حشاها العشقُ والطربُ
حبيبُ تسألُ عن حالي وكيف أنا؟
شبابةٌ في شفاه الريح تنتحبُ
كانت بلادك رحلا ظهر ناجية
أما بلادي فلا ظهر ولا غببُ
أرعيت كل جديب لحم راحلة
كانت رعته وماء الروض ينسكب
ورحت من سفر مضنٍ إلى سفر
أضنى.. لأن طريق الراحة التعب
لكن أنا راحل في غير ما سفرٍ
رحلي دمي.. وطريقي الجمر والتعب
إذا امتطيت ركابا للنوى فأنا
في داخلي.. أمتطي ناري وأغترب
قبري ومأساة ميلادي على كتفي
وحولي العدم المنفوخ والصخب
حبيب هذا صداك اليوم أنشده
لكن لماذا ترى وجهي وتكتئب
ماذا؟ أتعجب من شيبي على صغري؟
إني ولدت عجوزاً.. كيف تعتجب؟
واليوم أذوي وطيش الفن يعزفني
والأربعون على خذي تلتهب
كذا إذا ابيض إيناع الحياة على
وجه الأديب أضاء الفكر والأدب
حبيب ما زال في عينيك أسئلة
تبدو.. وتنسى حكاياها فتنتقب
وما تزال بحلقي ألف مبكية
من رهبة البوح تستحي وتضطرب

ذاكرة الجامعة
السؤال الذي أود طرحه هو لماذا يغيب الأديب الإماراتي عن ذاكرة الباحث في الجامعات الإماراتية، فلو ألقينا نظرة سريعة في الرسائل الجامعية، ربما سنصل إلى تلك النتيجة.
صحيح أن دولة الإمارات تعد منارة ثقافية للإبداع الأدبي والنقدي، لكن تبقى الضبابية لدى القارئ خارج الإمارات قائمة، وإزالة تلك الضبابية مرهونة بالاطلاع على الأعمال التي يصوغها المبدع ذاته كعمل منشور متكامل لا النتف التي نقرأها هنا أو هناك، فأغلب الأعمال المنشورة يتم تبادلها بين الأدباء دون أن تصل إلى أروقة الجامعات الخارجية.
وثمة مشكلة أخرى لها صلة بهذا الشأن نلحظها نحن كأكاديميين في الجامعات، فمعظم الطلاب المتخرجين في قسم اللغة العربية لمرحلة البكالوريوس أو الليسانس لم يعرفوا شيئاً عن الأدب الخليجي، وربما أن التجربة لم تختلف في الجامعات الخليجية بما فيها جامعة الإمارات تجاه الأدب اليمني.
ويعلل ذلك أن مقررات قسم اللغة العربية، خصوصاً في شعبة الأدب تنصرف باتجاه قراءة الأدب القديم، بينما الأدب الحديث والمعاصر على الرغم من سعته يقرر على الطلاب في حدود ضيقة، حتى وإن قرر نجده يتجه نحو بدايات نهضة الأدب العربي في مصر تحديداً، ومن ثم يأخذ الأدب الحديث الخاص بشعب معين حصته الملحقة بأدباء مصر، دون النظر إلى أدب الأقطار العربية الأخرى، كأن يرد تحت مسمى (الأدب اليمني الحديث والمعاصر أو الأدب الإماراتي الحديث)، وهكذا يتخرج الطالب وثقافته الأدبية محصورة بين الشاعر القديم وشاعر مصر في عصر النهضة، وشعراء قطره فقط، دون النظر إلى أدباء الأقطار العربية الأخرى.
كما يشترك في تلك الإشكالية المؤلفون الذين أولوا اهتماماً بالأدب العربي، فجاءت بعض أحكامهم التي شابها النقص إلى مستوى التقديس، لا فكاك عنها، ما يجعل الأخطاء متناقلة ومستمرة، حتى وإن وجد باحث متنور فهو يقع أحياناً فريسة للتعصب ليحاول ولو بالمغالطة أن يؤكد أن أدباء قطره سباقون في الإبداع الأدبي، وربما البعض كان محقاً حين يحاول أن يأتي بدراسة أدبية أو نقدية ليثبت أن ثمة أدباء تجاهلهم الباحثون ما يجعل جهده ينصرف باتجاه البحث والتقصي عن أدباء سقطوا من ذاكرة أبحاث سابقة.
