الملحق الثقافي

يا بحر في أحشائك الدر.. وفي القلب أنت الساكن الحر

من نافلات أو معضلات، من ساريات الظل الجاريات، في السماوات الزرق، من نفير أو زفير الغواصين تنفست وهجت ومجت وثارت ثائرة الموج حين صفعت الريح خدك الأملس، فافتقدت كبرياءك وصلت وجلت وحلبت العرق العريق من عروق النازفين ألقاً، صرت أنت السمك والسماك، وأنت الهوى والأشواق، وأنت النديم والسديم، والقديم المتقدم دوماً نحو غايات الغارفين من أحشائك الدر والسر، وأخبار التراب المسكون بأعشاب الفرح والترح.. من وعيك القديم.. القديم، قبل وبعد أن تغمض عيون السمكات على ملح وجرح، وضم وفتح، أيقنت يا بحر أنك الساحر المغامر، المجاهر بعشق ونزق، تحتسي من ملح الأجساد فخارك، وتمارس الوغى والغي بنبل النجباء، وشهامة الأوفياء، وتكرس موجاتك العارمة، بمداها تباغت في الفجوات بجفوة العظماء، وقسوة الندماء، ونشوة الأحباب حين يلون القمر عتمة الكون بأغنيات الساهرين المسافرين القابضين على الجمرات، المزملين بالآهات والأنات والزفرات والشهقات.. تقارع السماء بالسطوة وتبارك خطاها بالنخوة، وتمد مداك للمدى بكل سدى، وتحض حضيضك، وتخض خضيضك، وترضي رضيضك، حين تكفهر فلا تجير ولا تستجار، لأنك القاهر الجبار، المتكبر القهار، العظيم في عطائك، الأليم في بلوائك، الأثيم في جزائك، القابض الرابض عند مكمن القلب، السالب المتسبب في أسباب الحرات والحرقات، الناطق بالزبد والأبد، والمدد والسهد والكمد.

العجيب الرهيب
ذاك النهام الواقف في الأمام عند صدر المحمل، يندب ويشجب، وفي الغالب ما يستقطب عطفاً ولطفاًَ من سيادتك وزعامة حضرتك وأنت تحفر في الساحل تواريخ ومواعيد الذين لم يصلوا ولم تخرج رؤوسهم المبللة من نافذة الماء، ذاك النهام الذي تعرفه يبدو وكأنه تقاعد أو تقاعس أو رفس النعمة ليجلي عن وجهه الأسمر سحابة الملح، ويسترخي تحت نوافير الهواء الباردة، ذاك النهام يذكر جيداً تلك الثكلى التي حثت الرمل على الوجه ونعت وانتحبت في نسيج ساخط قانط وتدعو من الباري أن يعيد المفقود، ولا عودة لمن أفناه الطموح في الغايات المدلهمة.
ذاك النهام ينادي يا بحر قلبي من صخر فتته الموج، وصرت أنت العجيب الرهيب المهيب، عصي الدمع والاستجابة، يا بحر هذا صوتي يشق قميص المدى، ويتسرب بلا هدى، لعله يطيح بشيء من الجبروت، هذا صوت شراع يعتلي صدر السفينة بلون الفضاء الوسيع، يتطور نسلاً عن وجع قاب قوسين من الشفاق.. يا بحر أنت القويم المستقيم عند صراط الولع البشري لأن في عمقك زرقة الوجود وفي بلل عشبك رطوبة التداخل ما بين الأشياء.. يا بحر هنا في هذا المكان المتراص في البقعة المباركة يكون التدثر بالماء جبلة العاشقين وطهورهم ووقارهم وحشمة التراب النبيل.. يا بحر لو جف الماء واستخف الساحل بهدير الموجة لما جث الأرض بالزئير، واحتلمت الأسماك بقطرة تنز أفئدتها بالصرخة تلو الصرخة.. يا بحر ما الذي يتساقط من شفة الموجة غير رضاب، وما الذي يفوح من وجنتيها غير رائحة النزيف.
