الملحق الثقافي

من دفتر السر: سارتر، سنّمار، ريتسوس

عن دار شرقيات صدرت ترجمة (أدّاها: أحمد عمر شاهن) لمقابلة طويلة (128 صفحة من القطع الصغير) مع المتفلسف الفرنسي جان بول سارتر المتوفي عام 1980 بعنوان “صورة شخصية في السبعين”، أي قبل وفاة الفيلسوف بسنين معدودة.
رُبّما بهدوء كبير يجلس سارتر إلى الصحفي كي يجيب عن أسئلة تتعلّق بتفاصيل حياته الشخصية: حالته الصحية، علاقاته الجنسية، حبه، صداقاته، كراهياته، سلطته، شهرته، نقوده، مواقفه وأعماله. كما ويجلس صحفي قريباً جداً من سارتر، فهو حين يسأل فإنما يسأل من معرفة تفصيلية وقريبة بأعمال ومواقف ونزوات سارتر. كل ما يمكن قوله مطروح على الطاولة، فليقل إذن كل ما يمكن قوله إذ أنّ “وجود الإنسان لا بد أن يكون مكشوفاً كلياً لجاره الذي سيكون وجوده هو الآخر مرئياً كلياً وما التحفظ إلا وليد “عدم الثقة والجهل والخوف” وهذا الذي يبعدنا عن “الثقة بالآخر وائتمانه”. ولذا فأنا شخصياً لا أعبر عن نفسي صراحة في كل المواضيع مع الناس الذين أقابلهم، لكني أحاول أن أكون شفافاً قدر الامكان، لأني أشعر أنّ تلك المنطقة المظلمة التي بداخلنا، مظلمة لنا ولآخرين، ويمكن أن ننيرها لأنفسنا فقط عند محاولة إنارتها للآخرين”.
إنارة الداخل للخارج، في الخارج، هو ما يحقق الشفافية في نظر سارتر، تلك الشفافية التي يؤمن بأنها ستحل “مكان السرية، وأستطيع أن أتخيل اليوم الذي لا يكون فيه أسرار مطلقاً بين رجلين، لأنه لم تعد هُناك أسرار بين الناس لانفتاح الحياة الذاتية والحياة الموضوعية أمام الجميع، فمن المستحيل تقبل حقيقة أننا نسلم أجسادنا للآخرين كما يحدث، ونحتفظ بأفكارنا مستترة، فأنا لا أرى اختلافاً أساسياً بين الجسد والوعي”.
ليس تسليم الجسد في العلاقات الجنسية فحسب، “فأنت تسلَّم جسدك لي وأنا كذلك، بالنظر، باللمس، فكلانا موجود بالنسبة للآخر كجسد، ولكننا لا نوجد بالطريقة نفسها كوعي، كأفكار، برغم أنّ الأفكار هي تكييف للجسد. إننا أردنا أن نوجد، كحقيقة، بالنسبة للآخر، أن نوجد كجسد عار دائماً ـ حتى لو لم يحدث ذلك فعلياً ـ فعلى أفكارنا أن تظهر لآخرين كنتاج لأجسادنا. فالكلمات ينطقها اللسان والفم، كل الأفكار تظهر بهذه الطريقة حتى أشدها غموضاً وأكثرها تفاهة وأقلها، آنذاك لن يكون هُناك حجاب. تلك السرية التي كانت في عصور معينة تعادل شرف الرجال والنساء، تبدو لي غبية جداً”.
ولكن أين تذهب من هُنا تلك الثقافات القائمة على الأسرار، تلك المجتمعات، أولئك الأفراد؟ أليس كشف السر والحرية صنوان؟. بمعنى آخر أليس من ضرورة أنْ تكون حراً هو إمتلاكك للقدرة العظيمة والخطيرة في فضح ما يستلبك في الداخل ـ داخلك وداخل محيطك أو في الخارج؟. ثم أليس تمجيد السر (في منظومة الغزل العربي مثلاً) هو من الجانب الآخر تمجيداً للطاعة وللعبودية؟
المجتمعات العبدة، القائمة على الأسرار مجتمعات تسودها الغلبة وتنتهج القمع وتعيش الكبت: إن كشف ما يجري هُنا أو هُناك، عند الغني وعند الفقير، في الخفاء وفي الخلف.. إنّ هذا الكشف، هذا الفضح، هذا الهتك هو السبيل الوحيد لحرية هذه المجتمعات، وهو السبيل الوحيد لتقدمها، فكلما ازدادت واتسعت مساحة السري الاجتماعي والسري السياسي في أي مجتمع قلما ازداد تخلفه وطاولت ديكتاتوريته كل شيء حتى يصل في النهاية إلى قتل كل الشهود ومطاردتهم، وما الشهود إلا الأقرباء العارفين المطلعين على السر. كذلك المعرفة، كذلك الابداع هو شهادة وهو هتك لحصن السر المنيع. إن السرّ ليس كل ما ينطوي عليه قائم اجتماعي ويحرسه ليخفيه ويخفيه ليحرسه ويقيم الحصون، بل في ماضي القوائم الاجتماعية والهياكل السياسية، في بنى الاستلاب التي تتأسس عليها السلطات. إنّ الحرية أيضاً ليس في أن يفعل الإنسان أي شيء تحت نظر وسمع السلطات وبشروطها. الحرية هي تلك الرحلة الطويلة التي يقطعها الفرد في المجتمعات والمجتمعات في الفرد للتحرر من الاستلابات والأسرار نحو أسرار أخرى، إذ أن معين الظلام لا ينضب.