تلك الممارسات البحثية جعلت الكثير من الباحثين اليوم ينظرون بعين الريبة تجاه ما كُتب في مجال البحث الأدبي، ولعل ذلك يعود إلى ما ذكرناه سابقاً من الأحكام النقدية التي كانت تأتي وفق رؤية قطرية قاصرة، وأحياناً مغلوطة تجهل خريطة الإبداع العربي، الأمر الذي جعل جهد الباحث المتأخر يتجه لإثبات ما تم تجاهله، لا الانصراف نحو قراءة آداب الأقطار العربية الأخرى.
لن نذهب بعيداً لنأخذ مثلاً الدراسات التي تناولت الأدب اليمني، فقد نجد مثالنا فيما كتبه طه حسين، حين تناول الأدب العربي وجاء برؤية تنكر أن يكون هناك أدب في اليمن، هذا الحكم المتسرع تداوله الكثير وصار على منواله الكثير من الباحثين حتى تكوّن انطباع لدى أغلب المهتمين بالأدب العربي أن اليمن يخلو من الأدباء، بمن فيهم الشعراء.
هذا الإنكار دفع بالكثير من الباحثين إلى إيجاد دراسات تتضمن ردوداً على ذلك التصور المغلوط، كان من بينها ما كتبه (زيد علي الوزير ـ دراسات في الشعر اليمني القديم والحديث)، حيث قدم عرضاً موجزاً لمسيرة الشعر اليمني من العصر الجاهلي إلى أواخر الخمسينيات من القرن العشرين.
كما جاءت دراسة لأحمد محمد الشامي “قصة الأدب اليمني” لتناقش ما طرحه طه حسين حول الشعر في اليمن.
وهي الحال ذاتها في الدراسات التي جاء بها عبدالحميد إبراهيم، وعبدالله أحمد النور، ومحمد عبدالله، وعبدالله البردوني، وعز الدين إسماعيل، وعبدالعزيز المقالح. ولا تزال الدراسات التي جاءت بدافع ذلك التغييب مستمرة إلى اليوم، كما أن هناك من النقاد العربي من أكد تلك المسألة، ومنهم الدكتور عبدالإله الصائغ حين رأى أن مؤرخي النهضة الأدبية، يتعاطون مع الوثائق المتوافرة لديهم من مصر بالدرجة الأولى، ويجهلون الوثائق المهمة التي أسهمت في تشكيل النهضة الأدبية العربية في اليمن...

تجاهل وانشغال
إن هذا التجاهل ـ وإن كان قد أسهم بدراسات مثمرة للأدب اليمني ـ فإنه قد جعل الباحثين ينشغلون بهذا الأمر ليكون جهدهم محصوراً في تلك المسألة، حتى بدت تلك الدراسات مكررة ومستهلكة، فتزايدت نقاط الالتقاء بينها، ولم يكن ذلك الالتقاء مقصوراً على العنوان فحسب، بل وصل ذلك إلى المنهج وأسلوب العرض وفي مناقشة الآراء التي طرحها طه حسين.
وهذا لا يختلف عما قيل من أدب الإمارات، فهناك من الباحثين من ينظر إلى الأدب الخليجي بعين النقص، حيث يرى بعضهم أن منطقة الخليج برميل من نفط، مؤكداً أن الأدب ضاع بين البنيان الطويلة وأرصدة المال والأعمال.
تلك الأحكام القاسية لا شك أنها فتحت أفقاً معرفياً لقراءة الأدب الخليجي والإماراتي على وجه الخصوص، وتتبع مراحله فتجلت عدد من الدراسات منها:
ـ تطور الشعر العربي الحديث في شعر الخليج. د. ماهر حسن فهمي.
ـ تحولات الأزمنة وتعارضات الحداثة في شعر الخليج المعاصر . د. طه وادي.
تلك الدراستان ـ وإن كانت باتجاه الشعر الخليجي ـ لا شك أن الشعر الإماراتي كان حاضراً فيها ولكن قد يكون من ضمن الإشارات العابرة.
بيد أن هناك دراسات قدمت قراءة للشعر الإماراتي تحديداً منها:
ـ شعراء دولة الإمارات العربية المتحدة/ دراسة وبيلوجرافيا. د. يوسف خليف نشرت عام 1994.
ـ الدراسة الثانية بعنوان “الشعر في دولة الإمارات من 1920 ـ 1980م” لخيررة الشيباني.
