الملحق الثقافي

إعلان نقدي مبكر

“فالعيوب المعنوية التي يكثر وقوع شوقي وأضرابه فيها عديدة.. ولكن أشهرها وأقربها إلى الظهور وأجمعها لأغلاطهم عيوب أربعة، وهي: التفكك والإحالة والتقليد والولوع بالأعراض دون الجواهر. وهذه العيوب هي التي صيرتهم أبعد عن الشعر الحقيقي الرفيع المترجم عن النفس الإنسانية في أصدق علاقاتها بالطبيعة والحياة..”.

العقاد، الديوان في الأدب والنقد

لم يثر كتاب العقاد والمازني “الديوان في الأدب والنقد” ما أثاره كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي” رغم سبقهما له، لأن طه حسين كان يقاضي العقل والفكر والطريقة المنهجية عامة، فيما تبدو أطروحة الديوان مقاضاة ليقين خاص وكأنه مُساءلة خاصة لشوقي وشاعريته وشهرته. صدر الجزء الأول من الديوان في يناير 1921 والثاني في فبراير من العام نفسه، وربما لانحسار أثر الكتاب لم تظهر الأجزاء الثمانية الأخرى كما وعد المؤلفان في مقدمة الكتاب الذي أرادا أن تكون “وِجْهته الإبانة عن المذهب الجديد في الشعر والنقد والكتابة..”، لكن ملامح هذا المذهب الجديد التي يفترض أن تتضح في الكتاب لم تستوفِ حقها إلا في موضعين في فصلين منه لأن المؤلفيْن ـ والعقاد خاصة بكونه تولّى نقد شعر شوقي فيما انصرف المازني الى نقد نثر المنفلوطي والرافعي وتعليقات قليلة على شعر شكري ـ جعلا المستندات والمفاهيم النظرية تابعة لعملية هدم النصوص المنقودة لا العكس. فكان استقصاء عيوب شعر شوقي هو المناسبة لبسط الفرضيات النظرية بسرعة وعلى وجه الإجمال. رغم ذلك كان لمقترحات العقاد مكانها في الشعرية السائدة لا سيما في الثلث الأول من القرن الماضي الذي يعد بحق زمنا للتغيير وتطوير الرؤية الفنية والحساسية الشعرية. فظهرت فيه كتابات المهجريين والشابي وجماعة أبوللو وروفائيل بطي والزهاوي ومطران وأمين الريحاني وجورجي زيدان والتنويريين والإحيائيين، فكان تاريخا للتمهيد الجاد للتجديد الذي سيعلن عن نفسه ببرنامج مسمّى ومعروف هو الشعر الحر في الأربعينيات تحديدا.

مدرسة أم جماعة؟
يساور الباحثين في النظرية الشعرية وتطورها في النقد العربي الحديث شك حول إطلاق وصف المدرسة أو الجماعة في تقييم جهد العقاد والمازني، وشكري، زميلهما لفترة محددة. ولا تتوافر مطارحاتهما الجدلية واضحة الغرض في ثنايا الديوان بجزأيه المنشورين على عناصر نظرية تكفي لذلك الوصف. ويمكن ملاحظة غياب البديل الشعري لنموذج شوقي والمقلدين باصطلاح الديوان. وحضور عبدالرحمن صدقي بديلاً في قصيدة النشيد القومي عن شوقي الذي فاز في المسابقة لا يكفي لان نعد صدقي شاعر جماعة الديوان كما كان الشابي شاعر أبوللو، وميخائيل نعيمة شاعر الرابطة القلمية في المهجر، أعني النموذج الذي يقدم شعره كتجسيد لما تبشر به الجماعة. ولعل غياب التلاميذ والمقلدين لجماعة الديوان تضعف وصف تكتلهم بالمدرسة. وهي إحدى مبالغات مؤرخي الأدب المتغافلين عن جهود مهمة في الفترة نفسها ذات منطلق أكثر تجرداً وأشد حماسة للتجديد من العقاد الذي سرعان ما سينقض بنفسه ما كان يدعو إليه بل لم يكن شعره المتواضع فنيا يؤهله ليكون مستندا نصيا يعزز التنظير الفائق في الديوان والتجاوز للمفاهيم السائدة في حينها بل لا يقارب طموح العقاد في تحدي شاعرية شوقي الذي وصفه بأنه مقلد المقلدين وراح يتعقب أبياته وتشبيهاته وهياكل قصائده ولغته ليؤكد أنه لا يستحق ما نال من شهرة ومكانة في حينه. بل عمد إلى مبحث السرقات وقارن بهديه بين قصيدة رثاء لشوقي بقصيدة المعري الشهيرة (غير مجد في ملتي واعتقادي) وكشف عبر توافقات الإيقاع والافكار والصور عبر (سرقة) سيئة وتصرف بالنص المسروق. ويمكن ان نتخيل رد فعل جمهور الشعر ومتلقي القصدة حين يتهم أمير شعرائهم وكبيرهم بمثل ذلك، فضلا عن السخرية الجارحة والنعوت الخارجة عن الموضوعية التي اكتظت بها صفحات الديوان ولم ينج منها نقد المازني العنيف للرافعي وللمنفلوطي وأخيراً لشعر شكري نفسه.
تكمن أهمية الديوان إذن في كونه إعلانا نقديا عن نبذ التقليد المتلخص في شاعرية شوقي والتعرض لرمز شعر مكرس تهتز بالتعرض له قناعات الشعراء والمتلقين حول عناصر الشاعرية التي يتوخاها العقاد بديلاً لما عاب فيه شوقي.

