الملحق الثقافي

«المزمار السحري» في ضيافة مصر الفرعونية

لمصر الفرعونية سحر ربما يصحّ القول معه إن لا شيء آخر مشابها يضاهيه في الغرب. وينعكس هذا الافتتان في العديد من الأعمال الدرامية مثل أوبرا “عايدة” التي تناولناها سابقا. وها نحن هنا إزاء عمل أوبرالي آخر اتخذ من الشرق مسرحا له قبل “عايدة” نفسها بمائة عام بالضبط.
الحديث عن أوبرا “المزمار السحري” التي تدور حوادثها أيضا في مصر رمسيس الأول.
ويمكن بحق تصنيفها كأحد أكثر الأعمال الأوبرالية شعبية منذ عرضها أول مرة بفيينا في 30 سبتمبر 1791 وإلى يومنا هذا.

“المزمار السحري” هي آخر أوبرا للعبقري فولفغانغ أمادياس موزارت الذي ألف موسيقاها لسيناريو كتبه إيمانويل شيكاندر ويجمع بين الغناء والحوار العادي في ما يسمى “سينغشبيل”. وفي عرضها الافتتاحي ذاك كان موزارت هو مايسترو الاوركسترا. وأدى اثنين من أدوار “البطولة” شيكاندر (كاتبها) وجوزيفا هوفر، وهي شقيقة زوجة موزارت. ورغم ان هذا الأخير وجد بلسما من مرضه في نجاحها الفوري، فلم يحضر الاحتفال بعرضها للمرة المائة في نوفمبر 1792 إذ وافته المنية قبل ذلك التاريخ بعام.
تتألف هذه الاوبرا في مجملها من عشرة مشاهد، تقدم تارة في فصلين وأخرى في ثلاثة. وفي حالة قدمت في فصلين يحتوي الأول على المشاهد 1 إلى 3 والثاني 4 إلى 10. أما إذا قدمت في ثلاثة فصول، فيحتوى الأول منها على المشهد الأول فقط، والثاني على المشاهد 2 إلى 7، والثالث من 8 إلى 10.
وفي ما يلي استعراض مختصر لأهم ما تتضمنه مشاهد الأوبرا. وهي في مجموعها تمثل حكايتها:

الأول
ثعبان هائل يطارد الأمير الوسيم تامينو الذي يسقط مغشيا عليه من شدة الإرهاق. تظهر ثلاث نساء يقتلن الثعبان ويرحلن بعد خلافهن على الأمير، كل منهن تريده لنفسها. يعود الوعي الى تامينو فيرى رجلا يغطي نفسه بريش الطيور هو باباجينو الذي يتغنى بمهنته صائدا لها وبتوقه للزواج من امرأة جميلة. يزعم للأمير انه أنقذ حياته بقتله الثعبان الذي كان يطارده. فورا تظهر النسوة الثلاث ويضعن قفلا على فمه ويخبرن الأمير تامينو بالحقيقة. ثم يرينه صورة فتاة يافعة هي بامينا ـ ابنة “ملكة الليل” ـ فيهيم بجمالها.
تظهر الآن “ملكة الليل” وتخبر تامينو بأن الصورة لابنتها التي تعيش أسيرة لدى كبيرالكهنة ساراسترو، وتطلب اليه إنقاذها مقابل زواجه منها. يوافق الأمير فتقدم له النساء مزمارا سحريا ويرفعن القفل عن فم باباجينو ويعطينه أجراسا سحرية لأنه يوافق ايضا على مصاحبة الأمير في رحلته الخطرة. تبدأ رحلتهما مع ثلاثة صبيان من الجن هم دلائل الطريق.

الثاني
بعد مغامرات خطيرة تنقذهم فيها الآلات الموسيقية السحرية، يشارف الأمير وصحبه على الوصول الى بلاط كبير الكهنة ساراسترو. داخل البلاط نفسه، يسيء كبير الخدم مونوستاتوس معاملة بامينا الأسيرة ويجرجرها لأنها لا تبادله الحب. يظهر باباجينو الذي أرسله الأمير للاستكشاف. منظره يخيف كبير الخدم فيهرب. باباجينو يخبر بامينا بأن والدتها أرسلت الأمير لإنقاذها من الأسر.