تلك الدراسات وسواها ما هي إلا حالة مماثلة لما هو حاصل في اليمن، إذ يمكن أن نصنف الأدب العربي برمته منذ نشأته إلى اليوم ـ حسب ما كتب عنه ـ بأنه يمثل إجابات لأسئلة تقوم على إنكار آداب الشعوب الأخرى، ما يجعل تلك الإجابات، أي الدراسات، شبيهة بممارسات المحاماة في سلك القضاء، ولهذا نجد بعض الدراسات تلتمس بعض الآراء لتبرير ما تتناوله حتى وإن كانت تلك الآراء ضعيفة، ما يؤكد أن هناك دراسات ستأتي فيما بعد لتصحيح الرؤى المغلوطة التي جاءت بدافع الدفاع لا الحقيقة المرجوة.
لأدلل على ذلك بما طُرح في المقالة التي تحمل عنوان “إطلالة على الشعر الإماراتي” لكاتبها الدكتور محمد أبو فضل بدران، التي نُشرت عام 2003م في مجلة “الرافد”.
تلك الدراسة سأتكئ عليها باعتبار أن تاريخ نشرها قد يؤهلها لأن تكون آخر دراسة تتناول الشعر الإماراتي من منظور تاريخي نقدي، ولكونها تطرح قضايا عدة.
القضية الأولى يمكننا إدراكها من خلال هذه الفقرة المقتبسة التي يقول فيها: “إن التاريخ للشعر الإماراتي قد بدأ بداية خاطئة”.
فمضمون تلك الفقرة يمثل في عمقه دعوة للباحثين لاستقراء الشعر الإماراتي لتصحيح ما كتب عنه، ما يوحي أننا كباحثين أمام حلقة أخرى تحتاج إلى استقراء جديد يختلف عما كتب من قبل.
في الوقت الذي تحمل فيه أصداء رؤية الإثبات، بأن ثمة شعراء لم تُشر إليهم الدراسات التي عنيت بالشعر الإماراتي، لأن الاقتصار على شعراء أمثال سالم بن علي العويس وسلطان العويس وخلفان مصبح وسواهم، حيث رأى كاتب الدراسة أن الوقوف على أسماء شعرية لفترة زمنية بعينها يعني غياب حضارة شعرية سبقت هؤلاء.
ودليله في ذلك أن ما أبدعه هؤلاء الشعراء، وعلى رأسهم خلفان مصبح، يمثل مرحلة النضج، ما يعني أن هناك سلسلة من الشعراء قد سبقوهم، أغفلتهم تلك الدراسات.
ما ورد من أسماء شعرية في مقالة الدكتور بدران، يكاد يوازي الأسماء الشعرية التي طرحها أكثر من باحث حول شعراء اليمن، ومنهم الدكتور الصائغ والدكتور المقالح، حين توصلا إلى أن الشاعر علي أحمد باكثير والزبيري والشامي ومحمد عبده غانم وسواهم قد امتلكوا وعياً مبكراً.
تلك الرؤى لم تقل الكلمة الفصل لتضعنا أمام حلقات الشعر السابقة والتعريف بشعرائها، وإنما اكتفت بالإشارة العابرة، والهدف منها هو لفت انتباه الباحثين حول تلك المسألة ما يوحي بأن الانشغال على قضية النشأة والتأسيس سيكون أكثر من الانشغال على الشعر المعاصر.
ما لفت انتباهي في مقالة الدكتور بدران هو تلميحه إلى قضتين:
الأولى أن بعض الشعراء يستنسخون من شعراء آخرين، فيما الثانية تلامس المشهد النقدي، حين خلص إلى أن هناك دراسات أضرت بالساحة النقدية كونها تقوم على المجاملات ولخلوها ـ أيضاً ـ من الموضوعية، فقد وصل الأمر في بعض الدراسات إلى تتويج مواهب شعرية فارغة.
ما طرحه الدكتور بدران يمثل قضية مشتركة في المشهد الأدبي العربي، وأظن أن معالجة مثل تلك القضايا ليست بالأمر السهل، فلو فتح باب تصحيح المسار الأدبي ربما يؤدي إلى ظهور دراسات تتسع فيه دائرة الجدل والخصومة بين النقاد.

نفي الخصوصية
النقطة التي وصلت إلى حد التطابق بين ما كتبه بدران عن الشعر الإماراتي، وما كتب عن الشعر اليمني، هو الإشارة إلى نفي خصوصية الأدب الإماراتي واليمني، حيث يرى الدكتور فضل بدران أن ذكر الصحراء والخيمة والبحر لا يعني خصوصية الشعر الإماراتي، لأنها ليست حكراً على دولة بعينها.
