الملحق الثقافي

حوارات العود.. الغربية

فرقة (إس. أو. إس) التي قدّمت لجمهور أبوظبي مؤخرا أمسية موسيقية بعنوان “حفلة موسيقية للعود الالكتروني” على خشبة مسرح أبوظبي بكاسر الأمواج، لم تكن في الواقع فرقة عادية على مستوى المضمون والشكل والايقاع والثقافة والهوية والشغل الموسيقي القائم على فن موسيقي عالمي مركب حيث تمتزج موسيقى الجاز مع المقامات الشرقية وإيقاعات “الطبلة” ومؤثرات الموسيقى الرقمية بروح الموسيقى العربية، ولهذا لم يكن غريبا أن تجد هذه الفرقة إحتفاء إستثنائيا من الجمهور العربي منذ أن أطلقت جولتها الفنية عبر الكويت وقطر وسلطنة عمان مرورا بالامارات التي تحط رحالها فيها لأول مرة، حاملة معها موسيقى مستقبلية جديدة في إطار “كونشيرتو” صغير من خلال ثلاثة موسيقيين هم: قائد الفرقة جون بيار سمادج على آلة العود، وهو من أصل تونسي ويعيش في تركيا، صنّف رابعا على القوائم الأوروبية للموسيقى العالمية، ويعتبر اليوم من أنشط فناني الموسيقى العالمية من أصل عربي،

تؤكد ألبوماته الثلاثة الفردية على موسيقى (إثنولوجية) إلكترونية ذكية، ويصنف خبراء الموسيقى الشرقية “سمادج” كوريث للموسيقار العراقي الراحل منير بشير في ميدان العزف المنفرد على العود، وقيل عنه أيضا أن عوده السحري يمثل فرقة موسيقية كاملة ونجح خلال السنوات الاخيرة من ترسيخ أهمية آلة العود من خلال مشروعه الذي خصصه لهذه الغاية في كاتدرائية (سان دني) شمال باريس، ضمن مهرجان ميتيس للموسيقى.
وأورهان عثمان عازف على آلة “البزق” الوترية القريبة من آلة الغيتار، وهو يوناني الأصل، وإيريك غولتيبة (سوبرانو) على آلة النفخ “الساكسفون”. لقد سجلت الفرقة أول نجاح لها في هذا البرنامج من خلال جمعها البديع بين المتنافرات من الآلآت، ما بين الوتريات والنفخ لكي تقدم لنا الموسيقى المعاصرة في أرقى درجاتها، فهم يتحدثون عن جمال الفتيات والبلدان والاماكن والذكريات وأحلام الطفولة والاغتراب والحب والوطن والنجاح والانهزام الداخلي، في لحن عاطفي يقترب من شكل الأغنية، كما تابعنا مهارة هذا الثلاثي النادر في أسلوب اللحن الراقص السريع والذي تبرز من خلاله مهارات العزف المنفرد على نحو مقطوعة جميلة بعنوان (دافت) حيث سحر الساكسفون المنفرد حينما يقوم بمهمة (الموال) في اللحن الشرقي وتوظيفه كفاصل على النحو الذي إستخدمه الموسيقار الراحل فريد الأطرش في معظم أغانيه، كما يستكمل لحن المقطوعة بعزف منفرد للعود، ويليه البزق، وما بين هذه الانتقالات يستكمل اللحن العام لتصبح لغة المناجاة والحوار بين الآلآت الثلاث هي اللغة السائدة.