الثالث
الأمير تامينو يبلع القصر مع الصبيان الثلاثة. يُمنع من الدخول عبر “بوابة الطبيعة والعقل”. وفي “بوابة الحكمة” يستقبله كاهن ويقنعه شيئا فشيئا بأن ساراسترو في الواقع رجل نبيل القلب. تامينو يعزف على مزماره السحري مستدعيا باباجينو وبامينا. لكن هذين الأخيرين لا يستطيعان تلبية النداء بسبب دخول ساراسترو وحاشيته. بامينا تعترف لساراسترو بمحاولتها الهروب لأن كبير خدمه مونوستاتوس يريد جسدها ويسيء معاملتها. يخبرها بأنه سيقتص لها لكنه لن يسمح بفرارها.
يدخل الآن مونوستاتوس يقود أسيرا هو الأمير تامينو. للمرة الأولى يرى هذا الأخير بامينا وتراه فيتعانقان. يعاقب ساراسترو خادمه على سوء معاملته لبامينا. يعلم برغبة الأمير في الزواج من بامينا ورغبة باباجينو في الزواج من امرأة جميلة. يقودهما الى “معبد المحن” التي يجب أن يجتازاها شرطا لتحقيق رغبتيهما.

الرابع
ساراسترو يريد للأمير النجاح في امتحانه حتى لا تعود بامينا الى أمها “التي سممت عقول الناس بالتطير”. ينشد مع كهنته متضرعا الى الآلهة أن تهب تامينو وبامينا حمايتها أو ان تزلهما الجنان في حال مقتلهما.

الخامس
الكهنة يخبرون باباجينو بأنه في حال اجتيازه الامتحان فسيهبونه زوجة جميلة اسمها باباجينا. يبدأ مع تامينو الامتحان الذي يتعين عليهما فيه الصوم عن الكلام إزاء محاولات النساء إغراءهما به.

السادس
بامينا تنام في حديقة المعبد ومونوستاتوس يرقبها بشبق. تظهر ملكة الليل وتوقظ ابنتها. تقدم لها خنجرا كي تقتل به ساراسترو ثم ترحل. مونوستاتوس، الذي رأي وسمع، يهدد بامينا بإفشاء السر الا إذا استجابت لرغبته. تجزع بامينا لكن ساراسترو يظهر ويطمئنها.

السابع
في “معبد المحن” يعجز باباجينو عن التزام الصمت لكنه يتحدث عبر أجراسه السحرية. الأمير تامينو يصمد حتى عندما تتحدث اليه حبيبته بامينا. ولذلك تعتقد انه ما عاد يحبها.

الثامن
باباجينو يعبر عن توقه لباباجينا بأجراسه. وكانت امرأة عجوز قد ظهرت في اختباره الأول قائلة إنها عروسه الموعودة. تظهر المرأة نفسها مجددا وتغير هيئتها الى تلك الأصلية الجميلة وهي باباجينا. باباجينو يكاد يطير من الفرح لكن الكهان يطردونها بتسخيرهم الرعد والبرق ضدها، فتهرب تاركة باباجينو على جمر الفراق.

التاسع
يجد الصبيان الثلاثة بامينا في الخلاء على وشك الانتحار لاعتقادها أنها فقدت حبيبها الى الأبد. يمنعونها من فعلتها ويطلبون اليها رؤيته.

العاشر
بامينا تعود الى “معبد المحن” حيث تجد تامينو الذي اجتاز امتحان الصمت ويستطيع الآن التحدث اليها فيطمئن قلبها الى حبه لها. لكن على الحبيبين معا الآن النجاح في امتحان آخر وهو قهر النار والماء. ينجحان في ذلك بفضل المزمار السحري الذي تقول بامينا إن أباها هو الذي صنعه من خشب شجر الزان. في غضون ذلك يحاول باباجينو الانتحار ايضا لأنه فقد الأمل في رؤية باباجينا مرة أخرى. يظهر الصبيان الثلاثة ويذكرونه بأجراسه السحرية. يستدعيها بها وإذا هي بين يديه.
تظهر ملكة الليل مع نسائها و”الخائن” مونوستاتوس ويحاولون تدمير المكان بما ومن فيه. لكن ساراسترو ينجح في نفيهم جميعا الى ليل أبدي ثم يعقد قران الأحباء وسط احتفال صاخب.