وهذه الإشارة تلتقي مع ما طرحه الناقد عبدالعزيز المقالح حين قال: “إن الشعر العربي المعاصر في كل أقطاره شعر واحد تتجانس خصائصه وسماته الموضوعية والفنية، وأن بيئته الطبيعية تكاد تكون متشابهة، فهناك البحر والجبل والصحراء والفصول المشمسة”.
قد تكون تلك الرؤى محقة إذا تمثلنا شعراء بعينهم ممن تكاد تجاربهم تتسق مع تلك النتائج، ولكن ذلك لا يعني أن نسحب مثل هذا الطرح على كل الشعر الإماراتي واليمني، ونأتي بأحكام تقوم على التعميم. فما أورده الدكتور فضل بدران يبدو غير مقنع، لأنه استند في حكمه النقدي إلى رأي ورد على لسان الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ حين أجاب عن سؤال وجه إليه حول الخصوصية الخليجية فقال: “لم أفكر يوماً أنني كاتب خليجي أو أن لي خصوصية خاصة بي، بل أجد أنني مقيد وأضع نفسي فيما يشبه السجن حين أطرح ذاتي في سقف خليجي، فقط أنا عربي”.
ما قاله الشاعر حبيب الصايغ هو عن ذاته الشاعرة، ومثل هذا التوصيف قد يروق لباحث يتناول تجربة الصايغ تحديداً ليس لمن يتناول شعر الإمارات ككل.
لا نقول ذلك تأثراً بما جاء به أمين الخولي حين أكد “أن كل بيئة منفردة بمزاياها وخصائصها التي تنفرد بها عن بقية الأقاليم، وتلك المزايا والخصائص هي التي توجه الحياة الأدبية وتؤثر في سيرها، وباختلاف هذه المميزات المادية والمعنوية تختلف حياة الأقاليم الأدبية”.
فما أقصده هنا أن هناك مغالاة بين من ينكر الخصوصية في الشعر ومن يؤكدها.
إن الإشكالية تكمن في أن الرؤية التي نفت الخصوصية، اكتفت بمنطق الالتقاء وأغفلت مواطن الاختلاف الذي يؤدي إلى الخصوصية، وهي الحال ذاتها عند من أكد الخصوصية ونفى نقاط الالتقاء.
ومن الطبيعي أن تلتقي البيئات الشعرية أو تختلف في بعض المظاهر، فما جاء به الدكتور عبدالعزيز المقالح كناقد، يختلف عما جاء به عبدالعزيز المقالح كشاعر، وإذا كان ما قاله من شعر بما يحمل من أبعاد قومية وإنسانية يلتقي مع نفي الخصوصية اليمنية، فهو في شعره يؤكد تلك الخصوصية، يكفي أن نشير إلى ديوانيه “كتاب القرية” و”كتاب صنعاء” اللذين نشرا مؤخراً، فما أن نقرأ قصائده في هذين الديوانين حتى نحس بأننا نتجول في مدن اليمن وريفها، ولن تقتصر خصوصية البيئة اليمنية في شعر المقالح عند شوارعها وحاراتها ومناظرها فحسب، بل تنفذ إلى ما هو أعمق حين يضعنا على المائدة اليمنية.
كفانا أن نقف عند قصيدته التي يقول فيها:
الفتيات جميلات فقط
هن اللواتي يوكل إليهن إعداد بنت الصحن
وتزين الوجه بالسمسم
وحبة البركة

***
كتب أحد الأجانب
رائحة الخبز الصناعي معقودة بأنفي
منذ عشر سنوات
وصورة الفتاة المحجبة بائعة الملوج في سوق القاع
لا تغادر شاشة العين
ولا محيط الذاكرة
ذلك الوصف المكاني يحمل مفردات الحياة اليمنية بخصوصيتها، وقد تكون تلك الخصوصية مصدر إلهام للشاعر حين يصل الشاعر في بعض الأحيان إلى حد الذوبان بها.