مزايا وعيوب
تنطوي محاولة الديوان على مزايا عديدة جديرة بالتنويه، منها: تهديم الصنمية الشعرية عبر التعرض لشوقي والتشكيك في قيمة شعره، والتمهيد للتجديد الشعري اللاحق وبث الوعي النظري بالبناء الشعري وفق عناصر جديدة هي خليط من تأثرات بالنظريات الغربية أو بعض المقترحات في التراث النقدي العربي. ومما يسجل للعقاد والمازني هنا أنهما جمعا بين النظرية والتطبيق، وانتهجا التحليل النصي وإن كان عبر تفتيت النصوص لصالح إثبات ما يرميان إليه نظريا كمحاكمة القصيدة الشوقية بيتا بيتا في حين يتحدث الكتاب عن الوحدة الموضوعية والمعنوية ويصفها ببلاغة ودقة بالقول: “فالقصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته، ولا يغني عنه غيره في موضعه إلا كما تغني الأذن عن العين أو القدم عن الكف أو القلب عن المعدة. أو هي كالبيت المقسم لكل حجرة منه مكانها وفائدتها وهندستها..”.
وهذا التشخيص وإن انطلق من وحدة المعنى لا البنية العامة التي تقتضيها الوحدة العضوية ينبه إلى التلازم النصي والتكامل في الهيكلية الكلية للقصيدة، وهو ما تغفله النظريات التقليدية القائمة على وحدة البيت واستقلاله واكتفاه بنفسه. ويؤيد رأينا أن العقاد يقصد المعنى لا البنية، والوحدة المعنوية كما يسميها لا العضوية الهيكلية أنه يعيد ترتيب أبيات قصيدة شوقي في رثاء مصطفى كامل جاعلا البيت الرابع عشر ثانيا والحادي والعشرين ثالثا والرابع والستين رابعا وهكذا دون أن تتأثر قراءتها أو تختل لأنها مفككة أصلا. وهذا ما سيرد في اعتراضه على تشبيهات شوقي والمقلدين الذين يرى “أن التشبيه عندهم غاية ولم يتوسلوا به إلى جلاء معنى أو تقريب صورة في تشبيهاتهم وليست ميزة الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه وإنما مزيته أن يكشف ما هو ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به”.