من زمان العرفان والوجدان الجميل، كان البحار يسافر لأجل التقاط غرة الحياة، وكان يهز جذع الموجة ليتساقط الأمل، فجراً يعربياً يملأ الأحشاء والأرجاء نوراً ينقش بهاءه تفاؤلاً، وتساؤلات تفتح علامات استفهامها إلى ما لا نهاية.. يا بحر من زمان، والذاكرة تغتسل برماد الماء، وتسرج خيولها لأجل احتمالات تؤرخ للبحر، وتكتب رسالاتها الشجية من حبر النساء الفارقات المدنفات من سطوة أو كبوة.... يا بحر.. من زمان الأشجان، وأنت تغرف من قديمك، تحيط بذراع ويراع، مستجدياً التضاريس بألا تحرك ساكناً بعيداً عن سواحلك، مستجدياً الناس بألا يغيرون اللحن، واللحن خليجي حتى نخاع الماء وعظم التراب.. لا تسقط الأشياء تقادماً، ولكنها تسقط عندما يجف الريق، ويعجف العود، وتسترخي عضلات الكون متخلية عن الثوابت والنوائب.. يا بحر.. لهذا الساحل رائحة المراكب التي هطلت كالماء، واستراحت وغنى أصحابها.. يا ليل.. يا عين، وترنم العود بأوتار العائدين فرحاً، المترفين شوقاً، المناظرين إلى عيون نسائهم نظرة الأشياء المفقودة المحدجين بشغف المتشظين، المرابطين عند شواطئ.. لعل وعسى.. المبتهلين إلى الثوب العتيق لعله ينضج برائحة الطيب وعبق الرغبات الكامنة ورونق الأعناق المشرئبة من أسف الغياب واضطراب المفاصل واختلاج الفواصل.. يا بحر ظلك هذا المترنح عند خطم المراكب المحطمة، وجدك هذا المتفجر غيظاً من أثر الجفاء والجفاف، غيك هذا المتحدر من سلالات ندماء قدماء تضوروا وتضرروا لكنهم ما ضاقت بهم سبل الحيلة لانتحال العشق سبباً للحياة وأزميل نخلة غارقة في التداخل واحتلال مناطق في الذاكرة لا تنجلي والأيام.. يا بحر هذا عزقك وهذا عزفك وهذا عزمك وهذا صوت النهام يراقص الشجر والبشر.
أقوال المرأة
يا بحر.. ماذا قالت تلك المرأة العازفة عن الخلود لصغيرها الذي هَّم أن يقارع الماء؟.. لا تقترب ليلاً من البحر، “بابا ورياه” يستحم في هذه الساعات ويخطف الصغار بلا رجعة.. ثم انتفضت خائفة وضمت صغيرها إلى لهفتها الجارفة، انضمت إلى ركب الراعفات شوقاً وتلفاً، تمادت في النصيحة حتى اغرورقت عينا الصغير، لكنه على غفلة نسل كإبرة الخياط، وتسرب مشياً نحو البحر، خاض في الساحل ثم في العميق، وبعد حين جيئ به مسجياً على سواعد الرجال، قالوا لها هذا ابنك أغرقته الشهامة فنام إلى الأبد.. سالت مآقي المرأة واغتسل نحرها البض بماء الملح حتى ابيضت عيناها، ولكن ظل “بابا ورياه” الرهيب خاطفاً الفرحة، يساور نساء الناس بأوهام تاريخية وألغام تتفجر كلما غابت فلذة عن الأنظار، واختفى جسد حتى أصبحت يا بحر يخبئ في جفنيك سراً وخبراً ودهراً يتساقط بين حين وآخر، بأمطار حمضية تميت القلوب وتعيث فساداً في الدروب، وتفسد الفرحة حتى وإن جاشت أحشاؤك بالدر الكامن، والخير المتزامن مع ما تبديه وتعطيه.. يا بحر كيف استطاع “بابا ورياه” أن يكتب حكايته على البحر، ويسطو على شطآن الفرح، ويستولي بفجاجة على صلابة النساء البحريات بجدارة وقدرة الأوغاد.. يا بحر كيف مد “بابا ورياه” ذراعه الطويلة وجدف في الأعماق السحيقة، ثم رفع قامة مستقيمة عريضة، ليرعب ويذهب الأرواح، ثم يسكن في الذاكرة كأنه الحقيقة الدامغة المتمرمغة عند أسباب التأكيد.. كيف أوجد هذا الكائن سطوته في قلوب النساء الصحراويات لينزغ عن وجوههن لثام الجرأة ثم يمضي بخيلاء منتصراً مظفراً، مستكبراً متجبراً؟ كيف؟