انت في الحقيقة
“إذا بليتم فاستتروا” كما و”استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”. وإذا ما كان الابتلاء هو خرق منظم للسائد الأخلاقي، فانَّ الخطورة لا تكمن في الخرق نفسه، في هذه المعركة الخاسرة مع الفضيلة، في هذه الخدعة الممارسة بين الظاهر والباطن والخارج والداخل وانما في افتضاح هذا “الابتلاء”، في الكشف عنه والمجاهرة به. المجاهرة بالعصيان، تحويلها من الخفاء إلى العلن ذلك هو الاختراق الحقيقي. أن لا يعرف أحد، فذلك هو المطلوب، أما أن يعرف أحدهم أو الجميع عمّا أذنبته أنت فان ذلك هو ما يحول ذنبك الشخصي إلى ذنب جماعي، اجتماعي. أما عن كونك أنت تعرف (ولكنني أعرف) فان ذلك لا يشكل أية معضلة. إن الضمير الذي تستخدمه هنا كان من المفروض أن يكون ميتاً قبل أن يعرف الآخرين سرك ويكتشفون ما أخفيت، ويحفرون ما طمرت ويظهرونك على حقيقتك.
أنتَ في الحقيقة لا تريد حقيقتك، أو لا تريد أن تُعرف على حقيقتك، فما تعيش به وتظهره للآخرين، ليس ما ينتاب داخلك ويشغل هواجسك ويلعب بأفكارك.
داخلك ذاك الملتبس، العابر للحدود، المختلج، الحيوان، المظلم، السري هو ابتلائك الحقيقي، وما عليك اخفائه دوماً، إذا ما صورتك وظهورك وبالتالي حياتك إلا مجموع المرَّات الذي أخفيت، أو حاولت فيها اخفاء حقيقتك ونفسك، إذ كلما دفنت نفسك، أونجحت في ذلك، كلما كنت بين الجمع أنت مميز وحصين ومحمي. الآخرون حين يخترقونك فإنهم يخترقونك من النوافذ التي تشرعها على داخلك، من الأبواب التي تفتحها على طبيعتك. أغلق تلك النوافذ والأبواب. أغلق دواخلك.