أماكن وأسماء
استهلت الفرقة برنامجها الذي نظمته الرابطة الثقافية الفرنسية بأبوظبي وإمتد لساعتين كاملتين بمختارات من الألبوم الرابع لقائد الفرقة الموسيقار جون بيار سمادج بمقطوعة بعنوان (آسيا)، وتتحدث عن الجمال الصافي لدى فتاة تركية بسيطة، حيث تقوم آلة البزق في هذه المقطوعة بدور المايسترو في تحريك بقية الآلات، ويشكل اللحن هنا علامة فارقة في المزج ما بين الموسيقى التركية والجاز الحديث، وربما يلخص لحن هذه المقطوعة إستراتيجية الفرقة التي تقدم موسيقاها الجديدة من خلال الاعتماد على “موتيفات” موسيقية جاهزة في “الحاسوب”، ومن ثم تبني عليها دعائم اللحن الجديد في إطار يذكرنا كثيرا بفن الارتجال وتجهيز الرؤية الموسيقية أمام الجمهور من خلال المسرح المرتجل أو من فن الدراما الخلاقة التي تتشكل بوعي أمام المتفرج.
وقدّمت الفرقة مقطوعة “بارديزوم”، وهي لحن من التراث التركي المتكئ في جانبه على الموسيقى المخملية من إيقاعات الموشحات، والتي تشعرك على الفوز بأجواء القصور والبذخ وتلك الليالي التي تحمل الكثير من رؤيا الخيال، لكن الأكثر جمالا من ذلك هو التناغم الرقيق بين الآلآت الثلاث، فلا آلة تطغى على الأخرى رغم تعدد الانتقالات والنسق الفني، فكل حركة موسيقية محسوبة بدقة متناهية، مما حقق للجمهور وعيا سريعا بجماليات الموسيقى ومتعة بصرية وسمعية وبخاصة مع تداخل البرمجة الرقمية للصوت مع اللحن الاساسي، حيث تلعب التقاسيم بواسطة الخلفيات الالكترونية دورا بارعا في صقل اللحن وتأثيثه كما الصورة الثلاثية الابعاد في فن السينما.
قدمت الفرقة ضمن برنامجها مقطوعة خلابة من حيث الاستخدام البارع لآلة العود مع تطويع مدروس لالة الساكسفون بعنوان (أطفالي الأعزاء شكرا)، وهي مقطوعة هادئة، تبعث على الحب والتفاؤل والجو العائلي المفعم بالحياة والحركة والآمال العريضة، وهي مبنية على دمج السلالم الموسيقية التركية بالعربية، وهما قالبان لا يختلفان عن بعضهما كثير الا في تفاصيل دقيقة. بمقابل ذلك جاءت مقطوعة (ملح) لتؤكد على حرية التأليف وإمكانية المزج ما بين التكتيك المعاصر والايقاعات المتباينة بألوان من الموسيقى الشعبية، كما تميزت بتأكيد البعد التعبيري في اللحن لمواكبة الموضوع الذي يناقش فكرة صمود الانسان أمام تحديات العولمة.
ربما تكون مقطوعة “بلغاريا” من أكثر المقطوعات المهتمة بقيمة وهوية المكان، ولحنها الجميل الراقص قد يدفعك الى الرقص الفلكلوري دون أن تشعر بذلك، ومن اللافت في لحن هذه المقطوعة أنه يتماهى الى حد كبير مع لحن أغنية (ع الندا الندا) لصباح فخري والشحرورة صباح من تأليف محمد زكي الملاّح ولحن محمد علي سليمان. وهذا الأمر لا يعيب لحن هذه المقطوعة لأنها قامت بعمل إضافات تطويرية كثيرة على اللحن الذي بدا لنا أكثر نقاء وبلورة لدور العود في تحقيق مقطوعة موسيقية تشكل في محتواها تحفة فنية تتجاوز حدود الكونشيرتو، وفي تقديري أن اللحن التركي الجديد حقق أحد أهم أهداف الفرقة والرابطة الثقافية في ترسيخ مفهوم التمازج الثقافي بين الشعوب وبخاصة العربية وكذلك نقل التجربة الموسيقية عبر المشاهدة.
لقد أمتعتنا الفرقة ببرنامج حافل من المقطوعات مثل: الرقص على الطريقة التركية، ياسمين، اسماء، وغيرها، وكما يلاحظ من اسماء المقطوعات أنها حملت اسماء نساء، ولهذا جاءت موسيقاها تعبيرية مع تحليق بديع مع حواف من فضاءات الرومانسية. ومن الرشاقة والانسيابية في العزف على الآلات الثلاث التي إحتلت خشبة المسرح أمكن لنا التمتع بروح الموسيقى الشرقية ذات النفس الانثوي، في إعلان خفي على أن الفن الجميل لا يتكامل الا بثنائية الوجود (المرأة والرجل)، وكلاهما كان حاضرا في مضمون المقطوعات الموسيقية الرائعة التي يؤديها العلزفون دون نوتة موسيقية مكتوبة، وهذه في الواقع أحدى أهم المميزات التي تتمتع بها هذه الفرقة التي تعمل على المحافظة على اصالة الموسيقى على الرغم من استخدامها لتقنية الحداثة في عالم الموسيقى المعاصرة.