يا بحر.. ألم تكن أنت الطريق وأنت الحريق، وألم يكن “بابا ورياه” هو ذاك الأليم المتأزم، لجنة اللواتي فقدن كثيراً وانكسرن كثيراً إثر التوغل في العمق المتوحش في الغابة الزرقاء في الرمال الموغلة في الليونة في الغربة البعيدة، البعيدة حتى أقصى السواحل إلى أدناها.. يا بحر ألم يكن “بابا ورياه” شيئا من تاريخ الخوف وشيئا من ذاكرة التحدي واحتراس إذ كنت أنت الجاهم المتفاقم المتورم وعداً عدمياً عندما ينتفض شارباك ويحنق وجهك فتصير شيطاناً رجيماً وعدواً أثيماً وقابضاً لئيماً.. ألم يكن “بابا ورياه” لحظة اليقظة من مخالب ومثالب ومآرب وعواقب قد تكيد وتجيد الإطاحة بآمال وأحمال، وتصير يا بحر المتربض المتخصص في انتزاع الابتسامة من شفتين ناحلتين.. وتصير يا بحر المعتم المدلهم، غيمة قديمة تلبد على سجادتي غبار السنين وما عفرته خيول العصي والعصبية.. وتصير يا بحر نبرة الحنق والشبق الأزلي، تنثال بحماقة وعجرفة، ثم تصير يا بحر برغم كل ذلك وذاك أنت أنت الحميم وأنت النعيم وأنت الكليم الذي يبوح بأسرار الفرح عندما تعود المراكب وفي أحشائها أجنة الحياة تقدمه بشهوة المحبين المتعافين من كمد ونكد، المترفعين عن ذات وملذات، الراضعين من فيض الأرض والسماوات، الملهمين بالتفاني بلا تواني الثائرين على الأنانية وحب الذات، الخارجين من شرنقة الانتماء إلى ماء الجبلة الأولى، يوم رجمت “اليولة” بكتلة من نار لتكون البداية وتكتب أنت بقلمك المبجل أصل الحكاية وعنوان الرواية لتدحض كل غواية أو وشاية وتملأ خياشيم أسماك برائحة العشب وعرق الذين يصطادون الأمل على عجل ثم يمضون إلى غاياتهم فرحين بالرزق والزرقة المباركة.
يا بحر.. الماء فيك غدير، والشيء الكثير الكثير أنك بداية الحلم وبد الحُلُم، وأنك النهر الغزير، حين تعتلي صهوتك أحلام المحبين، وحين يشد لجامك، عرافون، يقرأون مجاهيل فناجينك، فيعزفون ويعزفون وينزفون ويسكبون العرق ألقاً وشوقاً ويمارسون نخوة البطش بشجاعة الفرسان ونصاعة الشجعان ونباهة الأفذاذ ونبوغ الجهابذة.. يا بحر الملح فيك أكسير حياة، ودواء نجاة، وإرواء لمن جف الريق فيه واستفاق من عروقه شيطان النجوم المتألقة المتناسقة عند حواف السماء بجوار شفة الأرض.
يا بحر الندى فيك ورطة جميلة كأنها الخميلة التي تظلل رأس الطير بحراشف الورق الوخاز.. يا بحر محيطك مخمل أنثى يطوق عنق كاهن عاشق يرتل الترانيم ثم يمضي في عزلته المهيبة وبلا ريبة يختزل العمر وهو يتهجى حروف الوجود يقرأ بصيص النجوم، ويستدعي الباطن ليغري ويسري ويشد أزر المعرفة كي لا تفلت من الذاكرة حبات الغموض.. يا بحر قلادتك التي أحاطت بالنحور والثغور، ترصد الجميلات فتملأن بريقاً أنيقاً وتخلد الأنوثة الندية في أعماق شفهم العشق حتى تمادت عيونهم في تفسير المبهم فيما يختبئ ويضيء ويتوارى مستجدياً الصولات والجولات والشغف الرهيب.. يا بحر في جزرك ومدك قائمة من الأسرار وحزمة من الأخبار لا يعرف كنهها إلا من خبر معنى الإدغام والإبهام وكيف تسير الأحلام في الباطن الشقي والساكن المتساقي من نهل وسهل.. يا بحر تحسدك الصحراء وأنت تجوب الخواطر مفعماً، منعماً بالقرة الفائقة وأنت تصير مع الخلود في مسافة متجاورة تحاورك العيون عن سبب هذا الهيام وهذا الدوام وما جادت به الموجة من لون وفن وشجن.. يا بحر تقام الصلاة وأنت لا زلت في النافلة الفاصلة ما بين البين.