الخورنق
ما هو السر؟
السر: الخفي.
هل الخفي عن البعض أم عن الجميع، عن الكل؟. هل السر هو الخفي المُكتشف، الذي عثر عليه أحدهم وعرفه وكتمه، أم الذي لم يكتشف بعد. لا يكتشف أبداً. وهل الخفي ما لم يُعرف أبداً. ما قد يُعرف، أو لا يُعرف على الاطلاق، أم هو ما فُعل وارتكب من فضيحة فكتم وخفي وعد من الأسرار. وهل العالم قائم حقاً على فضيحة لهذا تعرفنا على الكوميديا السوداء وعلى السخرية السوداء، أم أنّ العالم هو مخزن فضيحتنا، فضيحتنا نحن ومقبرتها، وعلينا كل مرّة العودة للحفر ما دفناه، وإعادة اكتشاف ما أخفيناه، واظهار الذي طمرناه والاعتراف بما ارتكبناه.
“أعرف ما لا يُعرف”، هل هذا هو تعريف اللعنة.
تقول الحكاية الشعبية العربية القديمة:
“كان الخورنق قصراً بظهر الحيرة، وقد اختلفوا في بانيه، فقال الهيثم بن عدي: الذي أمر ببناء الخورنق النعمان بن امرئ القيس (...) ملك ثمانين سنة وبنى الخورنق في ستين سنة. بناه له رجل من الروم يقال له سنَّمار، فكان يبني السنتين والثلاث ويغيب الخمس (...) فلم يزل يفعل هذا ستين سنة حتى فرغ من بنائه. فصعد النعمان على رأسه ونظر إلى البحر تجاهه والبر خلفه، فرأى الحوت والضبَّ والظبي والنخل، فقال: ما رأيت مثل هذا البناء قط، فقال له سنّمار: إني أعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله. فقال النعمان: أيعرفها أحد غيرك. قال: لا. قال النعمان: لا جرم لأدعنها وما يعرفها أحد. ثم أمر به فقذف به من أعلى القصر إلى أسفله فتقطع، فضربت العرب به المثل:
جزاني جزاه الله شر جزائه
جزاء سنّمار وما كان ذا ذنب
ولكن ذنب سنَّمار انه كان يعرف موضع الآجرة التي لو زالت لسقط قصر الخورنق العجيب كله. النعمان نفسه لما عرف عن طريق سنّمار عن الآجرة التي لو زالت “وبعد أن مكث في المُلك ثلاثين سنة (أخرى؟) كان جالساً يوماً في هذا القصر، فتأمل في الملك الذي له والأموال والذخائر التي عنده (...) فقال: لا خير في هذا الذي ملكته اليوم ويملكه غيري غداً (...) ثم زهد في الملك وأمر حجابه أن يعتزلوا عن بابه، ولما جنَّ الليل، التحف بكساءٍ وخرج سائحاً في الأرض فلم يره أحد بعد ذلك”.
وسنّمار البناء ليس وحده الذي أصابته لعنة المعرفة. زميله في المهنة اليوناني تروفونيوس كان “معمارياً شهيراً، وهو ابن الإله أبولون من زوجهِ أبيكاستا. قرر تروفونيوس بالاشتراك مع أغاميد، بناء (معبد تلقي أسرار الآلهة والكون والطبيعة والمستقبل)، معبد دلفي، ولكن الأخير، وبعد الانتهاء من بناء المعبد، قام بقتل المعماري تروفونيوس، لقد قام برميه من أعلى المعبد”. ولا أحد يريد أني عرف ماذا حدث بعد ذلك لأغاميد.


الفتى الذي ترك فراشةً
على الطاولة



غادر بصمت.. في يوم ودعته الريح باردة، بلا غيوم، الغيوم ظلّت في البيت، والفراشة حلّقت بعيداً نحو ماء البحر الأزرق الشفيف.
هُناك عند “خورفكان”، ما بين البحر والجبل رقد رقدته الأخيرة، وقد جاور الأحبة الذين سحروه بحكاياتهم الغامضة، وبتنقلاتهم بين القرى والمدن الساحلية والصحراء.
هُناك سوف يجد لذة التأمل، وهُناك يأتي الليل ويأخذه حيث ظلال الجبل وصوت هدير البحر.
هُناك ستبكي الشمعة دماً، هُناك سيجد يديه فارغتين.
كلها عناوين دواوين شعرك يا أحمد راشد ثاني التي تعبر بصدق عن رحيلك المباغت، أيها الشاعر الذي فاجأ أحبته يوم رحل بشجاعة تليق بالشعراء الذين لا يقبلون أن يتعذبوا من قلب موجوع أكثر من هذا.
شاعر كتب رؤيته في الشعر، سجل حضوره في النثر، وضع بصماته في تاريخ الشفاهية، فخاض في جميع الميادين، أبحر في الشعر فصور الخرافة، أبحر في النثر فسجّل الحكاية، أبحر في الشفاهية فسجل تاريخها وأودعها ذاكرة الكتب، بحث عن حكايات الناس فوجد ما قالته له أمه، “مدماي قلب الولد” و”أمواج” و”يمطيره يات العصر” و”طاحت خلاله في السيوح” و”يا الماكل اخنيزي ويا الخارف ذهب”.
ذهب قلبه، صامت في وجعه، بارع في انتباهاته حتى في مرضه، كاتب رواية ساحر، سطر خرافة بل أسطورة لم تظهر للناس بعد، كتب عن مرضه في المستشفى فأضحكنا، جلست معه يوماً، فقال لي “أنظر” وكأني لم أر هذا الذي أنظر إليه من قبل.. تساءل فحيرني، بل حيرتني انتباهته.
أحمد الشاعر الذي يحرك سطح الحياة الراكد في كل يوم خميس، أحمد الذي أضرم في جسد السيرة ناراً، قرأ وجه الجبل الذي نام تحت ظلاله.
أحمد دم البحر يبكي.
أيها البحر.. لقد جاورك الفتى، جاورك الآن من أنشد لك أعذب القصائد، وأرّخ لك أعذب الحكايات.
أيها البحر.. إبك فتى بكاك في كلماته، بل ضحك معك يوم تجشأت أعماقك عند قدميه.
أيها البحر.. إبك شاعراً مشى عطشاً إليك وهو يجر البئر إلى الغرق في لجتك..
أيها البحر.. إبك رجلاً رجع إليك عند الجبل الرضيع الذي تركته الصحراء.
.. إبك رجلا تساءل يوماً “ماذا لو رجعنا إلى البيت من المدينة، وكان ذلك المساء ضغينة مستترة”.. إنها ليست ضغينة يا أحمد، لقد رجعت فعلاً عند المساء من المدينة إلى البيت الأول لتشرب من البئر الأولى عند جبلك الرضيع..
أحمد.. ترك الشاعر فراشةً على الطاولة، وارتحل.
أحمد.. نام الشاعر في أرجوحة القبر تحت الشجرة، عند الجبل، وظل الشجرة تنحني على الطاولة.