مدخل سهل
بغض النظر عن البنية الموسيقية المدهشة التي يتوقعها المرء من موهبة خارقة مثل موزارت، فإن “المزمار السحري” وليمة للعين جعلت منها إحدى الأعمال التي يوصى بها لمن أراد التعرف على الفنون الأوبرالية. وصار شبه تقليد أن يمهّد الآباء الغربيون الطريق الى دنيا الاوبرا عبر بابها.
وبوسع القارئ، من سرد الوقائع التي تؤلف هذا العمل، أن يتصور بسهولة كيف صار عالمها الدرامي ـ الذي يحوي الاسطورة والمعركة التقليدية بين الخير والشر والسمات السحرية التي يكتسبها البشر والجماد ـ تربة خصبة تشحذ الخيال وترقى به الى عوالم غير محدودة.
ولهذا استلزم ان تتسع المواعين لتحوي هذا الكم الإضافي من الفنون. فصارت “المزمار السحري” قاعدة انطلق منها مبدعون آخرون في عالم الأدب والفن لتقديم مادتها من وجهات نظرهم المتعددة المختلفة. وحتى بيتهوفن لم يستطع مغالبة الإغراء فألّف 12 طاقما من القطع الموسيقية للتشيلو والبيانو استوحاها من هذا العمل.
وتناولها ايضا الكتاب فاستقوا منها الرويات والأعمال الدرامية للإذاعة والتلفزيون للأطفال والكبار على حد سواء. وبالطبع فلم يفلت هذا العمل من عين الكاميرا فتناولتها العدسات العالمية بعدد من التأويلات السينمائية مختلفة التصنيفات كان اولها ـ وأبرزها ربما ـ العام 1975 على يد المخرج السويدي الفذ إنغمار بيرغمان. وكان آخرها فيلم المخرج (والممثل) البريطاني الشهير لدى عشاق السينما الجادة كينيث براناه في 2006 الذي جعل من الحرب العالمية الأولى خلفية تقع عليها أحداثها.

نسخة روسية هجينة في مسرح البولشوي

قدم مسرح البولشوي الروسي، في إطار عروضه الكلاسيكية، أوبرا “المزمار السحري” قبل أعوام بإخراج جراهام فيك مع تصميم الأزياء والديكورات من قبل بول براون. وقد ظهرت في حينه ردود فعل سلبية على العرض، كون المخرج قدم نسخة هجينة من صيغة مسرحية كان قدمها قبل ذلك في سالزبورغ.
ويقول بعض النقاد إن المخرج أراد أن يحدث صدمة لدى المشاهد الروسي، فمثلا إن الساحرات في مملكة الليل بدت أمام المشاهدين بهيئة سيدات يرتدين أزياء رجال شرطة العاصمة، وإن كانت تدلت من وراء الزي قطع صغيرة من فرو الفهد. كما يأتي الأمير تامينو إلى مملكة الساحر زورايسترو في سيارة “تشايكا” سوفياتية من عهد الركود. أما ملكة الليل فحصلت على سيارة أقل منزلة، هي سيارة “فولجا” سوداء فحسب.
لقد كان الجمهور ينتظر رؤية موزارت بعباءة سوداء وبيده جمجمة بينما قدمه فيك على خشبة المسرح في موسكو لابسا القناع الواقي من الغازات وبالبزة الخاصة بالحماية من المواد الكيمياوية والجرثومية. ومع ذلك فمن الصعب تشويه موزارت إذ ادى دور باباغينو الفنان فلوريان بيش الذي استدعي من أوبرا فينا، بينما أدت دور بامينا الفنانة أنا اغلاتوفا التي استطاعت التغلب على صعوبة الغناء باللغة الألمانية.