الصدمة والرسالة
في الجزء الثاني من الديوان يقدم العقاد تلخيصا لما وصل من أصداء لعمله في الجزء المنشور بصدد شوقي خاصة. ورغم لهجة الاستخفاف ولغة السخرية والتعريض بالخصوم نستشف تبويباً لافتاً لنوع الصدى الذي تركه الكتاب فثمة انتقادان يذكرهما بنصهما أولهما أنه والمازني اختارا “أوهن قصائد شوقي وأكثرها مغامز” والثاني أنهما “أغلظا العصا لشوقي” فينكر هذين الاعتقادين أو الانتقادين بسخرية أيضا بعد أن يصنف متلقي نقده لشوقي في فئات كالشيوخ وقراء الجيل الماضي والشبان الذين تلقوه بارتياح وفئات بموافقة مشوبة بالدهشة وثالثة تلقته بتذمر متوقع وهم معجبون بشوقي على الإشاعة او شركاء له..
لكن العقاد لا يستفيض في بيان أثر أطروحته في الكتابة الشعرية وتواتر التجديد وسيرورته لأنه كما أسلفت مهتم بنقض شاعرية شوقي عبر نصوصه أكثر من اهتمامه بإقامة قواعد نظرية مترابطة عنصريا داخل النص ـ أي نص ـ وإن عمم أحيانا ووسّع ملاحظاته الفنية.
لقد أصبحت القواعد التي اقترحها ولو بطريق ذكر غيابها لدى شوقي أو وصفها بالعيوب منطلقات للمقايسة اللاحقة بعد حين من ذكرها ولم تفعل فعلها في الكتابة الشعرية حتى ما كان يكتبه العقاد نفسه. فلو أجرينا التقديم والتأخير الذي فعله في قصيدة شوقي الرثائية على إحدى قصائده لصح عليها ما عابه في نقد شوقي. فقد ذكر العقاد ما اسماه العيوب المعنوية التي يكثر وقوع شوقي وأمثاله فيها وهي عديدة كما يقول لكنه يذكر أربعة توقف عندها النقاد طويلا رغم عجالة ذكرها وابتسارها وهي:
1، التفكك: وهو أن تكون القصيدة مجموعاً مبدداً من أبيات متفرقة لا تؤلف بينها وحدة غير الوزن والقافية. 2، الإحالة: وهي فساد المعنى وهي ضروب فمنها الاعتساف والمبالغة والخروج بالفكر عن المعقول. 3، التقليد: وأظهره تكرار المألوف من القوالب اللفظية والمعاني وأيسره على المقلد الاقتباس المقيد والسرقة. 4، الولع: بالأعراض دون الجواهر.
وهذا العرض المنتزع من الديوان لا يفي بالمفهوم الا اذا تابعنا تطبيقه المسقط على شعر شوقي وبيان ضرره على النص وبنيته المعنوية. ولكن الرسالة التي وصلت عبر هذا الانتقاد هي أهم من تطبيقات وتلميحات العقاد بصدد شوقي؛ فهي تنبيه إلى وجهة المذهب الجديد كما في مقدمة الكتاب. وكأن هذا الغياب لعناصر الاكتمال البنيوي يوجب تذكر ما يجب أن يحضر في القصيدة لتكون على وفق ما يريد المذهب الجديد في النقد والادب والكتابة الشعرية المخالفة للتقليد.

حرب وعاهات ومقلدون
في محاكمة الخطاب الذي اشتمل عليه الديوان ستبرز مسألة اللغة في الصدارة فهو مكتوب بهيجان لغوي وعنف بلاغي يعكس عنف رد الفعل لدى العقاد على شوقي وشعره: شخصه وقصيدته معا. وهذا يكتمل بمطالعة ما كتبه عن شوقي في غير الديوان وكذلك في ما أورده المازني ساخرا ومتهكما من المنفلوطي ونثره العاطفي المهلهل وكذلك من الرافعي واسلوبه التقليدي. وتند عن العقاد جملة تذكرنا بما سيصف به الشيوعية بعد عقود أنها مذهب ذوي العاهات فيقول في الديوان: “نرى حولنا العشرات والمئات من ذوي العاهات النفسية يستحسنون مثل هذا الشعر على غثاثته..”، ولقد كان الديوان بهذا الخطاب حربا لا يفاجئك فيها قوله في ختام أحد فصوله “وإنا على الحق لصامدون” ويهدد خصومه ويتوعدهم ويذكر جزئيات عابرة كتأليف لجان المسابقات أو الهدايا والرشى المقدمة للكتاب من المقلدين، ما يضيق دائرة الأثر الجمالي في الديوان، وينأى به عن أن يكون مدرسة فنية واضحة المعالم رغم تمهيده للتجديد بجرأته وتمرده على السائد في الذائقة الأدبية.