سلمان كاصد
ثلاث قصائد، ثلاثة مشاهد



ترجم الصحافي عبده وازن بضع قصائد من مجموعة يانيس ريتسوس “الشاعر اليوناني” الراحل (1959 ـ 1995) الأخيرة “متأخراً، متأخراً جداً في الليل” والتي صدرت بعد وفاته.. ومن القصائد التي ترجمها وازن لحائك أسرار الهواء العابر هذا اخترت:

الصيف الأخير
إنها ألوان المساءات الوداعية، حان بك
أن تهيئي الحقائب الثلاث - الكتب، الأوراق والقمصان - ولا تنسي هذا الثوب الذي يلائمك جيداً
حتى وان لم يكن عليك أن ترتديه هذا الشتاء،
أما أنا، خلال هذه الأيام القليلة الباقية لنا، فسأقرأ مرة أخرى القصائد التي كتبتها في تموز وآب،
والتي ما زلت أخشى ألا أكون أضفت إليها بل للأحرى أن أكون حذفت منها كثيراً، فبين السطور يلوح حدس غامض أن هذا الصيف،بزيزانه وأشجاره وبحره،بصفير البواخر في الغروب المجيد،بمراكبه المتهاوية في ضوء القمر تحت الشرفات القديمة وبرأفته المخادعة،حدس غامض أن هذا الصيف سيكون الأخير.

المجنون
يخترع الإنسان أكاذيب كي يوفر لنفسه
زاوية صغيرة على هذه الأرض. في المساء،
شرطيوا السير يؤوبون إلى بيوتهم، المحال تُغلق
والنجوم تتجاسر نحو الغروب، فيما بعد،
يسمعُ مجنون الحي ذو القنسوة الحمراء
يرندحُ في الشارع الموحل أغنية حزينة،
أغنية طفل يعروها الكثير، الكثير من التجاعيد.

صمتاً
ما لم تقله أبداً، هو تحديداً ما يحيي
الكلمات التي تنطق بها والتي تمكثُ في الهواء،
معلقة، مبهمة، كمثل أصداء غامضة
لموسيقى ليلية آتية، الآن
لا شيء لديك لتقوله ما دام لا شيء لديك لتخفيه.
الصمت
يعزلك كلياً عما يحدث
فيما أنت تسمعُ دراجات الفتيان على الطريق
الساحلي،
وصفارات البواخر التي تندفع ليلاً ونهاراً وسط هدوء
البحر الذي تليه العواصف ووجهتها الأخيرة المرفأ
الغامض الكبير.
وفي مشهد أول نقفُ معاً على الساحل: لم حقاً تنفث البواخر المسافرة في وجوه مرايانا الدخان من مؤخراتها وتماماً بعد مغادرتها الميناء بقليل. أن آلاتها بدأت بالعمل، هذا التفسير لا يكفي. تودعنا وهي تُطلقُ تحياتها الشاحبة. ثم ماذا بعد؟ السفر. الانتقال. الموت. ما سر الموت؟. هل الموت سر؟. سر لم يفصحُ عنه أحد. لن يُصح عنه أحد. أنه بلا موعد، وما عليك إلا أن تستعد لاستقباله على الدوام: هيئ حقائبك الثلاث “ولا تنسى هذا الثوب الذي يلائمك جيداً حتى وان يكن عليك أن ترتديه هذا الشتاء”، فقد تحملُ عادياً إلى القبر على الأكتاف، عارياً بلا سر، ولأنهم رأوك من الخارج بلا ثوب، هم رأوك أيضاً من الداخل: فارغاً، فارغاً كأي ميت و”لا شيء لديك لتقوله ما دام لا شيء لديك لتخفيه.