كقول البردوني:
من أرض بلقيس هذا اللحن والوتر
من جوها هذه الأنسام والسحر
من صدرها هذه الآهات من فمها
هذي اللحون ومن تاريخها الذكر
من السعيدة هذي الأغنيات ومن
ظلالها هذه الأطياف والصور
أطياف حول مسرى خاطري زمر
من الترانيم تشدو حولها زمر
من خاطر اليمن الخضرا ومهجتها
هذه الأغاريد والأصداء والفكر
هذا القصيد أغانيها ودمعتها
وسحرها وصباها الأغيد النظر
يكاد من طول ما غنى خمائلها
يفوح من كل حرف جوها العطر
يا أمي اليمن الخضرا وفاتنتي
منك الفتون ومن العشق والسهر
ها أنت في كل ذراتي وملء دمي
شعر تعنقده الذكرى وتعتصر
ما ذلك الشدو من شاديه إنهما
من أرض بلقيس هذا اللحن والوتر
والخصوصية اليمنية فيما أورده الشاعر، لا تكمن في ذكر اليمن والتغني بها، بل تكمن في الشعر الذي سينشغل باليمن ويعبر عنه وفق خريطته الجغرافية.
حتى وإن وجدت النخلة والبحر التي تشترك بها أكثر من بيئة، تبقى خصوصية البيئة واضحة في فكر الشاعر، حتى أن بصماتها تتجلى في ملامحه، وهو ما أدركه الشاعر اليمني حين قال:
عرفته يمنياً في تلفته خوف
وعيناه تاريخ من الرمد
من خضرة القات في عينيه أسئلة
صفر تبوح كعود نصف متقد
رأيت نخل المكلا في ملامحه
شميت عنب الحشا في جيده الغيد
من أين يا ابني ولا يرنو وأسأله
أدنو قليلاً صباح الخير يا ولدي
يسعد صباحك يا عمي أتعرفني؟
فيك اعتنقت أنا قبلت منك يدي
رأيت فيك بلادي كلها اجتمعت
كيف التقى التسعة المليون في جسد
وربما لو استقرأنا شعر الإمارات من زاوية الموضوعات التي تشغل ذهن الشاعر وما يبثه من سلوكيات وملامح خصوصاً في القصائد التي ترد في قالب قصصي، سنلحظ تلك الخصوصية التي تختلف عن الخصوصية اليمنية.
وفي المقابل، هناك تجارب تلتقي في الشعر العربي، ولنأخذ مثلاً تأملات الشاعر حبيب الصايغ تجاه الزمن والموت، وحزن الشاعر عبدالله محمد السبب وهو ما سنتناوله لاحقاً.
فهي الانشغالات ذاتها التي نجدها عند الشاعر اليمني والعربي.

رؤية زمنية
الخلاصة ما طرح أن هناك رؤى نقدية في المشهد الشعري الإماراتي واليمني صيغت وفق رؤية زمنية مفتوحة تناقلها الباحثون، وهو ما أحدث تشويشاً ألقى بظلاله على الباحث المتأخر، وذلك حين يعتمد على الآراء المتناقلة القائمة على التعميم لا الاستناد إلى التجربة الشعرية، كما أن هناك من الباحثين من تقتصر مهمته على إثارة قضايا دون أن يقدم جهداً بحثياً فيها، بل يضعها على طاولة الباحثين ما يجعلهم بمنأى عن قراءة الشعر الحديث والمعاصر، كونه يتجه إلى البحث عن الشعراء الذين سقطوا من ذاكرة التاريخ الشعري.
وفي رأيي أن مثل تلك القضايا قد أخذت حصتها من البحث، لأن المكوث عليها طويلاً لا فائدة منه، ولأن هناك تجارب أدبية حديثة جديرة بالاهتمام.
وفي قراءتي لبعض الدراسات النقدية التي لامست نصوصاً إماراتية وقفت عند دراسة للشاعر والناقد الموريتاني محمد ولد عبدي بعنوان “تفكيكات” مقاربة نقدية لنصوص إماراتية نشرت عام 2005، حيث تناول فيها نصوصاً متنوعة بين الشعر والرواية والقصة القصيرة، وناقش بعضاً من الدراسات النقدية الإماراتية.
في رأيي أن ما قدمته تلك الدراسة يمثل خطوة متطورة (لسببين)، أنها اشتغلت على نصوص إماراتية تستحق الدرس والتحليل، ولأنها أيضاً أفردت مبحثاً خاصاً (بنقد النقد)، وكنت أتمنى لو اتسعت دائرة ذلك المبحث لأنه اقتصر على ناقد واحد فقط دون سواه، والأحكام النقدية خصوصاً حين تُنشر في كتاب قد تكون قاصرة إذا لم تقدم مسحاً ولو بالإشارة الموجزة بالدراسات النقدية في الإمارات.