فكر موسيقي
في حديث خاص مع قائد الفرقة “سمادج” حول أسلوبه الموسيقي قال: أنا مهتم بنشر فكرة موسيقى العود الالكتروني القائمة على خليط من الموسيقى الشرقية مع الجاز واستثمار الموسيقى الرقمية الجاهزة في (الحاسوب)، وقد نجح هذا الأسلوب الجديد على المستوى العالمي وحتى العربي في جولتي العربية بمنطقة الخليج العربي التي تتوقف حاليا في الامارات ومن ثم ستنطلق الى بقية دول المنطقة. وحول شعوره عقب ختام الحفل بأبوظبي أكد على سعادته البالغة في أن الجمهور العربي قد استمتع الى حد كبير بما قدمناه له من مقطوعات موسيقية. اضاف: أرى أن الجمهور الإماراتي جمهور حساس تجاه آلة العود ذات الأصول العربية، ولهذا كان قريبا جدا منّا في هذا الحفل الذي أشعرني وزملائي بسعادة غامرة، ونتمنى أن نعود ثانية الى العاصمة ابوظبي في مشروع جديد ومتطور من الموسيقى التي نتخصص بها. وحول الثلاثي الذي اصبح عالميا بفضل استخدام آلات بسيطة قال: في الواقع إننا نجحنا معا بفضل التفاهم على رسالة تهتم أولا وأخير بالجمهور وتعزيز ثقافته وذائقته الموسيقية، ولهذا نحن نجتهد في تقديم التراث الموسيقي لكل ثقافات العالم وقد نجحنا قبل سنوات في تقديم نوع جديد من التراث الموسيقي اليمني حينما كانت صنعاء عاصمة للثقافة العربية، نحن لا نلهث كثيرا وراء المال والشهرة بقدر ما نسعى الى تحقيق الأصالة والتميز وإسعاد الناس.
في الواقع إن هذا الحفل الإستثنائي أسعدنا وأمتعنا، فقد قرأنا طبيعة الحياة والمشاعر الانسانية الحقيقية من خلال ثلاثة عازفين ماهرين ولديهم حماسة نادرة لتحقيق هدفهم الوحيد هو نشر الموسيقى الجديدة المعبرة عن روح الانسان المتعب كثيرا من ضغوط هذه الحياة، وكان جميلا منهم أن قدموا لنا موسيقاهم العميقة في قالب بسيط، يخرجك من فوره من سكون الحياة الرتيبة الى فضاءات رحبة تصبح فيها الموسيقى الاصيلة تعويذة مخبأة في أركان الداخل، فترتقي الموسيقى بالحياة كما ترتقي الفلسفة بالفكر. وربما ما قاله عازف البزق الشهير أورهان عثمان: من أن الموسيقى الجميلة قادرة على ان توقف الزمن واللحظات الرائعة على قدميها لحظة السماع بهدوء، يمكن استثماره هنا بالقول أن الصدى الذي حققته هذه الفرقة من نجاح وتواصل حميمي مع الجمهور هو النجاح الأكبر للموسيقى ايا كان نوعها حينما ترتقي بالذائقة الفنية الى أعلى درجاتها المنشودة.
ولا بد من الإشارة إلى إن الرابطة الثقافية الفرنسية التي جلبت لنا هذا الثلاثي البارع، هي هيئة حرة لا تبغي الربح، ومستقلة عن أي انشغالات دينية أو سياسية، وتسعى جاهدة الى التعريف بالثقافة الفرنسية، وكذلك التعريف بثقافة وهوية البلدان التي تعمل بها، وغير ذلك فهي صاحبة مشروع ثقافي كبير وتسعى من خلال برامجها الى استقطاب كبريات الفرق الفنية والموسيقية وتقديم ثقافات متعددة للجمهور، ومن ذلك حفل فرقة (إس. أو. إس.) الذي تحدثنا عنه، ولديها برنامج موسيقي شهري، حيث أعلنت ان شهر فبراير الجاري يتضمن العديد من الحفلات الموسيقية منها على سبيل المثال حفل جوقة الرابطة الثقافية الفرنسية، وخلال مارس القادم ستقدم للجمهور جاز روك شرقي مع ابراهيم معلوف، وهو الوحيد في العالم الذي يعزف الموسيقى الشرقية بواسطة “الترومبيت” المزودة بالربع نغمة، الى جانب العديد من البرامج والمشاريع الثقافية والفنية وبخاصة لون الموسيقى الجديدة، ومن ذلك نجاحها في تأسيس جمهور ذواق على مستوى ابوظبي وقد اكتشفنا هذا الجمهور في هذا الحفل الممتع.