مشهد ثان
تجلس على الطاولة وتكتب. تترك الحياة، كل الحياة، ما تسميها حياة وتجلس على الطاولة لتكتب. إنها قراءة جديدة للقصائد التي كتبتها في تموز وآب، كتابة جديدة. ما يموت يحتاج إلى الموت باستمرار كي يحيا، وتحس بأنك لا تضيف جديداً، ما الجديد الذي قد تضيفه، فما قيل يحتاج إلى مزيد من الحذف، رغم أن الحياة ولا الموت يعترفان بشيء يُقال له: “فوات الأوان”، وإذا ما كنت غير متأكد من أيهما أعظم: الحياة أم الموت، فإنك كنت باستمرار تؤمن بأن الحُب هو أعظم منهما معاً أو هذا ما كنت متأكداً منه، كما تردد، والآن استمع، بخفة اللين وظله الطبشوري ومشيته الحافية ها هو قادم، زائر محمود البريكان اياه، قادم ليطرق الباب، إذ أليس هذا هو الحدس الغامض الذي كان يلوح لك بي السطور. استمع أنه يقترب. استمع أنه يطرق الباب.

مشهد ثالث
الحياةُ خالية. أطفأت أبجورة زاويتك الصغيرة على هذه الأرض. اغلقوا المحال، وعادوا إلى منازلهم، الأمواج نامت في مرايا البحر، الغيوم في ادراج السماء، الشمس نزلت إلى البئر وغطست في ماء الظلام.
الشوارعُ مدفونة في الليل. الأبواب واقفة كالمشيعين أمام البيوت، النوافذ تبكي، وملأ الصمت الطاولة، ولم تعد القنينة تسمع حشرجة المريض، ولا الوردة جوع العين الفارغة. لم يعد القلم يسمعُ نبض اليد.

لسانُ البئر المقطوعُ



شعر: أحمد راشد ثاني

أنتَ أنا الذي لم يعبرْ
الذي ظلَّ غريقاً في الطُّوفان
الذي ظلَّ أنينا، وظلاً
على شفةِ البحر•
أنت الذي لم يتكوَّر كصخرةٍ
لم يُنلْ كقِطاف السرقةِ
لم يقفْ كحائطِ المنتهى
لم يحتطْ كبئرٍ في جحرٍ
لم يُحوِّل النجمةَ إلى مخدّةٍ
ولا النبعَ إلى صنبورٍ
لم يرحلْ
لم يعدْ بالرحلةِ
لم يعدْ والرحلة
على ركبتَيهِ
تنثرُ رُمَّانَ المجهولِ،
وتقرأُ الرملَ بالأجفان•
لم يعدْ بالثلج ويضعه
كالقميصِ على الصحراءِ،
وبالصحراءِ التي جَالَسَها
على مائدةِ المنفى
وشربَ معها اليأسَ•
لم يعدْ
كذلك،
لم يعدْ يشربُ
من فمِ الغابةِ،
ولا يأكلُ من وليمة العصفور•
الأنثى كَسَرتْ سُرّتَهُ،
وأَرَاقتْ فَمَهُ•
قام عليه الماءُ، والرملُ
الذي يشربُ الماءَ•
قام عليه المشهدُ،
وإبرةُ العين
باعدتِ السماءُ بين نجومِهَا
على رأسِهِ،
وتحطَّمَ البحرُ
الأمواجُ التي على الشاطئ
من شظايا حطامِهِ،
الرَّمُل الذي بنتْ الحسناءُ
خيولَ أحلامِها منهُ
من بقايا دَمِهِ،
وأقواسِ غيابِه•
أغاني القواقعَ،
وطيورُ الجزيرةِ،
ولسانُ البئرِ المقطوع•


كتاب الليل
أغلقَ الليلُ كتابَهُ
وَضَعهُ في النافذةِ،
ونامْ•
كان شعرُها الأسودُ يجري
على قرصِ الشمسِ المغمَّسِ بالغيومِ
الأمواجُ تصفِّقُ ، والأشرعةُ تُغنِّي،
والجزرُ الصغيرةُ المتناثرةُ في خليج الروحِ
تلعبُ مع الدلافينِ•
على صخرة الحلم
تسيلُ دمعةُ البحرِ
الشطآنُ تباعدت في عينِ القرصان الوحيدةِ،
وعندما اعتلتْ العاصفةُ إحدى السفنِ
نزل البحارةُ إلى المحيط
يحصدون حشائِشَ الغَرَقْ•
السماءُ أعدَّت المائدةَ:
بيانو الرعدِ،
وكؤوساً من برق•
الخَدَمُ الغيوم، وثَمَّ نجوم
مشويةٌ على فحمِ الأرواحِ•