والميزة الأخرى تكمن في المنهج النقدي الذي تمثله، لأنه نأى عن بهرجة الحداثة النقدية الخادعة التي يمارسها بعض النقاد، ولأنه في منهجه عاين الأعمال الأدبية توصيفاً وتحليلاً وتأمل طرائق اشتغالها وأساليب التعبير فيها.
وما يدل على موضوعيته كناقد، أنه خرج من دائرة المدح أو القدح بدليل إشارته إلى أن النصوص التي اعتمد عليها لا تحمل أي حكم قيمي، فقد يكون غيرها أبدع منها وأكثر فتحاً لشهية القراءة، بنية ودلالة.
تلك الميزات لا تعني أن نغض الطرف عن بعض القضايا النقدية التي تحتاج إلى نقاش، فقد لفت انتباهي في هذا الشأن المفردة الأولى التي جاء بها العنوان (تفكيكات) الدالة على المنهج الذي سيتكئ عليه، ومع ذلك نجده يصرح في مقدمته أنه لم يتقيد بمنهج أحادي، مدللاً على ذلك أن الدراسات التي اعتمدت على منهج بعينه، تعاملت مع النص باعتباره بنية لغوية مغلقة، فاكتفت بالوصف اللغوي دون السؤال عن المعنى، والسبب في الإنتاج، كل ذلك أوصله إلى طريق مسدود. هذا هو طرح الناقد محمد ولد عبدي.
تلك الإشارة تضعنا أمام الجدل الدائر بين أحادية المنهج وصرامته في التعامل مع النصوص والمنهج التكاملي الذي قيل عنه إنه منهج من لا منهج له.
فالعبدي في طروحاته، انساق وراء المناهضين للمنهج الأحادي دون أن يقدم رؤية نقدية واضحة توضح لماذا تجاوز المنهج الأحادي.
في هذا الشأن نشرت دراسة للناقد الدكتور صبري مسلم بعنوان “غلطة المناهج ورهافة النص”، قدم فيها تنظيراً عن المناهج النقدية، وتوقف عند صرامة المناهج النقدية وأقيستها القسرية، ووضح أن بعض المناهج شبيهة بلوائح الضرائب وقوانين العقوبات وهذا لا يتماشى مع النص الفني الرقيق المستقى من ألوان الحياة وظلال المخيلة؟ وسجية النص لا تعكس وجهاً واحداً، بل وجوهاً عدة، ما يعني أن تآزر أكثر من منهج يعطي فكرة أكثر وضوحاً عن النص.
العبدي في إشارته للمنهج النقدي وقع تحت تأثير الصراع المنهجي، أي أنه تحامل على بعض المناهج النقدية ليصفها أنها وصلت إلى طريق مسدود، ما يجعل باب الصراع النقدي مفتوحاً دون أن نعي دوافع ذلك الصراع النقدي.
الأهم من ذلك أن هناك قضية نقدية أخرى تكمن في قراءته لكتاب “إضاءة العتمة/ بحث عن التقانات الجمالية والفنية في الأدب العربي والمحلي” للناقدة فاطمة السويدي، حيث وقف عند المميزات كما وقف عند مواطن النقص فيه وهو ما سنتلبث عنده، لا سيما في إشارته لضبابية المنهج عند فاطمة السويدي وأن أسلوبها قريب من أسلوب الصحفي.
هذا الطرح قد يضعنا أمام تقولات بعض النقاد العرب الذين انجروا وراء الحداثة النقدية الوافدة، حتى يظن البعض منهم أن تجاوز المناهج التقليدية يكمن في توظيفه لآراء ونظريات النقد الغربي، فنجد منهم من يرصع بإسراف كتاباته النقدية بمقولات وآراء لبروب وجيرار جينيت وسواهم.
نحن لسنا ضد الانفتاح النقدي القائم على العمق المدرك لأوجه الاتفاق والاختلاف بين النص الغربي والعربي، ولكن ما نقصده أن هناك تمثلات مغلوطة للآراء النقدية الغربية، كونها جاءت بدافع ادعاء الحداثة واللهاث وراءها دون وعي.
فبعض النقاد يصيرون على هذا المنوال الخادع يحكمون على النقد الذي لا يتمثل تلك الآراء بأنه نقد صحفي أو انطباعي.
فيما البعض الآخر يفقه الكثير من الآراء والنظريات المنهجية دون أن يتعمق في قراءة النص، فيكون الاشتغال على المنهج أكثر من الاشتغال على النص،
وهذا ما يمكن إدراكه في بعض الدراسات النقدية.

* باحث وأكاديمي يمني
* قدمت الورقة في ندوة نظمها مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام